فرص تقدُّم العرب والثورة الصناعية الرابعة

فرص تقدُّم العرب والثورة الصناعية الرابعة

الأربعاء - 29 شعبان 1439 هـ - 16 مايو 2018 مـ رقم العدد [14414]
د. محمود محيي الدين
النائب الأول لرئيس البنك الدولي
في الوقت الذي يشهد فيه العالم بزوغ ما يُطلق عليه الثورة الصناعية الرابعة، نتذكر أنه لم يكن نصيب العرب من الثورات الصناعية الثلاث السابقة وعوائدها متناسباً مع مقومات وإمكانات كامنة لديهم. ففي القرن الثامن عشر كان اختراع المحركات البخارية وما أحدثه من نقلة نوعية في اقتصاديات الإنتاج الصناعي إيذاناً بالثورة الصناعية الأولى. أما الثورة الصناعية الثانية، فقد تزامنت مع اكتشاف الكهرباء في القرن التاسع عشر، واستُحدثت منتجات جديدة غيّرت أنماط الإنتاج، بل طوّرت من حياة البشر، ولتنظر ببساطة إلى أثر أجهزة منزلية معمّرة كثلاجات تحفظ الطعام وغسالات كهربائية للملابس وغيرها. أما الثورة الصناعية الثالثة فلقد اعتمدت على المستجدات التكنولوجية في القرن العشرين التي ارتبطت باختراع وتطوير الحواسب الآلية وانتشارها في مجالات الإنتاج والخدمات ووسائل المعيشة. إلا أن الثورة الصناعية الرابعة تمثل نقلة كبرى في انطلاق الاقتصاد الرقمي وتكنولوجيا المعلومات وما يرتبط بها من ابتكارات ومنتجات ستبدل حياة الناس والإنتاج بما لم تسبقها إليه أيٌّ من الثورات الصناعية السابقة. وهاكُمُ ثلاثة أمثلة ستمسّ مباشرة أوجه الحياة:
- يجري تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس لشبكات الهواتف المحمولة، وفي خلال عامين ستكون هذه الشبكات أسرع بمقدار 50 مرة عما هو متاح لدينا الآن. وهناك علاقة وطيدة بين سرعة شبكات المعلومات والنمو الاقتصادي، ومن التقديرات أن كل زيادة بمقدار 10% من سرعة هذه الشبكات تزيد النمو الاقتصادي بنحو 1,3% وتتزايد تأثيراتها بمدى توسع وشمول هذه الشبكات لشرائح المجتمع وأماكن التعلم والعمل والسكن.
- ستغير الطباعة ثلاثية الأبعاد أنماط الإنتاج وأسواق العمل عما نعهده. فبدلاً من اعتماد صناعة الأحذية الرياضية مثلاً، والتي تقدَّر قيمتها بما يزيد على 80 مليار دولار سنوياً، على عمالة قليلة التكلفة في دول نامية نرى اتجاهاً لمنتجي بعض الماركات والأصناف العالمية لإقامة مراكز تصنيع لهذه الأحذية بالقرب من أسواق استهلاكها، بما سيكون لذلك من آثار على فرص العمل وحركة التجارة والنقل واستثماراتها.
- يكاد يحاكي مستقبل قطاع النقل والمواصلات في بعض المدن أفلام الخيال العلمي، بين سيارات ذاتية القيادة وحافلات وقطارات سريعة تنقل بشراً بأعداد غفيرة يتم التحكم فيها من خلال نظم معقدة لتكنولوجيا المعلومات، بما جعل رئيس شركة «ليفت» لنقل الركاب، المنافسة لشركة «أوبر»، يتنبأ بأن أغلب السيارات العاملة في شركته ستكون ذاتية القيادة خلال خمس سنوت فقط، وأن ملكية الفرد لسيارة في المدن الأميركية الكبيرة ستكون أمراً نادراً في منتصف العقد القادم. ولا يتوقف الأمر على انتقال الأفراد، بل يمتد وبمعدلات متسارعة لنقل البضائع براً، بعربات نقل متفاوتة الأحجام ذاتية القيادة، وجواً بطائرات من دون طيار تحلّق متفادية ازدحام الطرق ومختصرة الزمن، ناقلة للسلع، بل ومسعفة لمرضى وجرحى في مناطق قريبة وأخرى نائية.
هذه مجرد أمثلة، وهناك أخرى كثيرة لنماذج من مستحدثات ومنتجات الثورة الصناعية الرابعة. سيزيد بعض هذه المنتجات من الكفاءة الإنتاجية للعامل والبعض الآخر سيحل محل العامل نفسه. والأمر هنا لا يقتصر على إحلال الماكينات محل ذوي الياقات الزرقاء من المهرة وغيرهم، كما حدث من قبل مع الثورة الصناعية الأولى، لكن الأمر يطول أصحاب ياقات بيضاء وتخصصات دقيقة حسبوا أنهم بمأمن، لكن الكائنات الآلية ذات الذكاء الاصطناعي المتطور باتت تهددهم.
