إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

رفقاً بالقوارير

حاولت أن أترجم العنوان لصديقة فرنسية فخانتني لغتي. لا يمكن للنقل الحرفي أن يلمّ بما في الوصية من بلاغة ورأفة وشفافية. كلمتان وحرف جرّ تختصر خطاباً طويلاً يحاول الرئيس الفرنسي من خلاله أن يتودد للجمعيات النسائية. ماذا تريد الفرنسيات من رئيسهن الذي منحنه أصواتهن بنسبة عالية؟ ما إن هدأت ضجة التنديد بالمتحرشين وفضحهم على الملأ، حتى انطلقت في باريس حملة ضد العنف الجنسي الذي تتعرض له النساء، لا في الشارع والمكتب، بل في عقر بيوتهن. وقبل يومين، وجهت أربع سيدات معروفات رسالة مفتوحة إلى ماكرون جاء فيها: «كفى لغواً. نريد أفعالاً». ونشرت الناشطات بياناً بهذا المعنى في وسائل التواصل. وفي غضون فترة وجيزة كان هناك 700 ألف توقيع يؤيدهن. والعدد يتزايد بتوالي الدقائق. وكل توقيع صرخة استغاثة.
في الماضي من الأيام، كانت تهمة الاعتداء على النساء تنحصر في العرب بهذا البلد. وساعد في الترويج لها سلسلة من الكتابات والروايات التي ظهرت بأسماء شابات من أوساط الهجرة المغاربية، كشفن فيها التعسف الواقع عليهن من الأب أو الشقيق أو الزوج، لمجرد أنهن حاولن العيش وفق النمط السائد في فرنسا ومثل غيرهن من رفيقاتهن الفرنسيات. ولا يجوز الزعم بأن تلك الشهادات كاذبة، لكن من المؤكد أن الكثير من دور النشر كانت تسعى وراءها وتشجعها وتغريها بالمال، وتستقدم صحافيات محترفات لكي يتولين تحرير تلك الروايات بأسلوب مثير يستدرّ الإشفاق، ويعتمد على المبالغات ويصل إلى حد التزوير.
ثم بدأت الصحف تنشر تقارير وإحصائيات مخيفة. وجاء في آخرها أن هناك امرأة في كل 55 ثانية تتعرض للعنف في فرنسا. وظهرت تحقيقات ميدانية عن النساء اللواتي يفقدن حياتهن بسبب ما يُسمى العنف الزوجي. ولم تكن أسماء الضحايا فاطمة ومليكة ولبنى، كما العادة، بل ناتالي وبريجيت وستيفاني ومادلين. وفهم الجميع أن لا جنسية للعنف ولا دين. وأن الفقر والبطالة والإدمان والمرض هي أساس المشكلة. ثم جاءت رواية «دجاجة على الحائط» للكاتبة جولي دينيس لتؤكد هذا السياق. وفيها تصف العذاب الذي كانت تتذوقه يومياً على يد إريك، الرجل الذي كان حبيبها وشريك حياتها. «إنها تعرف ذلك الألم الذي يقتلها من الداخل. يسحقها ويقيدها ويشعرها بالذنب». هي المذنبة دائماً وأبداً.
لا تنوي الفرنسيات الانتظار حتى انتهاء الفقر والمرض من العالم لكي تتوقف المعاناة. ومن هنا حتى ذلك الوقت يمكن أن تموت الآلاف من النساء ما بين المطبخ وغرفة النوم. وفي كثير من المرات أمام أعين الأطفال. لذلك قررن شد الرئيس من طرف سترته لكي يتحرك ويشدد العقوبات على المعتدين، ويسهل إجراءات استقبال الشكاوى والتعامل معها بحزم. من الآن فصاعداً لن يقول الشرطي للمشتكية التي تقصد المركز بعينين متورمتين وضلع مكسورة: «عودي إلى بيتك، لأننا لا نتدخل بين رجل وامرأته». إن الجهاز القضائي لا يحرك ساكناً إلا إذا كانت الضحية على شفا الموت.
نزلت مئات الفرنسيات إلى التظاهر، نهار أمس. إنهن لا يطلبن الحماية القانونية فحسب، بل العدالة الاجتماعية. وكان الرئيس جاهزاً لاستقبالهن في «الإليزيه» وتطييب خواطرهن. وكان التلفزيون قد عرض تحقيقاً يستند إلى تقارير موثقة لمنظمات الأمم المتحدة، جاء فيه أن النساء في العالم يؤدين 66 في المائة من الأعمال وينتجن نصف ما يؤكل، لكنهن لا يملكن سوى 1 في المائة من الممتلكات... أليس هذا هو الضغط الذي يولّد الانفجار؟ إنه ما توقّعه الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، قبل عقدين من الزمان، حين كتب أن القرن الحادي والعشرين سيكون عصر النساء. لكننا ما زلنا في أوله. وهنيئاً لمن تعيش وترى.