رهان طهران... الهروب لا يفيد

رهان طهران... الهروب لا يفيد

السبت - 27 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 16 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14263]
إميل أمين
- كاتب مصري
لا تتوقف طهران عن الرهانات الخاسرة، ولهذا نراها تستغل شعارات ديماغوجية لإشعال الشارع العربي، عبر التلاعب المنحول بقضايا ضحى العرب من أجلها بالدم والمال طوال سبعة عقود وأزيد.
الذين تابعوا ردود الفعل الإيرانية بشأن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وقر لديهم بكل عمق زيف رهانات طهران، التي تبدت في الثرثرة الكلامية المفرغة من أي مضمون إيجابي، بل والتي تزيد القضية تعقيداً، لا أن تقدم حلولاً، والهدف من ورائها إثارة أصحاب النفوس الضعيفة وخلخلة تماسك النسيج الاجتماعي الوطني العربي، كي تبدو هي جواد السباق الرابح.
منذ أيام كان سليمان قاسمي قائد ما يعرف «دعائياً» بفيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني يفعل اتصالاته ببعض القيادات الفلسطينية، مبدياً استعداد بلاده لتفعيل التعاون العسكري معهم للدفاع عن القدس.
الكلام أجوف، والوعود واهية، وغير ممكنة، وبخاصة أنها صادرة من عاصمة لم تنطلق منها رصاصة واحدة على إسرائيل طوال أربعة عقود عمر الثورة الإيرانية.
المزايدة الإيرانية بلغت الرئيس حسن روحاني نفسه، ما يؤكد أن فكرة الحمائم والصقور الإيرانية غير قائمة، وأن المشهد ليس إلا توزيع أدوار.
روحاني وعلى هامش قمة «منظمة التعاون الإسلامي»، يتشدق بدوره بالحديث عن استعداد بلاده للدفاع عن القدس دون أي شرط مسبق.
هل قدمت إيران شيئاً للقضية الفلسطينية سوى «الديماغوجية» المخربة للأوطان العربية؟ وهل يحق لها أن تزايد كما نرى من خلال أبواقها الإعلامية «عربياً» على مصر والمملكة العربية السعودية؟
دون شوفينية مصرية أو سعودية، تبقى القاهرة العاصمة العربية التي خاضت أربع حروب وقدمت أكثر من مائة ألف شهيد، وتحملت عناء ومشقة بالغين، بل تعرضت للتخوين، وإن أثبتت الأيام أن ما عرضته مصر على الفلسطينيين في مفاوضات سابقة، هو غاية المراد من رب العباد اليوم، لكن السبل تقصر عنه، والطرق إليه غير معبدة، والدروب مقطوعة.
أما الرياض فلم تقدم عاصمة عربية دعماً أدبياً ومالياً، للقضية الفلسطينية ورجالاتها مثلما قدمت، بل إن القدس تحديداً وتخصيصاً لم تغب يوماً عن خطاب ملوك السعودية وأمرائها، شاء من شاء وأبى من أبى، من زمن الملك المؤسس عبد العزيز، رحمه الله، إلى حاضر الملوك خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان الذي أكد في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى، قبل بضعة أيام، أهمية استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
كان حرياً بقاسم سليماني وحسن روحاني التوقف قليلاً قبل أحاديث وتصريحات العنتريات أمام نتائج استطلاع الرأي الأخيرة، التي أجرتها شركة RIWI الكندية الشهر الماضي لحساب وزارة الخارجية الإسرائيلية، حيث أظهرت أن 30 في المائة من الإيرانيين يرغبون في إقامة علاقات متميزة مع إسرائيل.
ليس سراً عمق وقدم العلاقة التاريخية وكذا الوجدانية بين الفرس وبني إسرائيل، وقد اعترف قبل وفاته شمعون بيريس بأن يهود العالم مدينون بحياتهم وتاريخهم لكورش ملك فارس، الذي من دونه ما كان لهم البقاء على الحياة، والقصد هنا لمن لا يعلم هو أن كورش الإمبراطور الفارسي هو من أعادهم إلى أرض فلسطين، بعد السبي البابلي على يد نبوخذنصر ملك بابل والذي استمر زهاء خمسة قرون.
ومن القديم إلى الحديث نذكر سليماني وروحاني بالزيارات والعلاقات السرية بين طهران وتل أبيب؛ ففي عام 1961 قام بن غوريون بزيارة لإيران، أبقيت سراً، واتبعت برحلات متتالية قام بها رؤساء وزراء إسرائيل طوال ثلاثة عقود، عبر ما يعرف بـ«البروتوكول السري».
لم تنقطع أو تتوقف العلاقات بعد ثورة الخميني، ففي مستهل العام 1980 أي بعد شهور على اندلاع أزمة الرهائن قام أحمد كاشاني النجل الأصغر لآية الله العظمى أبو القاسم كاشاني بزيارة إسرائيل لمناقشه مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري ضد البرنامج النووي العراقي في أوزيراك.
مزايدات إيران الأخيرة تجاه القدس والمقدسيين تؤكد لنا وبجلاء واضح أن محاولات ظهورها بمظهر المناصر الحقيقي للقضية الفلسطينية أمر دوافعه استراتيجية تبغي الهيمنة على المنطقة، وليست مدفوعة بحافز آيديولوجي أو دوغمائي عميق هدفه مناصرة قضية عادلة، أو دعم الإنسان الفلسطيني المظلوم، وإرجاع الحقوق لأهلها.
لم تكن قطر لتفوت الفرصة بدورها، فاستغلت قنواتها الإعلامية التقليدية بوصفها «رأس الفتنة» لسكب الزيت على النار، ولم تتوقف عن بث الأكاذيب في حق القادة العرب، ما يعني أنها لا تقيم وزناً لأشهر من المقاطعة، وأن الدور المنوط بها هو خدمة إيران وتوجهاتها، لا العمل على دعم القضية الأكثر استحقاقاً للدعم، أو مساندة الشعب المقهور تحت نظام أبرتهايد وحيد حول العالم.
هل مزايدات طهران نوع من الهروب إلى الأمام ومن وجه الغضب الأميركي القادم بمواجهاتها تحديداً؟
إيقاع الأحداث يتسارع في واشنطن، فالكونغرس ألقى الكرة في ملعب ترمب، بعد أن قرر السماح بانقضاء مهلة العقوبات على طهران، وترك القرار للرئيس المتشوق لمعاقبتها، وبينما يجدد وزير الخارجية ريكس تيلرسون اتهاماته لإيران بتسليح المنظمات الإرهابية في المنطقة، يستعد الكونغرس بدوره أيضاً للموافقة على مشروع قانون لفرض عقوبات جديدة على نظام الملالي الداعم للتخريب والتقتيل في اليمن.
يتبقى على الشعب الفلسطيني ولا أحد غيره أن يدرك طبيعة المزايدات والشعارات الوهمية للحكومة الإيرانية... هذا وقت تفريق الأصدقاء عن الأعداء، والتنبه لمكائد ومصائد «الأعدقاء» من الإيرانيين والقطريين.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة