منذ بداية ما يسمى «الربيع العربي» ظهر خلل وإشكالية، بل وفوضى في مفهوم الحرية، فللحرية مفهوم قد يجهله البعض أثناء ممارسته لها وشعوره بها، فنهج البعض سلوكيات خاطئة، ظناً منه أنها الحرية، ما جعل من دراسة مفهوم الحرية إحدى الخطوات المهمة للتعايش بسلام بين الجميع في البلد الواحد، لتحقيق السلم المجتمعي دون إضرار أي طرف بآخر، بحجة ممارسة الحرية بمفهوم خاطئ، فالإنسان له الخيار في أي طريق يسير «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ».
الحرية عند هيغل، تتحقق للفرد من خلال التزامه بالواجب، وهذا المفهوم قد نجده غائباً عند البعض، فالأغلبية من الناس لا تلتزم بالواجب، وبالتالي وفق مفهوم الفيلسوف هيغل، فإنهم ليسوا أحراراً، والحرية غائبة عنهم رغم ظن البعض أنه يمتلكها وحر التصرف بها، وأنه حر في اختراق الإشارة الحمراء، ومخالفة النظام والقانون، وحر في تكاسله وتغيبه في أداء عمله، والالتزام بوجباته تجاه الوطن وتجاه غيره، وهذه الإشكالية ظهرت بعد ما عرف بالربيع العربي وانتشار الفوضى بمفهوم الحرية، وأصبحت ميليشيات عنفية تمارس الفوضى والعبثية، والرعب الممنهج لإرهاب الناس وإخافتهم. حرية الفرد ليست منفصلة عن حرية الجماعة، ولعل جان جاك روسو ذهب إلى أن مفهوم الحرية يقوم على تطابق بين إرادة الجماعة وإرادة الفرد، لأنها بذلك تتحول إلى فوضى، تتسبب في خطر يقع أثره على الجميع، ما يجعل حرية الفرد مقيدة بسلامة المحيط الذي ينتمي إليه، فحرية الفرد لا تعني مصادرة حرية الآخرين، كخروج الفرد عارياً مثلاً فهو حر في ذاته، ولكنه بهذا الفعل صادر حرية الآخرين، بل وتسبب في الأذى لهم بتلويث أبصارهم بمشهده القبيح، ويقاس على هذا الكثير.
للحرية مفهوم لا يضبطه فقط ما قد يمليه الفرد على نفسه، كضابط شخصي قد لا تتوفر عنده معايير للحرية، في مجتمع يعيش ويتعايش فيه مع الآخرين، وليس في كوكب يسكنه وحده.
كبح الجنوح في الحرية، كما قال الفيلسوف جون ستيوارت ميل: «السبب الوحيد الذي يجعل الإنسانية أو (جزءاً منها) تتدخل في حرية أو تصرف أحد أعضائها هو حماية النفس فقط، وإن السبب الوحيد الذي يعطي الحق لمجتمع حضاري في التدخل في إرادة عضو من أعضائه، هو حماية الآخرين من أضرار ذلك التصرف»، ولتحقيق حرية منضبطة، فلا بد من تحقيق مبدأ العدل، الذي هو مفتاح الحرية، ومن أهم ما يواجه بناء الدولة، فلا يمكن أن تستقيم الحياة عامة والسياسة خاصة ما لم يتوفر العدل، وهذا ما توصل إليه الفلاسفة الإغريق منذ القدم، حيث ربطوا بين مفهوم العدل، والحياة السياسية، وأفلاطون كان أول هؤلاء، حيث جعل من العدل الأولوية المعيارية في النظام السياسي، والأخلاقي، وجعل من الانضباط في استخدام الموارد المتعددة وتوزيعها بشكل عادل، وتحقيق المساواة، وإتاحة الفرص للجميع، يؤسس لمجتمع عادل ستكون لديه سياسة عادلة، ولحل هذه الإشكالية، لا بد من وجود أرضية مشتركة توافقية، خصوصاً ونحن مجتمع متجانس متطابق في القيم والثقافة والدين، ما يسهل وجود إرادة مشتركة بين جميع المواطنين، ويسهل علينا كتابة العقد الاجتماعي أي الدستور، بشكل توافقي ليعبر عن إرادة مشتركة تكفل حق المواطنة، وتحقيق العدل وممارسة الحرية المنضبطة، وبسبب غياب مفهوم الحرية المنضبطة بقيت مجتمعات «الربيع العربي» تعاني ديكتاتورية حرية التعبير، والقمع والإرهاب، وعاد بنا هذا الربيع الخرافي إلى زمن التخلف والانحطاط، والقتل والتدمير، ومحا من قواميسنا كلمة الحرية.
10:13 دقيقه
TT
متى نصل إلى مفهوم الحرية المنضبطة؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
