شد الرحال إلى القدس

شد الرحال إلى القدس

الأربعاء - 8 جمادى الأولى 1439 هـ - 24 يناير 2018 مـ رقم العدد [14302]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
أجاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس القول إذ دعا، الأربعاء الماضي، بصريح الكلام، إلى «شد الرحال» للقدس المحتلة. بدءاً، من المهم الاتفاق، أولاً، على أن مجرد إقدام عرب ومسلمين على زيارة المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، هو في حد ذاته مدد معنوي واقتصادي وسياسي، للصامدين في القدس الشرقية منذ احتلالها، وهو بالتالي إسهام عملي على صعيد فك أسرها. ثانياً، الأرجح أن إطلاق الدعوة بحضور عربي - دولي ضم مرجعيات إسلامية ومسيحية على قدر عال من المسؤولية، تقدمها شيخ الجامع الأزهر، دكتور أحمد الطيب، لفت نظر مَن يهتم برصد ملاحظات ربما تبدو هامشية لغير المهتم بأجواء ما يصدر عن كبار الساسة من تصريحات. يعرف ذلك جيداً حرفيو المطبخ الصحافي، لذا تراهم يطالبون مراسليهم بتغطية تشرح خلفيات الخبر، وتجيب عن تساؤلات عدة، لعلها تشمل ما يسمى «لغة الجسد»، التي ربما تعكس مزاج المسؤول. تغطية كهذه تضع الجمهور في أجواء أكثر شمولية للحدث، ثم إنها تعين المؤرخ، في مستقبل الأيام، على فهم أدق لما يراجع من وقائع التاريخ.
بالتأكيد، ليس حتمياً أن يُفهم حضور طرف ما، أو أكثر، خلال إطلاق نبأ مهم، أو دعوة محددة، من منطلق أن الأطراف الحاضرة تتفق تماماً مع ما قيل على مسمع ومرأى منها. ينطبق هذا على وجود شيخ الأزهر، وغيره من المرجعيات الدينية أو السياسية، خلال دعوة الرئيس الفلسطيني بشأن زيارة القدس المحتلة. المهم هنا هو رمزية الشخصيات الحاضرة، وليس استنطاق معنى حضورها على نحو ربما ليس بالضرورة متفقاً مع رأي أي منها في الأمر. إلى ذلك، يمكن القول إن الأكثر أهمية هو تصدي الرئيس محمود عباس نفسه، لشأن بدا، منذ وقوع القدس الشرقية في قبضة الاحتلال الإسرائيلي، أقرب إلى «التابو» الممنوع الاقتراب منه، أو المساس به. إنه وضع مقلوب رأساً على عقب، كما يقال. لست أجد حرجاً في القول إنني كنت واحداً من ملايين العرب الآخذين بصواب الزعم القائل إن زيارة القدس الشرقية تعني القبول بواقع الاحتلال الإسرائيلي. لقد زُرع في العقول «بعبع» أعطي اسم «التطبيع مع العدو»، وراح المروجون له - مع تقدير حقهم في تخوفهم من مخاطر التطبيع المفتوح - يمارسون دور «الغول» المُخوّف لكل من يجسر على المناقشة، حتى لو اكتفى فقط بمطالبة المتخوفين أن يميزوا بين تطبيع اقتصادي تام، وهو بالتأكيد أمر مُحال بلا سلام شامل يضمن أولاً حق الفلسطينيين في الاستقلال، وبين الكف عن استخدام فزاعة «التطبيع» على نحو يقدم العون للاحتلال ذاته، ولو بلا قصد، من خلال المشاركة في إحكام الحصار على حرية الفلسطيني في التنقل لغرض العمل أو العلم، بمشارق الأرض ومغاربها، ثم المساهمة في تضييق أكثر للخُناق الإسرائيلي المفروض على المقادسة أنفسهم، عندما تخلو أسواق القدس الشرقية من الزوار العرب والمسلمين. وحتى إذا وُضع العامل الاقتصادي جانباً، أليس من الجائز الافتراض أن في تشجيع القدم العربية كي تطأ أرض أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ما يعزز أواصر القربى من جهة، والارتباط الروحي بالإرث التاريخي للإسلام؟
تروّج آلة إسرائيل السياحية لبضاعتها في سوق السياحة العالمي، فلا تتردد في أن تشمل المقدسات الإسلامية والمسيحية إلى جانب اليهودية. تجمع دعاياتها بين أبراج تل أبيب الشاهقة، وأسواق القدس العتيقة. تقول للزائر إنه سوف يمشي بالنهار بين آثار ماضي آلاف السنين، ثم يمضي الليل يعيش مُتع الزمن الحاضر. رغم كل المتاعب الأمنية، تستقبل مطارات إسرائيل ومرافئها البحرية مئات آلاف السياح من مختلف دول العالم سنوياً. لماذا تكبيل أقدام المسلمين والعرب القادرين على القيام بما يقوم به زوّار القدس الآخرون؟ لماذا تقييد حريتهم في شد الرحال إلى عاصمة فلسطين، وهي كذلك، طال الزمن أم قصر؟ أما آن لزعيق التخويف بخيانة التطبيع أن يميز بين حق مد المقادسة بكل أسباب الصمود، وفي مقدمها زيارتهم في قدسهم، وبين باطل تطبيع غير محدود، لم يطالب به أحد في الأصل. ثم، أليس لافتاً أن تسمع أحدهم يقول إنه ملّ من الكتابة في الموضوع الفلسطيني لأنه «غير بيّاع»، ثم تراه هو ذاته يزأر فيهدد بالويل والثبور من يشده الشوق لزيارة القدس، فيزعق بما معناه: ممنوع، هذا تطبيع؟!

التعليقات

عبداللطيف الملحم
البلد: 
المملكة العربية السعودية
24/01/2018 - 05:13

أستاذنا.. هذا ما قلناه من سنوات .. هل زيارة القدس إعتراف بإسرائيل؟

خالد الهواري
البلد: 
السويد
24/01/2018 - 07:13

هذا المقال لو كتب منذ خمسين عاما فهو مناسب للاحداث , ولو كتب بعد خمسين عاما سيكون ايضا كذلك , لآن القضية الفلسطينية هي الشماعة التي يعلق عليها العرب خيباتهم وحسراتهم وتجاراتهم الرابحة , هي اهم الادوات التي استخدمها الطغاة تارة والمفكرين تارة اخري قي تدمير العقلية العربية ومد بساط الاوهام الافتراضية من خلال مفاهيم عفي عليها الزمن تريد للاجيال العربية الغربة عن التاريخ والبقاء اسيرة داخل صندوق من الاوهام تعزلها عن التقدم قيد انملة لمواكبة الطفرة الحضارية التي وصل اليها العالم . الفلسطينيين انفسهم يملؤن دول العالم ولو جاءت لحظة الاختيار الحقيقية مابين التخلي عن جنسية الدولة التي يعيشون فيها والعودة الي القدس فسيختاروا البقاء ويعتبرون ان قضية القدس غربية اسلامية ولاتخصهم وحدهم , وماذا لو سافر مائة مليون عربي الي القدس هل هذا سيغير الواقع

خالد الهواري
البلد: 
السويد
24/01/2018 - 07:24

انها جريمة بكل ماتعنية الكلمة يرتكبها الساسة الذين يقيمون مشروعهم السياسي علي اللعب باوتار حماس الشعوب جريمة يرتكبها المفكرين والكتاب الذين يريدون مواصلة نقل مراحلهم السياسية التي عفي عليها الزمن وافكارهم التي لم تعد تصلح للاجيال العربية التي باتت تعرف الفرق بين الخيط الابيض والاسود القدس ضاعت وتم الاعتراف بها انها عاصمة الدولة العبرية هذه الحقيقة التي يعرفها الذين لم ينخدعوا بمسرحية الاعتراض علي قرار الرئيس الامريكي في جلسة الامم المتحدة المسرحية القدس ليست اسيرة فتحررها زيارات سياحية بل مدينة محتلة يحررها الابطال الشرفاء الذين لاينخدعون بالبطولات الوهمية والابطال من ورق الذين يزحفون علي الايدي والبطون الي تل ابيب ليلا وفي الصباح يمتطون المنصات ويخوضون حروب الكلام وعنتريات الهتافات بما يستدعي الاغنية المصرية التاريخية طبلي وشد الدربكة

خالد الهواري
البلد: 
السويد
24/01/2018 - 07:36

السؤال الذي قد يبدوا مثيرا للسخرية لان اجابته معروفه مسبقا , هل الشعوب العربية لايطبعون مع اسرائيل ؟ وهم يعيشون حياتهم في زنزانة تكنولوجيا اسرائيل ويقضون ايامهم علي درب تكنولوجيا اسرائيل ويتلقون العلم والمعرفة وحتي التسلية عن طريق المواقع الالكترونية الاسرائلية وينشرون عليها ايضا جرائدهم وافكارهم , هل الشباب العربي الذي يتحول الي وليمة لاسماك البحر في مراكب الهجرة والموت المحقق الي اي مكان في العالم الذي من شرقة الي غربة يؤيد اسرائيل وقيام دولتها لايعتبر تطبيعا مع اسرائيل ؟ ماساة عربية يعيشها الانسان العربي في ظل هيمنة الانظمة الكاذبة المخادعة والمفكرين الذين يريدون للتاريخ ان يتوقف عند افكارهم وايدلوجيتهم وكان الزمان هو زمانهم فقط والحلول هي ماتجود به افكارهم البعيدة كامل البعد عن الواقع , وهل الرئيس محمود عباس علي خلاف مع اسرائيل

محمود ديب
البلد: 
غزة
24/01/2018 - 10:04

لا بد من الاستفادة من دروس التاريخ وأن المتغيرات حولنا كثيرة فما كان مطالبا به بالامس ربما لا يفيدنا المطالبة به اليوم ونذكر بالمقاطعة العربية منذ قيام إسرائيل وما مدى تأثيرها على دولة الاحتلال فكيف تعقد بعض الدول العربيه الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني ويعترف بإسرائيل كدولة وفي الوقت ذاته يطالب بالمقاطقة لها؟ أنا أويد وجهة نظر الكاتب في موضوع زيارة مدينة القدس ولو كانت تحت الاحتلال وضرورة التواصل مع أهلها لدعم صمودهم عبر الزيارات المتكرره والوقوف الى جانبهم إقتصاديا وسياسيا ومعنويا فهذا يصب في الصالح العام للقضية وتأكيدا أن القدس ليست لهم وحدهم وإنما لنا بها أكثر ما لهم ولو رفض البعض هذا الطرح

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة