الذكاء الصناعي والتحديات الأخلاقية

الذكاء الصناعي والتحديات الأخلاقية

الخميس - 30 شهر رمضان 1439 هـ - 14 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14443]
لم يبد أي كومبيوتر حتى هذه اللحظة ملامح من الذكاء الصناعي تكافئ مستوى الذكاء البشري، ناهيك عن الوعي والإدراك. ويعتقد بعض الخبراء أننا لن نعاين مثل هذا الأمر لفترة طويلة قادمة. ومع هذا، يفكر عدد من الأكاديميين والأخلاقيين والمطورين وصانعي السياسات بالفعل في اليوم الذي ستكتسب فيه أجهزة الكومبيوتر القدرة على الإدراك، ناهيك عن المخاوف إزاء الاستعانة بصورة أكثر بدائية من الذكاء الصناعي في مشروعات دفاعية.
والآن، فكر ماذا لو أن علماء الأحياء يعكفون منذ فترة على زراعة «مخ صغير» من خلايا بشرية حقيقية. وقد تحقق تقدم سريع للغاية على هذا الصعيد، لدرجة أن القلق بدأ يساور الباحثين إزاء ماذا يتوجب فعله إذا ما أظهرت قطعة من نسيج داخل المعمل فجأة مؤشرات على أنها في حالة وعي أو لديها قدرات على التفكير المنطقي. وفي الوقت الذي نشغل أنفسنا فيه بالتركيز على ذكاء الكومبيوترات، فإن الذكاء الصناعي ربما يأتينا أولاً في صورة حية ويحمل معه مجموعة غير مسبوقة من التحديات الأخلاقية.
في ثلاثينات القرن الماضي، وضع عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ الأسس الرياضية للحوسبة الرقمية. أما الذي لا يعرفه الكثيرون فهو أن تورينغ اضطلع بدور رائد لاحقاً في وضع نظرية رياضية للتشكل الحيوي أو كيف يتم تحويل الخلايا الفردية إلى كائنات معقدة متعددة الخلايا عبر سلسلة من التحولات الخاضعة للسيطرة والتي تنتج هياكل معقدة على نحو متزايد.
وعلى خطى تورينغ الرياضية، نجح علماء أحياء في السيطرة على التطور البيولوجي على نحو دقيق، لدرجة أن زراعة أعضاء صناعية في المعامل، بما في ذلك المخ، لم تعد محض خيال علمي. ومن الأمثلة على ذلك نجاح زراعة خلايا حية منذ وقت قريب في معمل يخص عالم الأحياء سيرجيو باسكا وزملاءه من جامعة ستانفورد. كان فريق العمل قد بدأ بخلايا جذعية، والتي تملك قدرة مذهلة على التحول إلى أي نمط خلايا في الجسم البشري، بما في ذلك خلايا المخ. بعد 10 شهور ظهرت خلايا حية للمخ في المعمل أظهرت سمات عملية للقشرة المخية الموجودة في جنين بشري تطور حديثاً، بما في ذلك خلايا عصبية بها نشاط كهربي تلقائي.
بطبيعة الحال، تفتقر هذه الخلايا إلى حجم المخ الطبيعي وأنماط أخرى من الخلايا المتخصصة الموجودة في المخ الطبيعي، بما في ذلك الخلايا الدموية والخلايا القادرة على الشعور بالعالم الخارجي، ومثل هذه الأمور سيتوصل لها العلم في وقت ليس ببعيد.
جدير بالذكر أن هذه الأبحاث هدفت إلى التوصل لوسيلة لتفهم على نحو أفضل الاضطرابات العصبية البشرية.
إلا أنه كلما زاد اقتراب الخلايا المصنعة في المعامل من الأخرى الطبيعية، زاد اقتراب هذه الأبحاث من مفترق طرق أخلاقي. والمؤكد أن التكنولوجيا التي تتجاوز الحدود الأخلاقية على نحو فج ستقابل برفض عام قوي. وعليه، يعكف الباحثون علانية على مناقشة التحديات الأخلاقية التي من المحتمل أن تفرض نفسها على امتداد الطريق. ورغم أن العلم لم ينتج بعد مخاً كاملاً داخل المعمل، فإنه يبدو في طريقه نحو هذا الأمر عاجلاً أم آجلاً. ماذا لو تمكن العلماء من زراعة قطعة حية من مخ تضم 10 ملايين خلية عصبية وتظهر علامات على الوعي الذاتي أو مؤشرات على الشعور بالحزن والأسى؟ عند أي نقطة يجب أن يكون واضحاً للجميع أن الأمر تجاوز الحدود المسموح بها؟
حتى هذه اللحظة لا أحد يعرف حتى كيف يمكن قياس مستوى الوعي داخل مادة عصبية. ومع أنه بمقدورنا قياس ذلك في المخ الطبيعي، فماذا عن قطع من نسيج المخ تشبه المخ الطبيعي بعض الشيء؟ وبالنظر إلى السرعة الكبيرة التي تنطلق بها الأبحاث في هذا المجال، فإن ثمة حاجة حقيقية لإمعان النظر في مثل هذه التساؤلات.

- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة