الوطن وحوارات الوطنية

الوطن وحوارات الوطنية

الخميس - 6 جمادى الآخرة 1439 هـ - 22 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14331]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة "العربيّة"
كان من بين القادة الذين قاتلوا تحت إمرة قيادة الملك فيصل، رحمه الله، عندما انتصر في استعادة المناطق السعودية الجنوبية، ووصلت القوات السعودية إلى مدينة الحديدة، التي ما لبثت أن تركتها بعد 3 أشهر بعد توجيه من الملك عبد العزيز لتعود إلى حدود الدولة السعودية. وشارك في عدد من حروب التوحيد لاحقاً.
هذه سيرة اخترتها لأنها تختصر معاني كثيرة. اللواء سعيد جودت، كان في البداية ضابطاً في الحامية التركية، وهُزم أمام قوات الملك عبد العزيز، رحمه الله. وعندما مثل أمام الملك أمر بفك قيوده وبقية أسرى الحرب، وخيَّره بين أن يعود إلى تركيا أو أن يلتحق بقواته، فاختار اللواء جودت أن يلتحق بهذا القائد العظيم. ومن رفاقه من التحق به ومنهم من عادوا إلى بلادهم. جودت عمل في صفوف قوات السعودية الجديدة ولاحقاً وثق به الملك المؤسس وكلّفه بواحدة من أعلى الوظائف مرتبةً وأهميةً، قائداً للحرس الملكي.
الملك عبد العزيز كان شخصية استثنائية، لم يكن ضيق الأفق، ولا متعصباً. حمل رؤية متقدمة على زمنه، وعلى بقية زعماء المنطقة ببناء دولة ذات طموحات كبيرة، وكل من حاربهم وانتصر عليهم ضمهم إلى مؤسسات دولته. الملك عبد العزيز أسس مملكة حديثة تتسع للجميع، وضم في حكومته ومجلسه قادة القبائل ووجهاء المجتمع، أيضاً ضم مصريين وسوريين وفلسطينيين وعراقيين وليبيين وغيرهم. منحهم جنسية دولته وكانوا من رجاله، منهم من حارب خلفه ومنهم من خدم دولته الحديثة. كانت السعودية دولة فقيرة، بلا بترول، وترك هؤلاء بلدانهم إيماناً به وبمشروعه.
هذه القصة ربما تختصر ما لم يستطع فهمه بعض الذين ينظرون اليوم إلى مجتمعهم بعين ضيقة، يرون بلداً صغيراً، وموارد محدودة، ويحلمون بطموحات متواضعة. دبَّ فيهم الفزع خشية أن يتم تجنيس غير السعوديين، مع أن هذا ليس صحيحاً، سواء من يستحق وفق النظام أو من دونه. الخوف من هجمة الأجانب، وتذويب المجتمع، هواجس عامة نراها تجتاح كثيراً من الدول التي صارت تظهر فيها دعوات الإقصاء بحجة المواطنة الخالصة، في الأردن ولبنان والكويت وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها. عنصرية ليست مقتصرة على السعوديين، بل من إفرازات التنافس في السوق، وطوابير البطالة، وجعلت التعبير عنها سهلاً، عبر وسائل التواصل السهلة والسريعة والحرة، فدبّ خلاف بين المتقوقعين والمنفتحين، بين القلقين والواثقين، بين قصيري النظر وأصحاب الطموحات الكبيرة والبعيدة. معظمهم، على الطرفين، من حملة النوايا الحسنة يريدون حماية أنفسهم وأولادهم ومصالحهم، لكن قد يقودهم أصحاب نوايا سيئة. للتوّ أفلتنا من قيود جماعة كانت تسمي نفسها الصحوة الدينية نجحت لعقدين من الزمن في نشر فكر إقصاء مَن يختلف معها، بعد أن جعلت الإسلام حكراً عليها. والآن يظهر مَن يريد أن يختصر الوطن على نفسه وأهله ويلغي غيرهم. هناك حقائق ثابتة مهما عبّر البعض وتمنى، الدولة للجميع لا لبعض الناس، مهما علت أصولهم أو امتدت جذورهم. وقوانين الدولة ودستورها هي المرجع وليست بالمفاخرة أو المنابزة. والذي حصل على الجنسية البارحة مواطن كامل، له نفس الحقوق التي لغيره ممن سبقوه.
سعيد جودت كان كردياً عراقياً، من عسكر الأتراك، جعله عبد العزيز من مواطنيه. وكذلك فعل مع الدكتور عبد الله الديملوجي، أيضاً عراقي من عسكر تركيا، خيَّره واختار العمل مع الملك عبد العزيز وأصبح سعودياً. وهناك يوسف ياسين ورشاد فرعون من سوريا، والمصري حافظ وهبة، والليبي خالد القرقني وغيرهم الكثير. وعندما تسلم الحكم الملك سعود أيضاً أبقاهم. وأَلِفنا في عهد الملك فيصل أن نرى في اجتماعاته ومجلسه شخصيات مثل د. رشاد فرعون.
وبالتالي ليس صحيحاً أن التجنيس بدعة، ولا أن الدولة قامت على البعض وللبعض دون غيرهم. السعودية مشروع دولة حديث متقدم منذ نحو تسعين عاماً، ضمت بين أهلها من سكانها مَن هم من الصين وروسيا وإلى الهند وبريطانيا. هذه ميزة كبيرة ومصدر فخر لنا ولهم، والانسياق وراء التقسيم والفرز يخدم فقط الذين يتمنون زرع أفكار إضعاف المجتمع وشرذمته. ولا أحد يريد تقديم الأجانب على المواطنين، فالمواطنة أولوية سياسة كل الدول تقريباً، لا يفترض أن تخلط بين مفاهيم مثل التوظيف والتجنيس وتشوش عليها. أمامنا بلد كبير وفرص عظيمة وقيادة بطموحات أكبر من أن نختصرها في تجاذبات من القرون الماضية.
[email protected]

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
22/02/2018 - 00:09

أصول ومنطق الحوار الموضوعي حول قضية مطروحة لا يزال مجتمعنا يفتقر إليها، بصراحة أكبر لا يزال مجتمعنا منغلقاً والعقول المتحجرة لا تزال ذات حضور طاغٍ، ثم كما تفضل الأستاذعبدالرحمن فوجه العنصرية والشعوبية أصبح يلوح الآن في كل بقعة من بقاع الأرض، فهي التي أوصلت ترمب إلى البيت الأبيض وأخرجت بريطانيا من منظومة الوحدة الأوروبية وكادت أن تنادي بماري لوبان العنصرية المتطرفة رئيسة للجمهورية الفرنسية الدولة الأكثر ليبرالية في العالم، العنصرية والتقوقع وكراهية الأجانب أصبحت فاقعة في دول ومجتمعات ديمقراطية يقاس تقدمها عنا بالسنين الضوئية فكيف بمجتمعنا الذي لو قلت رأيك حول قضية ما (قابلة للنقاش) لأتتك "التعليقات" سباً وشتماً ولعناً وتكفيراً، العقل والحكمة ليست متاحة للجميع بل هي نعمة يختص الله بها من يشاء من عباده "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا".

عربي قديم
البلد: 
السعودية
22/02/2018 - 08:41

كلام الكاتب جميل ومنطقي ولكن في سياقه الزمني، عندما استوعب الملك عبدالعزيز سعيد جودت وغيره من غير ابناء الجزيرة كان لحكمة الملوك الاستثنائية وذلك لأسباب عدة منها، انه في ذلك الوقت بعد التأسيس كان استيعاب من له اضافة للبلد ضرورة كان يراها الحاكم العظيم، كان الشعب قلة والتعليم أقل ، واستيعاب اصحاب الخبرات في وقتها ضرورة قصوى للإستفادة من الكوادر المتعلمة والخبرات في كل المجالات..

أما الآن فالوقت مختلف والظرف مختلف، الشعب أصبح اكثر عدداً وأكثر تعليماً وتأهيلاً ، فأكبر شركة نفط بالعالم تدار بأيدي وعقول سعودية وكذلك اكبر شركة بيتروكيماويات والقطاعات المالية وكل ما يؤثر على الإقتصاد المحلي والدولي.

لذلك يا كاتبنا الكريم لا يمكن ان نسقط الحالة الزمانية في وقت الملك عبدالعزيز كما هو الآن ، برغم ذلك لا يمنع من استقطاب كفاءات لها اضافة للوطن

22/02/2018 - 10:20

مقال جميل جدا لكن فات علي كاتبنا الكبير ان معظم وجل الدول يوجد لديها تعريف للمواطنة فهلا يفيدنا كاتبنا المحترم عن تعريف المواطنة لدينا مع التحية لشخص الكاتب والصحيفة الموقرة

mhakar
البلد: 
SUDAN
22/02/2018 - 10:29

رؤى جديرة بالاحترام والتقدير ودائما ألفنا صاحب هذا القلم السيال الشجاعة طرح افكاره مباشرة والدفاع عما يؤمن به دون تزلف

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
22/02/2018 - 10:47

مقالة جريئة وجديرة بالقراءة من قبل القادة والمسئولين وفقهم الله .

