ماضٍ يأسر الحاضر

ماضٍ يأسر الحاضر

الأربعاء - 6 جمادى الآخرة 1439 هـ - 21 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14330]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
تردد على ألسنة العقلاء، منذ قديم الأزمان، أن أفضل مكان للماضي هو أن يبقى حيث هو، رهن الماضي. يصحّ هذا المبدأ عند التعامل مع الحال العام، كما إزاء خاص الأحوال. في الحالة الأولى، أن يوضع ماضي تراث الأمم، وثقافات الشعوب، بالمكان اللائق بما تستحق من اهتمام، ليس يعني القطع معها من حيث التبجيل والاحترام، إنما من منطلق ألا يؤدي التواصل المطلوب مع حضارة ما، سادت لقرون، ثم نامت بضعة قرون، إلى انغلاق قوم تلك الحضارة على أنفسهم، فإذا بحاضرهم أسير ماضٍ يعرقل دواليب التقدم نحو مستقبل يحث آخرون كثر الخطى كل يوم على دروب تجدده المختلفة، غير مبالين بأقوام آخرين أسرهم الإعجاب بما حقق أسلافهم وتخلف ركبهم حتى عن مواكبة تألق ماضيهم بحاضر أفضل مما مضى. غريب؟ بلى. إنما، ألم يُسمَع قولٌ صِدقٌ أنذر بأن خالق البشر لا يغيّر ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أم أن السمع حصل، وما أدرِك كثيرون جوهر المعنى؟ ربما.
الشواهد بمشارق الأرض ومغاربها تثبت لمن يسعى للتأكد، أن ما مِن قومٍ ظلوا أسرى ماضٍ تولى أفلحوا في نفض غبار عرقل قطار سيرهم إلى الغد الأفضل. في سياق ضرورة تغيير ما بالنفس كي ينصلح الحال، يمكن القول إن تغيّر أوضاع الناس بأي مجتمع يتطلب، ضمن مطالب عدة، وقف التغني غير المجدي بمجد لم يعد قائماً، والكف عن التلذذ ببكاء ألم ما ولّى من أوجاع وأحزان. يكفي إلقاء نظرة على أحوال شعوب تجرعت كؤوس مُرّ الهزائم خلال ثاني حرب كونية، كي يتضح كم هو ضروري تحرر النفوس من أسر إحساس الهزيمة ومرارتها لانطلاق البناء من جديد. ترى، لو أن شعب اليابان، أو الألمان، مثلاً، استسلموا للهزيمة في داخلهم بعدما استسلم جنرالاتهم في الميدان، هل كان بإمكانهم المضي قدماً، وتحقيق ما بلغوه من تقدم؟ الأرجح أن الجواب واضح كما وضوح شعاع الشمس لكل عين ترى.
كذلك الأمر في خاص الأحوال. صحيح أن ماضي الشخص سوف يظل جزءاً من الذاكرة، طالما بقيت تعمل، لكن الصحيح أيضاً أن السماح لأي جزءٍ أليم من ماضٍ شخصي ذهب بعيداً، كي يحكم نظرة المرء للحياة ككل، وللناس أجمعين، سوف يترك أثراً سلبياً، وربما مدمراً، على مجمل شخصية أي فرد، ومن ثم السلوك تجاه الآخرين، سواء في البيت، أو المدرسة، أو العمل. يحدث هذا دائماً، وفي مراحل مختلفة من مشاوير الحياة. يحدثني صديق أنه كان صبياً يسبح عندما كاد يغرق، وإذ فتح عينيه على الشاطئ بعدما أنقِذ، سارع إلى أخذ نفس عميق ثم انطلق نحو البحر، فغطس في الماء دقائق وطلع يقول للأصدقاء، مبتسماً: لو لم أفعل ذلك الآن سأخاف قطرات المطر إذا تجمعت في الشارع. حقاً، لقد صدق.
بيد أن ثمة ما قد يستعصي، أحياناً، من آلام الماضي على كل نسيان، حتى لو أمكن للمرء أن يتجاوز ويمضي بلا التفات إلى الوراء، فينجح ويحلّق في فضاء دراسته، ثم عمله، لدرجة قد تجلب له الغيرة أو الحسد. لعل الأسوأ بين حالات الماضي الأليم، هو تعرض القصّر للتحرش الجنسي، ثم الأسوأ أكثر كثيراً أن يتم اعتداء أو اغتصاب من قبل بعضٍ هم أهل، أو جيران، أو أصدقاء أسرة، أو معلم مدرسة، أو مدرب في ملعب. أولئك أفراد دخلوا قلب القاصر من منطلق الثقة بهم، فاستباحوا الجسد الغض وأباحوه لغرائزهم المقززة، وما همهم ماذا سيحصل للصبي، بدناً ونفساً، عقلاً وروحاً، حاضراً ومستقبلاً. إلى أي درك من قبح البشاعة يمكن لأنانية الغرائز أن تنزل؟ وجدتني أتساءل إذ أبصر، وأسمع، بكاء أحد الضحايا، أمام كاميرات التلفزيون الخميس الماضي. الضحية واحد ممن اعتدى عليهم مدرب كرة القدم البريطاني السابق، باري بينيل. لم يستطع الذي هو الآن رجل يبدو كامل الرجولة، أن يحول بين آلام ماضيه ولحظة الحكم على مغتصبه، فانهمر الدمع. تُرى، هل يدرك كل من يحرك، أو تحرك، ألم ماضٍ دُفِن وتُرِك رهن الماضي، خطر سوء فعل كهذا وتأثيره على حياة أي شخص؟ كذلك الحال في الشأن العام، متى سيدرك كثيرون حقيقة أن مجرد التغني بمجد الماضي لن يغير واقع الحاضر، ولن يصنع الغد الأفضل؟

التعليقات

وفاء
البلد: 
تونس
21/02/2018 - 01:41

مقال رائع سيدي الكريم .ليس أسوأ من أن يسمح أحدنا لماضيه أن يشل حاضره ولا خير في أمة تتغنى بأمجاد خلت و تقف مكتوفة الأيدي أمام حاضر يستحق الرثاء أليس النهوض أجدى من بكاء على الأطلال لا يزيد النفس الا حسرة . لقد أصبت كبد الحقيقة حين سميت الأمر أسرا هو كذلك بل قد يغدو أسوأ حين تستسلم له الحواس فيصبح أشبه بموت سريري . استحضار الماضي لشحذ الهمم مرغوب والنسيان سبيل تحرر النفوس من أسقامها . أما الأمور التي قد تستعصي على النسيان فالتجاهل أولى بها فتعسا لمن ألقى بحياته بين استحضار واحتضار..

محمود ديب
البلد: 
غزة
21/02/2018 - 07:50

صدقت عزيزي الكاتب التغني بالماضي لن يصنع مستقبلا أبدا أذكر أن مجلة العربي التي تصدر في الكويت شهريا وفي صفحتها الثانية وبشكل دوري كنت أتابع تواجد موضوع رئسي إسمه حضارات سادت ثم بادت فهذه هي حتمية التاريخ وطبيعة التطور فالكثير من الحضارات أصبحت اليوم آثارا تزار وعظة تدرس ولكن مسألة التمسك بها وتمني عودتها والوقوف عند الترجي والاحلام لن يصنع مستقبلا أبدا فالذي يذهب لن يعود وهذا التفكير الرجعي يسير عكس التاريخ أما على المستوى الشخصي فالماضي لا ينسى بسهولة والقليل الذين يستطيعون نسيانه ولعل العلاج النفسي يكون أحيانا مفيدا للخروج من دائرة الماضي البغيضة فالكثير منا يؤثر ما حدث لهم في الماضي تأثيرا سلبيا كبيرا على حياتهم الشخصية وقرارتهم وحتى على الطموح وصناعة المستقبل فالانسان عبارة عن ذاكرة وشريط سينمائي لا يتوقف

أم محمد
البلد: 
فلسطين
21/02/2018 - 09:50

فرق بين النسيان والتناسي فلأول صعب للغاية والثاني ممكن. ومهما غفى الماضي في دهاليز النفس فإنه يبقى يسكن الذاكرة، وتراث الغابر موضع اعتزاز بشكل عام لكنه لا يوضع كله في سلّة واحدة بل يجب فرزه وتنقيته مما علق به من شوائب فهو يحوي الغث و السمين، والمقال أكثر من رائع يضم غموس العاطفة الانسانية الطاهرة وايضا زادا للفكر والتأمل والتدبر.

آمال موسى
البلد: 
تونس
21/02/2018 - 10:01

مقال جميل وعميق جدا كالعادة...فاتحة المقال على غاية من الأهمية:" تردد على ألسنة العقلاء، منذ قديم الأزمان، أن أفضل مكان للماضي هو أن يبقى حيث هو، رهن الماضي."...العلاقة بالماضي فيها عطب حقيقي.

أبو فادي
البلد: 
فلسطين المحتلة
22/02/2018 - 06:48

مهما طال العمر يظل الحاضر أسيراً للماضي رغم نعمة النسيان التي منّ المولى عز وجل علينا بها، وما النسيان إلا كي نصنع المستقبل لما بقي من العمر إذ لو ظل الماضي حاضراً في الذهن والواقع فلن نستطيع تجاوز الماضي وبناء المستقبل الرغيد.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة