شيلي غولدبرغ
TT

السعودية في طريقها للتحول إلى عامل محوري في سوق السلع

تتحرك المملكة العربية السعودية نحو اكتساب نفوذ كبير على صعيد أسعار السلع العالمية. ومع أنها لا تنتج مجموعة ضخمة ومتنوعة من المواد الخام مثل الولايات المتحدة أو الصين، فإنها في الوقت ذاته ليست دولة مستهلكة بالقدر الكبير الذي نجده لدى جارتها، وعلى ما يبدو، فإن التطورات الاقتصادية والسياسية التي تشهدها المملكة تخلف تداعيات مبشرة بالنسبة لقطاع السلع والتدفق التجاري للأسباب التالية:
ويعتمد الاقتصاد السعودي بصورة شبه كاملة على النفط، الذي يشكل ما يقرب من 90 في المائة من عائدات المملكة. ومع هذا، تبقى أسعار النفط مستقرة عند ما يقرب من منتصف مستوياتها منتصف عام 2014.؛ الأمر الذي يترك المملكة في حاجة شديدة إلى توفير دفعة لاقتصادها للتغلب على إجمالي الناتج الداخلي المنخفض. وتسير السعودية بالفعل اليوم على الطريق نحو تحقيق ذلك.
في مايو (أيار)، أعلن مدير صندوق الاستثمارات العامة بالمملكة، ياسر الرميان، تخصيص 20 مليار دولار لصندوق معني بالاستثمار في البنية التحتية بالتعاون مع «بلاكستون غروب إل بي». وترمي الخطط القائمة على هذا الصعيد إلى استثمار ما يقرب من 45 مليار دولار في صندوق «سوفتبانك» للتكنولوجيا. ويأتي ذلك في أعقاب توجيه استثمارات بقيمة 3.5 مليار دولار إلى «أوبر تكنولوجيز إنك» في يونيو (حزيران) 2016.
في 24 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خطة لبناء مدينة كبرى أطلق عليها «نيوم» بتكلفة 500 مليار دولار، بحيث تمتد عبر الحدود مع الأردن ومصر، وتطل بسواحل تزيد على 10.231 ميل مربع على البحر الأحمر. ومن المقرر أن تتوافر الخدمات والعمليات داخل المدينة بصورة أوتوماتيكية بنسبة 100 في المائة، بينما ستعتمد بصورة كاملة على الطاقة المتجددة. وتنوي المملكة نقل ملكية «أرامكو السعودية» المملوكة حالياً للدولة إلى صندوق الاستثمارات العامة، الذي سيتحول إلى أكبر صندوق سيادي بالعالم بقيمة تريليونَي دولار.
وتكشف الأرقام أن مشتريات المملكة من الحديد والصلب والسلع المصنعة الواردة من الخارج عام 2016، كافأت 5.7 في المائة (7.4 مليار دولار) من الإجمالي، وإن كان هذا الرقم بجانب استهلاك الطاقة والمواد الخام الأخرى سيرتفع على نحو بالغ بلا أدنى شك، مع انطلاق المشروعات الضخمة المقررة. في الوقت الراهن، تعتبر السعودية أكبر مستهلك للنفط في الشرق الأوسط (3.9 مليون برميل يومياً عام 2016). وقد ارتفع هذا الرقم بمعدل 7 في المائة سنوياً بين عامي 2006 و2016.
وبعد تعهده إلى «إسلام أكثر اعتدالاً»، رفع الأمير محمد بن سلمان حظر قيادة المرأة للسيارة. ومن الممكن أن يسهم ذلك في انضمام مزيد من النساء إلى قوة العمل، ويزيد الطلب على النفط. إضافة إلى ذلك، ارتفعت الواردات من الذهب والحلي المقلدة والأحجار الكريمة والمعادن النفيسة بنسبة 247.6 في المائة على امتداد السنوات الخمس التي تبدأ من 2009.
وفي عام 2016، كانت السعودية أكبر مصدر لمجمل السوائل البترولية (النفط الخام والمنتجات البترولية)، تبعاً لما كشفته إدارة معلومات الطاقة. إلى جانب ذلك، تضم المملكة ثاني أكبر احتياطيات نفط مؤكدة (بنسبة 16 في المائة)، بعد فنزويلا. ويمنح ذلك المملكة الصوت الأقوى بين أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). وتبدو السعودية عاقدة العزم على إنهاء حالة التخمة النفطية التي يتسم بها العالم عبر إبرام اتفاق داخل المنظمة لخفض الإنتاج، في الوقت الذي أشارت إلى احتمالات فرض قيود طويلة على الإنتاج للحيلولة دون حدوث فائض في العرض.
من جهته، أعلن وزير الطاقة خالد الفالح، أن محور تركيز المملكة لا يزال منصباً على تقليل مستويات مخزون النفط لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي، والتنمية إلى متوسط خمس سنوات. جدير بالذكر، أن «أوبك»، بجانب روسيا وتسع دول أخرى منتجة للنفط، قلصوا إنتاج النفط بمعدل يبلغ قرابة 1.8 مليون برميل يومياً منذ يناير (كانون الثاني). ويستمر هذا الاتفاق حتى مارس (آذار) 2018، لكن الأطراف المعنية تدرس تمديده تسعة شهور إضافية.
وبدأ اعتماد روسيا على دبلوماسية النفط يهتز على نحو متزايد، وذلك مع إقراضها أموالاً، وتفاوضها بخصوص اتفاقيات داخل اقتصاديات مضطربة. حالياً، تخوض روسيا محادثات مع فنزويلا، في الوقت الذي يحتاج رئيس الأخيرة، نيكولاس مادورو، إلى توفير مليار دولار لتجنب إشهار الإفلاس أو انهيار الحكومة ببلاده.
من ناحية أخرى، أجبرت العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد روسيا شركة النفط العملاقة المملوكة للدولة «روزنفت» للسعي نحو عقد صفقات مع كوبا ومصر وفيتنام. كما أنها تعكف على إبرام اتفاقيات بمجال النفط والغاز الطبيعي مع إقليم كردستان العراقي، وتسعى بدأب نحو السيطرة على حقول النفط الإيرانية.
وأطلقت الحكومة السعودية سلسلة من الإجراءات الجريئة بشأن خطط لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط. في أغسطس (آب)، بدأت المملكة تنفيذ مشروع سياحي يتألف من ساحل رملي بطول 100 ميل ومجموعة تتألف من 50 جزيرة، والذي تلقى استثمارات من جانب الملياردير ريتشارد برانسون.
ويستهدف الصندوق السيادي تحقيق نمو يتراوح بين 8 في المائة و9 في المائة بحلول الفترة ما بين 2025 و2030، من 3 في المائة حالياً. كما وجّه صندوق الاستثمارات العامة 500 مليون دولار إلى شركة تعمل بمجال ترشيد استهلاك الطاقة، وامتلك حصة بقيمة 2.4 مليار دولار من مزرعة لمنتجات الألبان وشركة منتجات غذائية في الرياض. ونظراً لكونها في ضمن بقاع العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة، يتعذر على المملكة الاعتماد على المواد الغذائية المستوردة، وتسعى لهندسة صوب زراعية تعتمد على الطاقة المتجددة لإطعام مواطنيها والدول المجاورة؛ الأمر الذي من المحتمل أن يعزز التدفق التجاري السلعي. وتبعاً لقاعدة بيانات «كومتريد» التابعة للأمم المتحدة، صدّرت السعودية عدداً من السلع الأخرى بخلاف النفط، مثل معادن وأسمدة وورق.
وفيما يلي قائمة بالصادرات السعودية عام 2016:
ـ وقود معدني، منتجات تقطير، 163.50 مليار دولار، ومنتجات بلاستيكية، 14.43 مليار دولار. و مواد كيماوية عضوية، 7.61 مليار دولار. وسفن وقوارب وهياكل عائمة أخرى، 2.37 مليار دولار. وألمنيوم، 1.90 مليار دولار.
وآلات ومفاعلات نووية وغلايات، 1.56 مليار دولار. ومركبات بخلاف قطارات السكك الحديدية، 1.10 مليار دولار. ومعدات كهربائية وإلكترونية، 1.06 مليار دولار. ولآلئ وأحجار كريمة ومعادن وعملات معدنية، 1.03 مليار دولار. وأسمدة، 882.8 مليون دولار. ومواد كيماوية غير عضوية، ومركبات معدنية نفيسة ونظائر، 854.74 مليون دولار. وقطع من الحديد أو الصلب، 769.75 مليون دولار. وورق وألواح من الورق المقوى، ومواد من عجينة الورق، 641.72 مليون دولار. ومنتجات صيدلانية، 639.10 مليون دولار. وصابون وشمع وشموع وزيوت تشحيم ومعاجين تشكيل، 541.11 مليون دولار. ومنتجات كيميائية متنوعة، 504.70 مليون دولار. وطائرات ومركبات فضائية، 496.26 مليون دولار. وحبوب ودقيق ومنتجات ألبان والنشا، 476.45 مليون دولار. والنحاس، 406 ملايين دولار. والحديد والصلب، 344.29 مليون دولار.
ويشنّ الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان حملة تطهير ضد الفساد. وقد صدرت أوامر بإلقاء القبض على مسؤولين واحتجازهم، كما صودرت أصول بقيمة 800 مليار دولار. وتشكل هذه الإجراءات خطوة نحو تطهير ما يبدو أنه تاريخ طويل من الفساد.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»