عز الدين
البلد: 
السعودية
22/02/2018 - 11:12

يا سبحان الله يالسعة افقك وانفتاحك يا أستاذ راشد والله ثم والله مقالك في غاية الروعة والجرأة. وكنت اعاني من مشكلة شخصية مؤرقتتي ووجدت بين ثنايا مقالك حل لها رغم انه المشكلة بعيدة عن موضوع المقال الا انه الفكر السامي يحل اكثر من مشكلة.

عزالدين
22/02/2018 - 11:15

يا سبحان الله يالسعة افقك وانفتاحك يا أستاذ راشد والله ثم والله مقالك في غاية الروعة والجرأة. وكنت اعاني من مشكلة شخصية مؤرقتتي ووجدت بين ثنايا مقالك حل لها رغم انه المشكلة بعيدة عن موضوع المقال الا انه الفكر السامي يحل اكثر من مشكلة.

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
22/02/2018 - 12:17

عندما يتم ذكر أقوال الصحف في بعض الفضائيات ، فإنهم يتطرقون إلى مقال الأستاذ عبد الرحمن الراشد بصفته الإعلامي السعودي الذي تقلد أكثر من منصب واستقال طواعية ليتفرغ لمقالات أكثر قربا وشفافية من هموم الوطن والمواطن بشكل مهني متفرّد ، وما تطرق اليه اليوم عن موضوع الجنسية والتجنيس والمواطنة ، وتبديد لتخوف الكثيرين سواء كانوا سعوديين أو وافدين ، فالسعودية حافظت على ثقافتها وتراثها رغم وجود أعداد كبيرة من الوافدين التي قُدرت بنحو خمسة وثلاثين بالمائة في بعض الاحيان ، اما عن الذين حصلوا على الجنسية فهم أولئك الذين ثبت انتماؤهم للسعودية من خلال تفانيهم في حب تراب هذا الوطن والعمل على المساهمة الفعلية في التنمية الصادقة بما يمتلكونه من قدرات وكفاءات كل في مجاله ، فكانوا جنودا بحق لهذا الوطن ، أما ما يُشاع عن استغناء المملكة عن كافة الوافدين

طوني السعوطي
البلد: 
الحجاز
22/02/2018 - 12:27

الحجاز لاهله ونجد لاهلها والاجانب على بلادهم
والطروش يرجعو لاصلهم

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
22/02/2018 - 12:35

2 -تابع ، فهذا غير صحيح ، فهي تريد الاستغناء عن أولئك الذين يقومون بأعمال يجيدها السعوديون مع الإبقاء على نقص هنا أو هناك إلى ان يكتمل عدد المؤهلين للقيام بأعمال وطنهم ، علما بأنّه لا يوجد دولة في العالم تستورد عمالة اجنبية للقيام بما يستطيعه مواطن ذاك البلد ، وإنما تفعل ذلك لسدّ حاجة هنا أو هناك ، إما لعدم كفاية الايدي العاملة مثل كندا والمانيا والسويد على سبيل المثال ، أو لاستقطاب كفاءات وعقول غير موجودة لديهم ، أما في حالة الاكتفاء الذاتي في جميع المجالات فتقوم الأوطان على سواعد أبناءها ، وما من دولة لا تحتاج لمساعدات أبناء دول أخرى ، وكلنا يعلم كيف قامت أمريكا قبل ثلاثمائة عان ، وما تزال، على اكتاف المهاجرين .
ومن هنا نفهم أنّ عملية السعودة تتم من أسفل الهرم إلى أعلاه وستبقى المملكة بحاجة إلى مساهمات الكفاءات العالية إلى حين

سعيد الغامدي
23/02/2018 - 10:38

اهل بك يا اخت نوف رايي ان التجنيس يجب ان يتم عندالولاده حتى يتربى الطفل وهو يعلم انه مواطن ويترسخ الولاءللوطن في ذهنه وفي تربيته اماان نتركه تحت تهديد انت اجنبي ويحمل معه رعب الغربة وعدم الانتماء والكراهية وناتي في وقت متاخر للجدل حول تجنيسه فتلك معضلة اجتماعية لها عواقب سيية.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة