اختيار وإجبار

اختيار وإجبار

الأربعاء - 22 جمادى الأولى 1439 هـ - 07 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14316]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
زميلنا الأستاذ عبد الله العلويط، الباحث المعروف في المملكة، أثار هذا الأسبوع مسألة التدين القسري، في سياق حديث للتلفزيون عن إغلاق المتاجر والأعمال في أوقات الصلاة. وهذا عرف عمره نصف قرن على الأقل، عرفنا لاحقاً أنه لا يستند إلى قانون عام. فقد أنشئ بمبادرة من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي كانت موكولة بهذا الأمر. واستمر هذا العرف إلى اليوم. وبات معتاداً أن يتوقف موظفو الدوائر الرسمية ساعة أو بعض ساعة، إذا حل وقت الصلاة، مع أن الصلاة نفسها لا تستغرق سوى بضع دقائق.
وقد بعث حديث الأستاذ عبد الله جدلاً ينشط ويهدأ بين حين وآخر، حول صحة هذا العرف وانسجامه مع روح الدين. لا يصعب تصور موقف طرفي الجدل. فمن يؤيد استمراره يحتج بأن الصلاة أعظم تمظهرات الدين في الحياة اليومية. فلا ينبغي السماح بالتهاون فيها، وأن على الحكومة أن تستعمل سلطتها في جعل الطابع الديني حاضراً مشهوداً في الحياة اليومية للمجتمع. ويكرر هؤلاء قولا ينسب للخليفة الراشد عثمان بن عفان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وهو مشهور، ومعناه معقول. لكن نسبته غير متيقنة.
والقصد من الاستشهاد به أن استعمال أدوات السلطة المادية ضروري، حين لا يستجيب الناس للدعوة اللينة والتذكير الحسن.
معارضو ذلك العرف، حجتهم أن الصلاة تكليف فردي، يجب على المؤمن إقامتها مختاراً مطمئناً. ولو أقامها مجبراً فقدت نية التقرب إلى الله، والنية ركن في العبادة. وتذكر في العادة روايات وقصص عن صحابة وخلفاء تراجعوا عن استعمال القسر، بعدما احتج عليهم بأن المصلي صلى خوفاً منهم، لا رغبة في رضا الله.
أما الحديث المشار إليه، فالأولى صرفه إلى عمل الحاكم، الذي ينطوي بطبعه على جانب جبري، ومثله عمل القاضي الذي يحكم في النزاعات، فلا بد أن يكون أحد الطرفين غير راضٍ بالحكم، لكنه يضطر لإنفاذه خشية العقاب. وهذا من طبائع الأشياء. أما العبادات، فهي كما سلف القول، مشروطة بالاختيار وخلوص النية، مجردة عن القسر المباشر والمادي.
جوهر الموضوع إذن هو التدين الجبري الذي كان مسكوتاً عنه في الماضي. لكنه اليوم يواجه باحتجاج صامت حيناً وصاخب حيناً آخر. وأعلم أن بعض الدعاة والآباء كانوا يتقبلون الفكرة في الماضي. لكنهم يعارضونها الآن، بعدما اكتشفوا أن الجبر على الشعائر والمظاهر الدينية، قد أسهم في توليد توترات نفسية وسلوكية، بخلاف ما يفترض من ثمرات الإيمان، أي الاطمئنان والسلام الداخلي وملاينة الآخرين. وذكر أحد الدعاة البارزين، أن هذا النوع من الجبر قد يفسر ارتفاع نسبة الاكتئاب عند النساء، مقارنة بالرجال الذين يتعرضون لقدر أقل من الجبر على المظاهر الدينية.
هذه النقطة تشير في الحقيقة إلى حاجة ملحة للتفكير في الشعائر والمظاهر الدينية، كعنصر متكامل مع الإطار العام للحياة الشخصية أو الاجتماعية. بعبارة أخرى، فإن تحقيق حكمة الصلاة مثلاً، كما في قوله تعالى: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» رهن بتواصل الصلاة وتناغمها مع الإطار الحياتي الذي تجري فيه. أما الشعائر التي يقيمها الإنسان مجبراً، فهي مجرد حلقة منفصلة عن حياته ووجدانه، مثل دواء يتناوله المريض وهو يتمنى الخلاص منه في أقرب وقت.

التعليقات

عاطف ابوبكر احمد
البلد: 
السودان
07/02/2018 - 07:23

الكاتب من الكتاب الذين ظهروا حديثا وبقوة، لكن يطرح مواضيع تحتاج للتأنى فى القراءة،اتمنى أنك تقرأ له
هذا ماكتبته عنك وارسلته لصحفى ومدير صحيفة فى بلدى
اقرا واتابع وانتظر مقالاتك واثمن واقدر كثير من مقالاتك خاصه : المعنى الدنيوى لتجديد الخطاب الدينى
لكن ارى انه جانبك/خالفك التوفيق هذه المرة فى الاختيار والمعالجه ،خاصة الجمله الاخيره فى المقال

أبو هشام اليحيى
البلد: 
بريدة . السعودية
07/02/2018 - 08:44

طرح الآراء المختلفة في موضوع الكاتب بهذه القوة والحيادية حالة مفصلية بين أن يكمل القاريء الذكي المقال ليستفيد وبين أن يخرج سريعاً منه لانكشاف توجهه . أعتقد أن مثل هذا المقال هو مايصنع قاعدة متينة للكاتب من خلال عدم إخفائه لمبررات الرأي الذي لايميل إليه . للمحسن أحسنت يجب أن تكون موازية لما تعودنا عليه من تفرغنا فقط للنقد . أسجل احترامي للكاتب وإن اختلفت معه بالنتيجة فالمهم ليس التوافق بل طرح الفكرة باحترام الرأي المخالف .

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
07/02/2018 - 10:33

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( سورة المنافقون)
ومن هنا فلا نحتاج لدليل آخر حول ترك البيع والذهاب للصلاة إلا في يوم الجمعة ، فلِم التعسير ، وعن أنس رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا)؛متفق عليه ، والخلاصة أنّ لا ذكر لاغلاق المحال ، بما فيها الصيدليات والمستشفيات والمكاتب ، لقضاء الصلاة، مع علمنا بان الكثيرين بغلقون أبواب اعمالهم للذهاب للصلاة ، وقد لا يكون ذلك حبا في الطاعات

صلاح الشمري
البلد: 
تركيا
07/02/2018 - 16:17

الصلاة هي التكلم مع الله سبحانه عن قناعة ويقين ، لكن إجبار الناس علىفعل ذلك يفقد الصلاة معناها، خلق الله الإنسان حرا والمزايدة في التدّين ينفر الناس من الصلاة الإجبارية وغلق المحلات والمكاتب لا يعطي للصلاة مغزاها ، فإتركوا الخلق
للخالق ولا تجبروا الناس لأنها نتفّرهم منها ويقولوا كلاماً كالببغاء دون الإتصال الروحي مع الله ، كم يكون جميلاً أن يصلي الإنسان عن حبّ وطواعية ، وكم يكون قبيحاً على إجبار الناس على فعل غير مستعدين له .

حسن الوصالي
البلد: 
السعودية
07/02/2018 - 22:05

استاذ توفيق لا يمكن قطعاّ لثمرة الايمان ان تتخقق في القلب الا ان تكون ممارسة العبادة عن توق وشوق ومحبة بمعنى ان يكون الفرد مقبلاّ ومختاراّ ( وليس مجبراّ ) فممارسة العبادة ابتغاء وجهة اللة والرغبة فيما عندة هي الاساس ، لذا كان شأن الاخلاص في العبادة عظيم في شريعة الاسلام حيث لا تقبل طاعة مالم يكن دافعها هو الاخلاص ، حيث تكون الرغبة في ممارسة العبادة هي الرغبة فقط فيما عند اللة ، اما اذا كانت ممارسة العبادة هي المُرءا فإن الامر يتحول الى نفاق ، قد يخرج المرء من الملة ، وفي تقديري أن أغلاق المحال التجارية ليس لها علاقة بمسألة الجبر والاختيار في اداء العبادة ( وهي هنا اداء الصلاة ) بقدر ما ان الهيئة حريصة على أظهار مظهر من مظاهر تدين المجتمع وتعظيم شأن الصلاة فالهيئة قد تجبر الافراد او المؤسسات على اغلاق المحال في وقت الصلاة غير انه

حسن الوصالي
البلد: 
السعودية
07/02/2018 - 22:06

غير انها لاتطاردهم حتى يدخلوا المساجد ويؤدوا العبادة ، وفي تقديري نحن في مملكتنا السعودية القائمة منذ تأسيسها على كتاب الله وسنة رسولة صلى اللة علية وسلم لسنا في حاجة ان نظهر للناس عمق تمسكنا بشريعة ربنا ، بل قد يبدو العكس هو الصحيح فالانسان السعودي المتدين بطبعة الذي يقف بسيارتة في الطرق السريعة لكي يؤدي الصلاة سوف يتوجهة وقت الصلاة للمسجد في داخل البلد بصرف النظر ان كانت المحال مغلقة او مفتوحة اللهم الا ان تكون هناك حاجة ملحة ، اما عن تعظيم شعيرة الصلاة فالتعظيم من اعمال القلوب لا المظاهر فقد تعظم شخص ما في الظاهر بينما قد تحتقرة في الباطن ، وفي النهاية لا يوجد سند شرعي لتعطيل العمل وقت الصلاة الا ان تكون صلاة جمعة ، بل في ظني أنة اجتهاد من قبل الهيئة فهو بهذا المعنى قابل للنظر من قبل اولي الامر للمراجعة وتقدير المصلحة العامة

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة