كيف خسرت قطر أهم أسلحتها؟

كيف خسرت قطر أهم أسلحتها؟

السبت - 28 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 16 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14263]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة العربيّة
الخلاف الحالي مع قطر هو وراء تجريدها من أسلحتها الرئيسيّة، وهي الإعلامية والمعلوماتية. الخلاف سرّع بفكرة السعي للسيطرة على المجتمع المعلوماتي الذي كان مسروقاً من تنظيمات إرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش»، عدا عن حكومات «معادية»، مثل إيران وقطر، التي من أهدافها العليا إسقاط الأنظمة السياسية.
هذا ما حدث فعلاً. فقد تم إطلاق سيل من المواقع الرقمية، ومحطات تلفزيون إضافية، وجيوش إلكترونية مضادة لقطر وحلفائها من المتطرفين الإسلاميين، أحدثت تغييرات واسعة في منطقة النزاع نفسها، نلمسها الآن أكثر من أي عام مضى.
كانت السعودية من أسهل دول العالم في التأثير عليها من الخارج بسبب انتشار الهاتف الجوال والتلفزيون الفضائي المفتوح. للشخص ما معدله هاتفان، بعد أن كان لكل ثلاثة أشخاص هاتف واحد، حيث يوجد اليوم خمسون مليون هاتف نشط على وسائل التواصل. كان الوضع ملائماً لمن يخطط لتشكيل الرأي العام، ودون مقاومة تذكر.
ومخاطر تشكيل الرأي العام من جهات خارجية ليست خاصة بالأربع دول التي هي في حرب معلوماتية مع قطر، بل هي مشكلة حكومات العالم كله. وكبرت القضية بعد الاتهامات الأميركية لروسيا بالتدخل الإلكتروني في التأثير على الناخبين في انتخاباتها الرئاسية، وأنها تستهدف استقرار المجتمع. فإذا كانت أي قوة أجنبية تملك القدرة على تشكيل الرأي العام في دولة أخرى، فهذا يعني تلقائياً أنها قادرة، نظرياً، على إسقاط حكومتها، أو التأثير على قراراتها. وهي الدوافع التي كانت تكفي في الماضي لشن الحروب العسكرية.
في أزمة الخليج، الهدف اليوم استعادة الرأي العام المخطوف من الخصوم؛ قطر و«داعش»، وبقية أصحاب الأجندات المعادية التي هيمنت على الساحة.
هناك تطورات دولية مهمة. فبعد أن اكتشفت قيادات «المجتمع المعلوماتي» أن الحريات التي وفرتها التقنية للناس، استفادت منها أيضاً المجاميع الإرهابية والحكومات المعادية، تراجعت ووافقت على تسليم مفاتيحها. مكنت المؤسسات الرقابية في الحكومات المحلية من التعرف على مصادر المعلومات المنشورة على «تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما. وصار بإمكانها اكتشاف طبيعة الحملات، إن كانت تلقائية عفوية أو مدبرة، والتعرف على أسراب الجيوش أو اللجان الإلكترونية، ومعرفة المتفاعلين معها، ومن يلتقي معها سياسياً وعلى أساسه تمت اعتقالات للناشطين الذين عملوا لصالح دول أجنبية. كانوا مجهولين في الماضي لكن ليس اليوم.
هذا بالنسبة لرصد النشاط الإلكتروني، أما السيطرة على المحتوى، الذي لا يزال عقبة رئيسية، فإن أهم تطور هو رضوخ كبار المهيمنين على السوق المعلوماتية في العالم، مثل «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب»، لمطالب الكونغرس الأميركي بالتعاون أخيراً، نتيجة الاتهامات الخطيرة الموجهة ضدهم. وقد سبق أن تحدثت عنه من قبل في مقال سابق http: / / aawsat.com / node / 1070766.
ولا يزال للتلفزيون، ووكالات الأنباء، والصحف الإلكترونية دور مهم بعد أن انتقلت تدريجياً لتكون جزءاً من إعلام التواصل الاجتماعي، ولا تزال أهم مزوّد له بالمحتوى. وآخر التطورات وضع الخدمات التلفزيونية تحت السيطرة، بتحولها إلى الهاتف والأطباق والألياف الضوئية في الدول «المنضبطة»، مثل الإمارات، وكذلك قطر، حيث استطاعت هذه الحكومات استعادة إدارة مجتمعاتها إلى حد كبير. ولا تكتفي بعملية المنع بل توفر خدمات بديلة مماثلة حتى لا تدفع ملايين المشاهدين للجوء إلى وسائط «البروكسيز» لفك الحظر لمطالعة وسائل الإعلام الممنوعة، وهي المشكلة التي تعاني منها إيران.
لهذا فإن كثيراً مما هو على النت والتواصل هو من إنتاج الجيوش الإلكترونية. السؤال: هل هي جيوشنا أم جيوشهم؟ ومن الأقدر على الإقناع؟ كان الفضاء يدار من جماعات قليلة تلاشت هيمنتها الأحادية، وعلى رأسها حسابات قطر، وحليفتها جيوش جماعة الإخوان المسلمين.
أعلى درجات الحرب كانت في الأشهر الستة الماضية، عندما أمطر الطرفان بعضهما بالمعلومات والصور والأخبار الكاذبة والصادقة. النتيجة خسارة كبيرة لقطر التي كانت تقول إنها هي التي أخرجت التوانسة والمصريين من بيوتهم للاحتجاج وأسقطت أنظمتهم في عام 2011. هذه المرة النتيجة معاكسة، حكومة قطر هي التي تأذت من خصومها، حتى القبائل القطرية المعارضة لها، شنت حملات ضدها، إضافة إلى ظهور قطريين ضد نظامهم لأول مرة يعبرون وبصوت عالٍ.
في رأيي أن مرحلة الفضاء الإلكتروني الحر وظاهرة الغزو الخارجي من خلاله توشك على الانقراض.


[email protected]

التعليقات

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
15/12/2017 - 23:43

الفوضى الالكترونية التى استشرت وانتشرت وعمت اكثر دول العالم تقريباً اصابة من ظن انه بمنأى عنها مقتلاً قبل غيره . الولايات المتحدة الاميركية ظنت لفترة انها هي من يمتلك القرار الالكتروني بالفضاء وعلى سطح الارض وحكراً عليها فقط . الى ان وجدت نفسها غارقة بمحيط من الاختراقات وكانت الباكورة لهذه . ( ويكيليكس ) التى نبشت القبور المليئة بالاسرار القديمة والحديثة وبكل تشعباتها وتفاصيلها براً وجواً وبحراً الى ان تعرت امام البشرية فاصبحت اسرارها بمتناول بسطاء ممن يتعاطون الشأن الالكتروني بالعالم . وهذا ما حصل وحاصل مع دولة قطر التى لم تتعظ من دروس الكبار التى هي بالنسبة لهم اقل من نقطة بمستنقع وليس بالمحيط . نعم نجحت لفترة استطاعت من خلالها تعميم وترويج لاسمها كدولة كبرى ومؤثرة ولها امكانات ضخمة للسيطرة والهيمنة فانفقت ارقام مالية خرافية كلها ذهبت

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
15/12/2017 - 23:53

هباء منثورا ذهبت الى جيوب عصابات واحزاب ومارقين وتنظيمات وحركات وحتى لبعض الدول التى تدّعي التحرر والتى هي بالحقيقة دول تحرش وتوحش اطاحات بشعوب المنطقة ونحرتها واحرقتهامن شدة الوله وحبها لها .

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
16/12/2017 - 06:48

ينطبق المثل الذي يقول "الأول لاعب والتالي تاعب" تماماً على قطر، فكانت صاحبة المبادرة وظلت لسنين وحيدة في الميدان الفضائي أولاً ثم الأليكتروني، وخلال تلك السنين تمكنت من قلب الشعوب "العربية" على أنظمتها في وقت كان فيه الإعلام الرسمي هو المسيطر في دولهم ويخضع لسياسات ومعايير صارمة حدت من قدرته على مجاراة "قناة الجزيرة" تحديداً والتي أصبحت أيقونة الإعلام العربي بسبب جرأتها في الطرح وتقديمها للبرامج الحوارية التي لم تكن معروفة ولا مألوفة للمشاهد العربي إستقطبت لها المعارضين والثوريين ممن يقولون ما لا يستطيع أحد قوله مما دفع الناس للتسمر أمام شارتها، بالطبع فالوضع الآن إختلف كثيراً فزادت المزاحمة ولكن الأهم من ذلك هو أن تلك الشعوب المستهدفة أدركت أخيراً أن "الجزيرة" كانت تبيعهم الوهم خصوصاً بعد "الربيع العربي" التي كانت سببا رئيسياً في إشعاله.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة