الأموات الذين يعيشون في بيوتنا

الأموات الذين يعيشون في بيوتنا

الأربعاء - 25 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 13 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14260]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
فوجئ أليكس هيلي بالترحيب الهائل الذي حظيت به روايته «الجذور» حين نشرها في 1976. تصويره المفجع للمآسي والآلام التي عاشها السود في الولايات المتحدة، تنطوي على اتهام مباشر ومحدد، فحواه أنه يتوجب على المجتمع والدولة الأميركية اتخاذ المزيد من الإجراءات الضرورية للخلاص من إرث التاريخ المعيب.
تأثر هيلي بموقف مالكوم إكس، داعية الحقوق المدنية الشهير، وفحواه أننا نحتاج لمعرفة تاريخنا كي نتصالح مع الحاضر. خيالات الماضي وأحزانه، وما ورثناه من أسباب للريبة والقلق، لا تعيننا على صنع حاضر يليق بنا، ولا مستقبل يعكس قدراتنا. علينا أن نعرف ذلك التاريخ المؤلم، ثم نتجاوزه.
«الجذور» ليست دراما خيالية، فهي مبنية على تاريخ حقيقي، جمع هيلي شتاته وقدمه من خلال ما يشبه سيرة شخصية لكونتا كينتي، الشاب الذي خطفه تجار العبيد من قرية على ساحل أفريقيا الغربي عام 1776، وبيع إلى مزارع أميركي في ميريلاند، ثم بيعت ابنته، وكان أليكس هيلي واحداً من أحفادها.
بيع من الرواية نحو 6 ملايين نسخة، وترجمت إلى 35 لغة رئيسية. كما حوِّلت إلى مسلسل تلفزيوني شاهده الملايين حول العالم. في تلك السنوات، تساءل كثير من النقاد: ما الذي يجعل الناس مغرمين بالعودة إلى التاريخ؟ هل لأننا نستمتع بالشعور بأن البشرية قد نجحت في تجاوز ظلمات الماضي، أم أننا نحاول التعرف على ذواتنا العميقة من خلال البحث عن تحولاتها القديمة.
هذا السؤال يتمتع بأهمية أكثر في المجتمع العربي، لأننا بساطة لا نتعامل مع التاريخ كتجربة ثقافية. إن تاريخنا جزء من حياتنا اليومية، فهو يسهم بنصيب وافر في تشكيل رؤيتنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه. وكان صديق لي يقول: إن علاقتنا بالتاريخ أكثر من معرفةٍ؛ «نحن نحمل أجساد أسلافنا على أكتافنا. نعيش معها ونستمع إليها، وقد نتحدث إليها أحياناً».
أظن أن الشوق للتاريخ يتأثر بواحد من أربعة دوافع. بعض الناس يذهبون للتاريخ مثلما يزورون المتاحف، غرضهم المعرفة أو الاستمتاع بتجربة حياتية مختلفة عما اعتادوه. وثمة من يزور التاريخ سعياً للخلاص من مشكلات راهنة، لكن جذورها ممتدة للماضي. من ذلك مثلاً مطالبة الأرمن للحكومة التركية بالاعتذار عما قيل إنه إبادة جماعية نفذها العثمانيون في 1915، ومطالبة الجزائر ودول أفريقية للحكومة الفرنسية بالاعتذار عما جرى من فضائع خلال الحقبة الاستعمارية. يريد هؤلاء الخلاص من ذكريات التاريخ البغيض، من خلال اعتذار يشكل نوعاً من المصالحة الأخلاقية بين الظالم والمظلوم.
ثمة من يذهب للتاريخ محاولاً «إعادة تصنيع» هوية قابلة للاستعمال في الصراعات السياسية الراهنة. ولهذا المنحى علاقة جوهرية بمفهوم الأمة والهوية الجامعة، وفق المجادلة العميقة التي قدمها بنديكت أندرسون في كتابه المرجعي «مجتمعات متخيلة». أخيراً فهناك من يذهب للتاريخ هارباً من الإقرار بعجزه عن مواجهة تحديات الحاضر، أو لأنه غارق في ثقافة الماضي بقدر يجعله منقطعاً تماماً عن الحاضر. ولذا فإن مجاورة الأموات تشكل أنسه الوحيد، يعيش تاريخهم ويتحدث بلغتهم ويستعيد قصصهم ويلبس أزياءهم.
لا بد أن بعضنا قد تعرف على واحد من هذه الدوافع الأربعة في نفسه أو في الأشخاص الذين يعرفهم. على أي حال فإن سؤال العلاقة بين الماضي والحاضر في جوهره، سؤال ترتيب للمكانة: من يحكم من، هل نتحكم في تعاملنا مع تاريخنا، أم نحن خاضعون لهذا التاريخ.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة