القدس والسفارة... لا لليأس

القدس والسفارة... لا لليأس

الأربعاء - 18 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 06 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14253]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
معلوم لكل ذي عقل، أن العوم عكس تيار سباحة العَوام مجازفة خطرة، بل لعلها حماقة ربما انتهت إلى أكثر من مجرد البلل، فأدت للغرق. يصحّ هذا حيثما اختار المرء الجهر برأي معاكس للسائد من آراء يتشكل من مجملها جوهر الرأي العام المُرجَّح بين خواص الناس وعوامهم. أكتب هذه الكلمات مساء الاثنين، بعد غوص استغرق ساعات وسط طوفان صراخ الكثيرين على امتداد العالمين العربي والإسلامي، محذرين أميركا من مغبة أن يغامر الرئيس دونالد ترمب بإعلان قرار نقل سفارة واشنطن إلى القدس اليوم.
بدءاً، يجب القول إن التحذير من نتائج سلبية محتملة لإجراء أميركي كهذا، أمر مطلوب. أكثر من ذلك، جدير بالعواصم العربية والإسلامية أن تذكّر الإدارة الأميركية الحالية أنها بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، تقفز عن عُرفٍ اتبعته كل الحكومات الأميركية منذ إنشاء إسرائيل. يجوز ترجيح الافتراض أن هذا التذكير جرى بالفعل. ثم، يمكن المضي أبعد إلى القول إن كل ما سوف ينتج عن اتخاذ قرار نقل سفارة واشنطن للقدس - سواء أُعْلِن اليوم، أو لم يُعلن فأُجِل - من مظاهر غضب عربي واحتجاج إسلامي، أمر مفهوم ومبرر، ليس فقط بتأثير فعل الصدمة، وإنما أيضاً لأن القرار، خصوصاً إذا دخل حيّز التنفيذ الفعلي، سيمنح إسرائيل صك اعتراف أميركي يشرْعِن احتلالها للقدس الشرقية، وفي هكذا تصرف قفز عن كل قرارات الشرعية الدولية منذ ما بعد حرب 1967. كل ما سبق مفهوم، لكنه لا يعني التسليم بكل ما ثار من صراخ خلال الأيام القليلة الماضية.
في مقدم ما سوف أخاطر بالعوم مع التيار المعاكس له، هو نبرة يأس اتسمت بها معظم ردود الفعل الفلسطينية المُسبقة تجاه احتمال إعلان قرار نقل السفارة. المقصود باليأس هنا، على وجه التحديد، أن ينحو الكلام منحى التسليم بأن نقل مبنى سفارة واشنطن للقدس، أو حتى اعتراف الرئيس ترمب بالقدس «عاصمة موّحدة لدولة إسرائيل»، هو دفن نهائي لحقوق الشعب الفلسطيني. ربما يفيد هنا التوقف عند معاني كلمات تتداولها الألسنة، والأقلام، على الطالع والنازل، كما يُقال. مثلاً، ماذا يعني تعبير «تصفية قضية فلسطين»، الذي يتردد كلما لاح في الأفق احتمال سلام ما بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو تردد أكثر منذ أعطيت خطة ترمب المنتظرة صفة «صفقة القرن»، التي أوكل أمر وضعها موضع التنفيذ لصهر الرئيس الأميركي ومستشاره، جاريد كوشنر. تصفية أي أمر تعني، وفق المُتعارف عليه، ألا تقوم له قائمة أبداً. مُحال أن يحصل هكذا مآل للشعب الفلسطيني، تاريخاً وتراثاً وإرثاً. هذه العوامل الثلاثة تشكل أساس استمرار وجود الفلسطينيين فوق أرضهم، بمن فيهم المشتتون في أصقاع العالم كله. وطالما هناك نَفس فلسطيني يتدفق بين أنفاس بشر، هناك حقوق فلسطينية، وهناك قضية للفلسطينيين، بغض النظر عمن هو سيّد القرار الأممي، وأياً كانت القوة العسكرية الأعظم بين الأمم وعلى وجه الأرض. لِمَ، إذنْ، كل ذلك الهلع الفلسطيني، تحديداً؟ أليس بقدر عمق الإيمان بحق الإنسان في أرض أجداد أجداده الأولين، تطمئن قلوب أهل ذلك الحق لحقيقة أنه مستمر ما استمر الوجود؟ بلى.
أمر سفارة واشنطن، أو غيرها، لدى إسرائيل، يمكن تلخيصه في أن نقل علم دولة ما من فوق مبنى في تل أبيب إلى آخر في القدس، لن يطوي ملف صراع عمَّر طوال قرون. ثم، إن تاريخ «أورشليم» يقول إنها تراجيديا ظلت حروبها بين قبائل العبرانيين أنفسهم تعبر من حربٍ لغيرها، ولم تزل طائفة «ناطوري كارتا» اليهودية ترفض الاعتراف بدولة إسرائيل الحالية. أيضع خاتمة لهذا كله قرار نقل سفارة؟ كلا.
جدير بعقول الفلسطينيين السياسية أن تتحلى بذكاء أكثر، وربما بالكثير من دهاء السياسة ذاتها. بدل صراخ لن يغيّر في الأمر أي شيء، يمكن مواجهة التحدي بهدوء، الأفضل اقتراح حلول ووضع بدائل. مثلاً، يمكن دعوة واشنطن لافتتاح سفارة في رام الله، وقنصلية بقطاع غزة، لتأكيد رغبتها في استمرار التعامل مع الفلسطينيين. هل جازفت بالعوم عكس التيار مسافة أبعد مما ينبغي؟ ربما، لكن قد تشفع لي، وآخرين غيري ممن يشاركونني ما يبدو رأي أقلية، حقيقة أن جِذر قُدس فلسطين سوف يظل يستوطن القلب، مهما تكاثر نعيق غربان المستوطنين فيها، ومن حولها.

التعليقات

ابو فادي
البلد: 
فلسطين
06/12/2017 - 07:50

تحية خالصة للأستاذ بكر عويضة في تحليله الصادق الأمين في نقل رسالة للعالمين الاسلامي والعربي، لأن حقوق الفلسطينيين في أرض أجدادهم لن يغيرها فرعون أمريكا ولا فرعون اسرائيل لأنها حقوق نابعة من عمق الإيمان بأن نقل السفارة إلى القدس لن يغير من التاريخ شيئاً، وسوف يعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
06/12/2017 - 08:11

لم يأت هذا الإعلان الأميركي هكذا أو أنه مجرد نزوة من "النزوات" الترمبية كما يعتقد من يميلون إلى تستطيح الأمور، لا فالأمر ليس كذلك، القانون الخاص بنقل السفارة الأميركية إلى القدس تم إقراره في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين منذ تسعينيات القرن الماضي، وما دأب البيت الأبيض على القيام به منذ ذلك الوقت هو تاجيل تنفيذه "دوريا" كل ستة أشهر حتى أصبح قاعدة، فما الذي دعا ترمب إلى كسر القاعدة هذه المرة والسماح بعبورة وكسر هذه القاعدة؟، الإجابة في إعتقادي انه كان ثمرة عمل دؤوب بدأ بتفكيك أضلاع المثلث الذي يمثل رأس الحربة العربية مصر - السعودية - سوريا عن طريق الضلع الأضعف فيه وهي سوريا مابعد رحيل حافظ الأسد ومن بعد ذلك أتت ظاهرة الربيع العربي لتجهز على البقية الباقية وفتح المجال لإيران "لخلخلة" الكيان العربي من الداخل، كل ذلك كان تمهيد لإعلان الليلة.

محمود ديب
البلد: 
غزة
06/12/2017 - 10:44

أتفق مع رأى الكاتب أن نقل سفارة أو نقل علم من مكان إلى مكان لا يعني ضياع حق شعب ناضل عشرات السنين سياسيا وعسكريا وسلميا من أجل تحقيق مطالبه في الحصول على دولة على أرضه أسوة بكافة شعوب الأرض , والجميع يعلم أن ترامب رجل مغامر ورجل أعمال يتطلع إلى الصفقات الرابحة من وجهة نظره ولا يستمع إلى نصائح الخبراء كانوا في الخارجية أو المخابرات أو الدفاع ويتصرف من تلقاء تسرعه بغض النظر عن النتائج وما يسببه هذا التصرف , والسؤال ألان أما آن للأمة العربية والاسلاميه أن تقف بكلمة موحدة تجاه هذا العدوان ولو أنهم فعلوا ذلك لتراجعت الإدارة الامريكيه عن قراراتها وحسبت لنا كل حساب

أم أحمد
البلد: 
فلسطين
06/12/2017 - 11:23

بالفعل لقد نمنا ليلة الأربعاء على صراخ محللي الأخبار من خطورة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس , والإعلان الأمريكي الواضح والمسبق بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وحقا إن ذلك سيطيل أمد الصراع وربما يشعل جذوة التطرف أكثر وأكثر في كل الأصقاع والعالم لا ينقصه ذلك . في شريعة العرب والفلسطينيين أخذ الأمور بقليل من التفكير الهادئ والاتزان في السلوك قبل الغضب مدعاة لاتهام الكثيرين بالخنوع والضعف والاستسلام وما نحن فيه من فتنة وانقسام إلا نتيجة لذلك , إن للقدس رمزيتها الدينية والتراثية والتاريخية ولن يتخلى أي فلسطيني وعروبي عن قدس الأقداس وفي السنوات الثلاث القادمة حتى يتم نقل السفارة وربما دول أخرى تفعل ذلك يفعل الله ما يشاء وربما تتغير الأمور بأمور في صالح العرب والمسلمين

إبراهيم الحربي
البلد: 
المملكة العربية السعوديه
06/12/2017 - 18:25

لن يستطيع ترامب ولا رئيس اي دوله لايؤمن بالله مهما ملك من القوة ان يمس فلسطين ولا جزئ منها وإن فعلها فسيهلك ولو بعد حين والتاريخ يشهد على ذلك فمن الطغاة من أهلكته حشرة بحجم نمله طغى وتجبر فتسلطت على طبلة أذنه آلنمله ووجدت ثغره الى دماغه فأهلكته .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة