إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

المغني الملعون

هل تجوز له العودة للغناء على المسارح أم أنه يستحق أن يُرجم، فنياً، حتى الموت؟ في ليلة حب عاصف، صفع المغني الفرنسي برتران كانتا حبيبته الممثلة ماري ترنتنيان وتركها بلا حراك، متصوراً أنها نامت. لكنها كانت تحتضر ثم ماتت بسبب ارتجاج في المخ. أفاق العاشق من تأثير الشراب والمخدر ولم يفهم ما حدث. بكى وقال إنه كان يحبها. وردّ أهلها أنها دموع تماسيح. حوكم وأودع السجن وحاول الانتحار ثم خرج بعد أربع سنوات لأسباب مخففة. حكاية حفظ تفاصيلها قراء الصحف الشعبية لأن التكرار يُعلّم العصافير. كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات، فما الذي جدّ لكي تضع مجلة محترمة صورة المغني الملعون على غلافها، هذا الأسبوع، وتفرد له الجرائد الرصينة صدارة صفحاتها؟
القضية هي أن برتران كانتا لم يعد مطلوباً من العدالة بل من الجمهور. وهو يعود إلى المسارح رغماً عن أنوف جمعيات محاربة العنف الزوجي. فنان ملعون غير أنه لا يزال موهوباً. يكتب كلمات الأغاني ويلحنّها ويؤديها ببراعة ويجتمع حوله آلاف المعجبين. وكان قد اضطر إلى إلغاء بعض حفلاته بسبب المظاهرات المضادة وحملات نصيرات حقوق المرأة. لكنه وقف الخميس الماضي ليغني في «زينيت»، إحدى أكبر صالات الموسيقى في باريس، وجمع حوله ثلاثة آلاف مستمع. إن أياً من هؤلاء الحضور لا ينفي أن المغني ارتكب عملاً بشعاً. سوى أن القاضي اقتنع بأن المتهم لم يكن بكامل وعيه، وأن قصد القتل لم يكن متوفراً. وقد دخل الجاني إلى السجن ونال جزاء ما اقترفت يداه. فهل يحكم عليه المجتمع بحبس معنوي مؤبد يتجاوز معادلة الجريمة والعقاب؟
تحولت القضية من قصة غرام انتهت بفجيعة، وما أكثر هذه القصص، إلى جدل أخلاقي يخوض فيه علماء متخصصون في مراقبة سلوك الأفراد والمجتمعات. ليس هناك من يستطيع حرمان مواطن حرّ من ممارسة مهنته وتحصيل رزقه. وبرتران كانتا يمتهن الفن ومنه يأكل خبزه. لذلك فإن الملامة لا تقع عليه بل على ضمائر الذين يؤجرون له الصالات والذين يشترون تذاكر حفلاته ويتغاضون عن طبعه. طبع عنيف أدى إلى وفاة حبيبته، وبعد فترة إلى انتحار زوجته. ومما زاد في طين المغني بلّة أن عودته تترافق مع الحملة العالمية للتنديد بالعنف ضد المرأة وصعود شعار «me too». تيار جامح يجرف عدالة المحاكم ويستهول التهاون مع المعتدين، ممثلين ومطربين ومخرجين ومنتجين ونجوم رياضة وتلفزيون، بحجة أنهم موهوبون.
يقول المحامي إريك دوبون موريتي، وهو أحد وحوش الدفاع في فرنسا: «لسنا مجبرين على حضور حفلات برتران كانتا، ومن يستهجن ذلك ليمتنع عن سماعه». ذلك أن حرية التعبير مقدسة، حتى للمجرمين. لكن رأياً لدومينيك نورا، مديرة تحرير مجلة «لوبز» يستحق التأمل. كتبت تقول إن الفنانين هم رجال ونساء مثل غيرهم. ليسوا أقل ولا أكثر فضيلة. وإذا أردنا أن نشطب كل أعمال معنفّي النساء والمتطرفين الجنسيين والرجعيين والمجانين ومدمني الكحول والمخدرات فلن تبقى هناك ثقافة.