في هذا العالم الجديد قد لا تتحمل الاقتصادات العربية تكاليف باهظة للتخلص من تكنولوجيا تقادمت، لأن أكثرها غير موجود فيها أصلاً، على عكس حال الدول الصناعية القديمة وما يلزمها من إعادة هيكلة مكلفة وتعويضات. وبهذا قد تكون لبعض الدول العربية مزيّة البدء متأخراً بالتقدم من حيث انتهى الآخرون، والاستفادة من تجاربهم نجاحاً أو إخفاقاً وألا يعيدوا اختراع العجلة. لكن عليهم الأخذ بأسباب التقدم وألا يضيعوا فرصة التطور كما حدث من قبل مع الثورات الصناعية الثلاث السالفة. فبمراجعة مؤشرات التنافسية الدولية والتقارير الدورية عن تكنولوجيا المعلومات كتلك الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات، أو المنتدى الاقتصادي العالمي، تجد الدول العربية في مراتب متأخرة عالمياً، إلا قليلاً. هذا يحتّم بذل جهد فائق في إطار سياسات عامة وتكنولوجية منضبطة، تطبقها مؤسسات محترفة، لا تنظر إلى تكنولوجيا المعلومات علي أنها قطاع بيروقراطي مستقل، بل تدمجه وفق أزمنة ومواقيت محددة، قبل ضياع الفرص، في زمن لن يكترث فيه أحد لباكين على لبن مسكوب.
أولى أولويات هذه السياسات تتمثل في الاستفادة من صغر أعمار المجتمعات العربية، وغلبة الشباب في التركيبة السكانية، والارتقاء برأس المال البشري من خلال التعليم والرعاية الصحية للجميع. فمن الحتمي في يومنا هذا تغيير التعليم من عملية رتيبة لا تزكّي معرفة ولا تطوّر مهارة، وتنتهي بشهادات مختومة لإتمام دراسة لا تفيد أصحابها إلا قليلاً. كما ينبغي توجيه الإنفاق إلى التدريب على المهارات والإلمام بالمعارف المتطورة من خلال نظم التعلم المستمر. فلا جدوى من نظم تعليم لا تُعِدّ الشباب بمعارف متقدمة في رباعي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
ثانياً، النظر في استثمارات البنية الأساسية بما يتجاوز النفقات المعتادة في الطرق والموانئ ومثيلاتها من المجالات التقليدية، لتتناول إعدادها لمتطلبات مستقبل النقل والمواصلات، والعمل على تطوير الاستثمارات العامة والخاصة والمشتركة في البنية الأساسية المطلوبة للاستفادة من مستحدثات الثورة الصناعية الرابعة من شبكات إلى كابلات فائقة السرعة وتوسيع نطاق ورفع كفاءة نظم الهواتف المحمولة، والإنترنت، والاستثمار المبكر في تطبيقات الحواسب الآلية، وما يُعرف بالبلوك تشين أو سلسلة الكتل.
ثالثاً، رغم تحسن مؤشرات الشمول المالي في الدول العربية في عام 2017، فإنه لا يزال أكثر من 60% من العرب من دون حسابات مالية أو بنكية، كما أن كثيراً منهم لا يملكون أرقاماً قومية موحدة، بما يمنعهم من الاستفادة من خدمات عامة ومنتجات خاصة تتطور يومياً من خلال شبكات المعلومات وتطبيقاتها. ولننظر إلى كينيا التي حققت تطوراً كبيراً في الشمول المالي تجاوز 75% من مواطنيها في فترة وجيزة، من خلال تعاون متميز بين جهات الرقابة المالية، والإشراف على قطاع الاتصالات والقطاع الخاص، كما استخدمت الهند تكنولوجيا رقمية، وبصمات العين لإدراج ما يزيد على مليار مواطن في السجلات والإحصاءات الرسمية ومن ثم الخدمات الحكومية.
رابعاً، لم يكن القائلون بأن «قواعد البيانات الكبرى هي النفط الجديد» من المبالغين، فقواعد البيانات الكبرى هي وقود عصر المعلومات والاقتصاد الرقمي، ولا عجب في أن الشركات التكنولوجية الخمس المسيطرة على قواعد البيانات الكبرى هي الأكبر ربحية والأعلى قيمة في أسواق المال. فهل أعد العرب عدتهم للتعامل مع هذا النفط الجديد؟ للإجابة عن هذا السؤال تنبغي مراجعة قوانين المعلومات مثلما فعلت أوروبا بتشريعها الجديد الذي سيطبق في الخامس والعشرين من هذا الشهر بشأن «القواعد الرقابية العامة لحماية البيانات». كما تجب مراجعة الكفاءة المؤسسية في التعامل مع البيانات والمعلومات جمعاً وحفظاً وتحليلاً وتداولاً وإفصاحاً ومعايير حماية الخصوصية والسرية.
علمنا من نتائج الثورات الصناعية الأولى أن المستقبل لمن سعى منطلقاً إلى رحاب التقدم، ولم يستنفد جهده متعلقاً بأحبال وهمٍ واهية، وأن الفيصل بين التقدم والتخلف مرتهن بسرعة توافق المجتمعات والاقتصادات مع مستجدات التكنولوجيا وترويضها لنفع الناس.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة