الشاعر وقيمته

الشاعر وقيمته

الأحد - 29 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 17 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14264]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
«طرائف الخلفاء والملوك» كتاب ظريف كتبه عبد علي مهنا يفصح عن قيم الشعراء وحكاياتهم وأسبقياتهم، ومن ذلك حكاية الشاعر بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان. كان الشاعر راعياً وضل عنه قطيع من الإبل فخرج في طلبها حتى وجد نفسه في أرض تحت إدارة عبد العزيز بن مروان في ديار مصر.
فقال: ما بعد عبد العزيز أحد اعتمد عليه. ولم أكن قد مدحت بعد أحداً فحضرت بابه ورأيت رجلاً على بغلة وكان حسن البزة. فلما انصرف اتبعته فقال: ما شأنك؟ قلت: أنا رجل من الحجاز، مدحت الأمير وأتيت راجياً معروفه. قال: فأنشدني. ففعلت وأعجبته. قال: أهذا شعرك؟ إياك أن تنتحل فإن الأمير راوية وعالم بالشعر وعنده رواة، فلا تفضحني وتفضح نفسك. فقلت: والله ما هو إلا شعري. فقال: ويحك. قل أبياتاً تذكر فيها حوف مصر وفضلها على غيرها. وألقني بها غداً. فغدوت عليه وأنشدته:

سرى الهم حتى بيتتني طلائعه
بمصر وبالحوف اعترتني روائعه
وبات وسادي ساعد قل لحمه
عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه

قال: أنت والله شاعر. احضر الباب فإني سأذكرك. فجلست على الباب حتى دعاني فدخلت وسلمت على عبد العزيز فصعّد في بصره وصوّب نحوي وقال: أشاعر ويلك أنت؟ قلت: نعم أيها الأمير. قال: فأنشدني، فأنشدته:

لعبد العزيز على قومه
وغيرهم نعم غامرة
فبابك الين أبوابهم
ودارك مأهولة عامرة
وكلبك آنس بالمعتفين
من الأم بالابنة الزائرة
وكفك حين ترى السائلين
أندى من الليلة الماطرة
فمنك العطاء ومنا الثناء
كل مجدة سائرة

فقال أعطوه أعطوه! ثم نظر إلى الحاجب وقال: أخرج فأبلغ قيمته. فدعا المقومين وقال: قوموا غلاماً أسود ليس له عيب. فقالوا مائة دينار. قال: إنه راعي إبل يحسن القيام بها. قالوا: مائتا دينار. قال: إنه يبرئ القسي والنبل ويريشها. قالوا: أربعمائة دينار. قال: إنه راوية للشعر. فقالوا ستمائة دينار. قال: إنه شاعر لا يلحن. قالوا: ألف دينار.
قال عبد العزيز: ادفعها إليه.
هكذا كانت نظرة حالم مسؤول إلى منازل القوم وقيمهم. الرجل الذي يحسن رعاية الإبل (ثروة البلاد) لا يسوى غير مائتي دينار. أفضل منه من يحسن صناعة الأقواس والنبل (دفاع البلاد) قيمته أربعمائة دينار. أما من يروي الشعر فقيمته ستمائة دينار. ولكن لا يصل المرء ذروة قيمته، ألف دينار، إلا عندما ينظم الشعر ويضبط قواعد اللغة!
ولو تأملنا في كل ذلك، لما وجدنا جديداً تحت الشمس، شمس عالمنا العربي.

التعليقات

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
17/12/2017 - 09:55

ليت الأمر اقتصر على نظرة ذلك الحاكم المسؤول إلى منازل القوم و قيمهم يا سيدي . ما هو أدهى و أمرّ تلك الآلاف المؤلفة من الدنانير التي كان يأمر بإخراجها من " بيت المال " لإمتاعه و إرضاء غروره على حساب قوت و رفاهية رعيته، و كأن تلك الدنانير ملكه الخاص أتاه من عرق جبينه .

"أعطوه أعطوه!" .. "إدفعها إليه" .. لِمَ لا، ألسنا أسخى أمة أخرجت للنلس؟!

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة