العالم يطالب بالعربية

العالم يطالب بالعربية

الأحد - 1 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 19 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14236]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
في الوقت الذي كانت فيه ممثلة الرئيس الفرنسي الشخصية للشؤون الفرنكوفونية، الروائية المغربية الشابة ليلى سليماني تقف في معرض الكتاب الفرنسي وسط بيروت تتحدث لجمع من الحاضرين - بحماسة تحسد عليها - عن سحر لغة موليير وقدرتها العجائبية على فتح المغلق من الأبواب، كان «المجلس الثقافي البريطاني»، ينشر تقريراً جديداً، يؤكد فيه أن اللغة العربية ستكون ثانية في المملكة المتحدة بعد سنوات، وأن الفرنسية ستأتي متأخرة بعدها. وعندما سئلت سليماني التي عينها إيمانويل ماكرون مؤخراً في هذا المنصب، عن معنى أن تدافع عن لغة تتراجع أجابت: «هناك آفاق جديدة تفتح في نيجيريا وغانا والصين، ولا بّد لهذا الإرث أن يحفظ».
وسليماني ذات نشأة مغاربية تماماً كما الجزائري كمال داود الذي أصبح نجماً أدبياً في باريس، ودعي مع سليماني كوجهين صاعدين، إلى معرض الكتاب في فرانكفورت، الذي تمثلت فيه فرنسا ضيفة شرف. وليس من اعتراض، وإنما تساؤل عن سرّ التركيز المتزايد على ضعف العربية ولا جدواها، فيما العالم أجمع يرسل بإشارات حول أهميتها، وتمددها والحاجة المتصاعدة لتعلمها. أمر ينعكس سلباً على طلابنا الذين باتوا يتوهمون بأن إجادة لغتهم مجرد عبء لا طائل تحته. مع أن القاعدة الذهبية تقضي بأن عدم إتقان لغة أولى يعني الفشل في معرفة عميقة بغيرها. وهذا رأي لخبراء في التعليم لهم باع دولي، وليس اجتهاداً شخصياً. وثمة نصيحة أعطيت للمجلس الثقافي البريطاني بأن يكف عن الإصرار على تعليم صغار العرب الإنجليزية، قبل أن يجيدوا لغتهم، لأن الجهود تذهب هباء، لكن يبدو أن الكلام لم يجد آذاناً صاغية.
بمقدور كمال داود وغيره أن يكتبوا باللغة التي يحبون، وأن يندمجوا بالثقافة التي تعجبهم، لكن دون أن يسددوا أسهماً جارحة لمجتمعاتهم. فرغم مواقف الطاهر بن جلون المواربة أحياناً لم يهاجم العربية، ولم يرم حجراً في بئرها. وإدوارد سعيد عاش في أميركا يوم كانت القضية الفلسطينية موسومة بالإرهاب والعنف ولعنة على من يدافع عنها، وهو أكاديمي وسط لوبي صهيوني لا يرحم، ومع ذلك قدّم نفسه ولو باللغة الإنجليزية كمنافح عن قضايا شعبه ونصير للمستضعفين. ولم يعش أديبا ربما، الظلم والهامشية التي عاناها محمد شكري في بلاده. فقصصه في طنجة شهيرة ومريرة، وكتابه «الخبز الحافي» كان من الجرأة والفجاجة بحيث إنه نشر أولاً بالإنجليزية مترجماً، ومن ثم بالفرنسية، ولم نقرأه بالعربية إلا بعد عشر سنوات. ولم نعرف عن شكري أنه «استغرب» أو احتمى بالآخر ليكتب عن بلاده، بل كان من الشجاعة بحيث إنه بقي يناضل ويواجه وينتقد غير آبه بـ«التفرنس» و«التفرنج».
ثمة أدب تغيري حرّ فيه نفح الجذور التي تفرض نفسها، وآخر يناضل وكأنه يبحث عن هوية لا يعثر عليها، وهذا لا علاقة له باللغة التي يكتب فيها، بل بمدى ما يعكسه من انتماء ومشاعر وحساسية تمس القارئ. الباحثة الراحلة فاطمة المرنيسي كتبت إلى جانب العربية بالفرنسية، وكانت جريئة حد الإدهاش، لكن كتابتها تمس شغاف القلب. بحثت عن النساء والإسلام وحقوقهن والظلم الذي يلحق بهن، لكنها كتابة مختلفة تماماً عما يمكن أن نقرأه عند ليلى سليماني في مؤلفها «جنس وأوهام»، وأحوال النساء في المجتمع المغربي، أو حين تتكلم عن بلدها، فيما جاءت روايتها «أغنية هادئة» التي نالت عنها جائزة «الغونكور» وتحكي عن أحوال عائلة عادية تتعرض لجريمة، إنها رواية غاية في الروعة.
يبدو بعض كتاب الجيل الجديد متعطشاً للشهرة، مستعجلاً الوصول، والإحساس بالدونية أمام الغرب تفعل فعلتها. محمد شكري ترجم إلى 38 لغة دون أن يزعج نفسه بتنازلات لا طائل تحتها، ونجيب محفوظ حصل على نوبل دون أن يغادر القاهرة أو يتكلم لغة أجنبية، ووجد ألف سبيل ليتحايل على اللغة والأسماء والأحداث، ليقول أخطر ما يمكن أن يعبر عنه أديب. ولم يقل محفوظ كما كمال داود عن العربية بأنها «مكبلة، ومفخخة بالمقدس ومقيدة بالآيديولوجيات» وعاجزة، بينما الفرنسية هي «لغة الحلم، والتعبير عن الأخيلة». بعد عشرين سنة من هجرته إلى فرنسا حكى أمين معلوف «أنه يرى أحلامه بالعربية» بلغته التي تكلمها وتعلمها وتنفسها بطبيعة الحال. أن تعتبر سليماني «الفرنسية هي لغة الحرية والانفتاح والتشارك» فهذه مهمتها الرسمية التي ارتضتها، ولا بدّ أن تخلص لها. لكن العربية يجب أن تجد أيضاً من يدافع عنها من أبناء جلدتها، وألا تترك المهمة للآخرين، فهذا أمر مشين.
تركيا تعيد العربية إلى المدارس، وتعزز مكانتها التاريخية في البلاد. للأمر دوافع سياسية بطبيعة الحال، وربما آيديولوجية أيضاً. لكن السويد أيضاً باتت لغة الضاد هي الثانية فيها بدل الفنلندية. وصفوف تعليم اللغة العربية تتزايد في كل مكان، لحاجة لها في تلك البلدان وليس بتشجيع من أحد، فهؤلاء يتحسسون التغيرات المقبلة. إضافة إلى اللاجئين، ثمة مصالح وعلاقات تجارية يتم التحضير لها. إنجلترا تعتبر تعليم اللغات «أولوية وطنية» وعلى رأسها العربية، لأن 2 في المائة فقط من طالبي العمل، يستطيعون سد الثغرة. ألمانيا تريد إدماج جحافل المهاجرين السوريين ولا تجد وسيلة سوى إدخال العربية كمادة إلزامية في المدارس. لكن هناك أيضاً المسلمين من الأتراك الذين يجدونها مناسبة لتعلم لغتهم الدينية، أما في الصين فامتد تعليم لغة الضاد إلى 13 جامعة غير المراكز الصغيرة المتفرقة.
الحاجة للتوجه إلى كل شعب بلغته لا بالإنجليزية كما كانت الحال، هي من خصوصيات السنوات المقبلة. ويتوجب ألا نفاجأ حين سيأتينا التركي والإنجليزي والبلجيكي ليحدثنا بلغتنا، ونكتشف أننا أعجز من أن نجاريه في فصحى يتقنها أفضل منا. هذه مأساة. والقول إن العربية لغة العنف، وأن التردي الذي نرتع فيه سيجعلنا أقل جاذبية في عيون الآخرين، تبدو نظرية عديمة الجدوى.

التعليقات

خالد
19/11/2017 - 07:05

احترامي وتقديري لك هذا غيض من فيض حول أهمية لغتنا ولن يكون الحديث بلغات الآخر ضربا من الثقافة والرقي من ارتقى بنفسه ارتقى به العالم

محسن العامري
19/11/2017 - 09:39

مع شديد الاسف هناك من العرب من يتصور ان التطور مربوط اللغة الاجنبية ويحرص على تعليم اولاده اللغة الاجنبية قبل العربية وهذا حسب تصوره يكفي ان يكون الطفل ناجح.من خلال تجربتي ان اللغة العربية غنية بمفرداتها واسعة بمعانيها اكثر من كثير من اللغات ،اللغة العربية منتشرة وفي تزايد في كل قارات العالم وبالذات اسيا وافريقا نتيجة لتوسع التجارة وانتشار الاسلام وهذا يجعل العربي يستغرب عندما يجد الناس تعلم اولادها العربية وهو العربي لا يجيدها ,ثم الذي يتعلم لغة اخرى دون ان يكون ملم بلغة الام لن يتمكن في اي من اللغتين .
دون شك اللغة العرية في توسع على مستوى العالم دون ان يكون للعرب دور يذكر في وهم العرب غير مهتمين بلغتهم واهمية انتشارها مع وجود بعض المنح التي تقدم من بعض الجامعات الدينية في السعودية والازهر

علوش داني
البلد: 
صيدا
19/11/2017 - 08:51

نحنا مشكلتنا اختي سوسن من هادول اللي حافظين كلمتين اجنبيي وعم بيدسوها بين كلماتن... يعني لاتكلمو عربي ولا اجنبي شو بنعمل معاهم

د. عـبـده عـبّـود
19/11/2017 - 18:34

أخي الكريم أتمنى أن تعبّر عن رأيك بالعربية الفصيحة لا بالعامية، فالعامية لغة شفوية لا تصلح للكتابة. ولعل النزعة إلى الكتابة بالعامية هي إحدى المشكلات الكبرى التي تعانيها اللغة العربية، وهي لا تقل خطورة عن الكتابة بلغة أجنبية ومهاجمة العربية. أحييك وأرجو أن يتسع صدرك لملاحظتي. مع أطيب التحية.

19/11/2017 - 21:21

علوش داني:
اللغة العربية بحر ولغات العالم أجمع نقطة في هذا البحر
وبعدين الي يدخل كلمتين اجنبي على العربي في كل حديث هذا لا طال بلح الشام ولا عنب اليمن

تركي سليمان
البلد: 
السعوديه
19/11/2017 - 11:45

اهنيك على هذا المقال الجميل حقا ....
كدنا ننسى هكذا مقالات , انه في الصميم وفي الوقت

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
19/11/2017 - 12:33

مع اتفاقي الكامل مع الكاتبة حول جمال اللغة العربية وعمقها واتساع مقرداتها ومطواعيتها بما تحمله من معانٍ إعجازية لا تمتلكها اللغات الأخرى ، فإنني لا أجد غضاضة بأن أضيف أن الغرب يريد التعرف بشكل جيد على العالم العربي الذي يتحتم التعامل معه ،ولا يمكن الاستغناء عنه او تجاهله فهو غني بعبقرية الزمان والمكان والرجال وثري بآثار عظيمة تعود لآلاف السنين تتحدث عن حضارة هي جزء من تكوينه ، ولا بدّ أن تعود ، فالتاريخ يدور دورته التي يعرفها كل المتابعون والمعنيون بالمستقبل ، وما دامت اللغة العربية هي معين الحضارة العربية القديمة والقادمة بما تحويه من علم وفكر وثقافة وازدهار ، فما من شك بانه يتعين على جميع المجتمعات العالمية بان تسارع لفهم امة العرب
والاستفادة من مخزون واشعاع لغتها المتألقة ودررها الثمينة التي لم تخبُ يوما من الأيام

Oumar fofana
البلد: 
غينيا
19/11/2017 - 12:46

وهل يقدّر العرب من ينطق لغتهم من الجنسيات الأخرى مثلما حظيت المغربية الشابة من إحترام وتقدير من الأوساط الثقافية والسياسية في فرنسا؟

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
19/11/2017 - 16:26

مقال رائع ومهم. انها الحقيقة التي لاتريد الحكومات العربية الاعتراف بها ولا نشرها.العربية تضمحل فينا وربما تنتشر في شعوب أخرى كما وضَّح المقال. المهمة جسيمة على القائمين بها والتراجع كبير في واقعها. لغتنا الغنية بمفردتها والدقيقة في تعبيرها ووصفها للاشياء .تتراجع اليوم فنحن اهلها وهي لغتنا الام والتي في رايي لا يمكنها ان تتطور بغير المتحدثين فيها. نعم ربما تنتشر في بلدان اخرى لكنها لا يمكنها ان تتطور فيهم . كل الدول المتقدمة تستعمل لغتها الام في جامعاتها وفي مراكز بحوثها. بالطبع اليوم لايمكن استخدام اللغة العربية في الجامعات لتدريس العلوم لان البون شاسع. وهي دعوة اليوم للعرب لأخذ المبادرة والبدأ. لابد من رؤية وبرنامج للنهوض فالعمل المرحلي أو القرارات الفردية لايمكنها ان تعالج الوضع المتردي. "هناك تكملة"

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
19/11/2017 - 16:31

ان الترديد بان اللغة العربية لا زالت بخير هو مناقض للواقع فاللغات هي بحياتها لا بقواميسها. وهنا اليوم من منبر الشرق الاوسط دعوة لكل اولي الرؤى الخيرين بان يضمنوها في رؤاهم فهي تستغيث وبلداننا تستغيث ونحن نستغيث ولايمكننا النهوض محافظين على اصالتنا بغيرها. شكرا للاستاذة سوسن الابطح.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة