البِّر بالعهد

البِّر بالعهد

الثلاثاء - 25 صفر 1439 هـ - 14 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14231]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
نلاحظ في تراث شتى الأمم كثرة التأكيد عندهم على البر بالوعد. من ذلك ما قاله الإنجليز: «كلمة الرجل الإنجليزي قيده» An English man’s word is his bond، ولنا في تراثنا العربي كثير من الأقوال والحكايات والمواعظ التي تؤكد ذلك، سمعنا في هذا الخصوص قول الحارث بن عمرو الكندي: «أنجز حر ما وعد». ويقول أبو الفضل الميداني إن هذا الرجل فضّل صيغة النكرة على صيغة المعرفة فقال: «حر» ولم يقل «الحر» لأنه لم يرد أن يظهر بمظهر من يمدح نفسه. وهذا بالطبع ما يدل على قدم المثل وعراقته. ففي هذه الأيام يبذل القائلون والكاتبون جهدهم لمدح أنفسهم.
يقول صاحب الرواية، وهو المفضل، إن أول من قال ذلك القول كان الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي، وقال تلك الكلمات لصخر بن نهشل بن دارم. أما حكاية القول ومناسبته فهي أن الحارث هذا قال لصاحبه صخر: هل أدلك على غنيمة على أن لي خمسها؟ فأجابه صخر قائلا: «نعم». فدله على أناس من اليمن، فجمع صخر قومه وهجموا عليهم فظفروا وغنموا الكثير منهم.
فلما انصرفوا قال له الحارث: «أنجز حر ما وعد». فأرسلها مثلاً. ثم راود صخر قومه ليبروا بوعده ويعطوا الحارث خمس الغنيمة كما تعهد له. فأبوا عليه وانطلقوا عائدين. وكانت في طريقهم ثنية ضيقة يقال لها شجعات، وكان صخر على علم بها فسبقهم إليها ليتصدى لهم. وقف على رأس الثنية وقال: «أزمت شجعات بما فيهن». فقال له جعفر بن ثعلبة من أبناء قومه: والله لا نعطيه شيئاً من غنيمتنا. ثم مضى ليجتاز المضيق فحمل عليه صخر وطعنه طعنة أودت بحياته.
أدرك القوم كل ذلك وعرفوا عزيمة صخر على البر بعهده فأذعنوا للأمر ووافقوا على إعطاء الحارث ما استحقه من خُمسٍ ودفعوه لصخر. وفي ذلك قال نهشل بن حري مؤرخاً الواقعة:
ونحن منعنا الجيش أن يتأوبوا
على شجعات والجياد بنا تجري
حبسناهم حتى أقروا بحكمنا
وأدي أنفال الخميس إلى صخر
من الطريف أن نلاحظ في الحكاية تغير القيم الأخلاقية. لقد شعر كل من الحارث وصخر بنقيصة وعيب فظيع في ألا يبر القوم بعهدهم ويعطوا خمس الغنيمة للمخبر. ولكنّ أياً منهما لم يجد أي عيب في أن يرشد رجل رجلاً آخر على قوم أبرياء ويسلبهم أموالهم. وأعجب من ذلك أن الميداني يروي الحكاية من باب الفخر والرضا.
بيد أن من الواضح أن الحكاية ترجع دون أي ريب أو شك إلى عهود الجاهلية ليس فقط بأسماء أبطالها، صخر ونهشل وآكل المرار... الخ. وإنما لأن الإسلام جاء وقضى على هذا النهج من الحياة المتوحشة والقيم المارقة في عرفنا المدني المعاصر.

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
14/11/2017 - 04:52

استاذ خالد القشطينى
من الامثال التى تقال عندنا عن البر بالعهد مثل يقول ( الرجل يريط من لسانه ) وآخر يقول ( وعد الحر دين عليه ) ومعنى المثل الاول ان الرجل اذا تعهد او وعد بشىء فان كلمته هذه اصبحت ملزمة له وعليه تنفيذها اى الوفاء بما تعهد ووعد وكذلك معنى المثل الثانى ان الرجل الصادق الحر الذى قطع على نفسه وعدا او تعهدا بفعل شىء ما فيتعين عليه الوفاء بما تعهد او وعد لان هذا الوعد او التعهد اصبح بمثابة دين فى رقبته كما يقولون لايسقط عنه الا بالوفاء او الابراء وقد امرنا الله سبحانه وتعالى بالوفاء بالعهد فى قوله فى كتبه العزيز " واوفوا بعهد الله اذا عاهدتم اذن يجب الا ناخذ العهد الذى يقطعه الانسان المؤمن على نفسه مأخذ الهزل فسوف يحاسبنا الله على عدم الوفاء بالعهد ولذلك يتعين على الانسان الا يقطع على نفسه عهدا الا اذا كان فى استطاعته الوفاء به

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
14/11/2017 - 17:25

على ذكر البر بالعهد، "بشرنا" أحد الحكام بعد وراثة الرئاسة بحكم جديد قوامه "النطوير و التحديث فاستبشرنا خيراً بعد طول عناء وانتظار. و قد برّ الوريث بعهده فشهدت أجهزة المخابرات و أساليبها في القمع و التعذيب من التطوير والتحديث ما لم تشهده طيلة ثلاثين سنة من حكم المورّث !

يبدو أن هذا النهج من الحياة المتوحشة والقيم المارقة في عرفنا المدني المعاصر (على حد تعبير الكاتب) قد عاد مجدداً إلى بلادنا ليصبح جزءاً من التطوير و التحديث الموعودَين. ذلك أنّ "التقارير الأمنية" بما فيها من افتراءات انتقامية ضد أبرياء أضحت ذات أجرٍ مُغرٍ و أضحت الحواجز الأمنية و سيلة لسلب الأموال.
لكن هذا لا يقاس بما جرى لمنشد شعبي اعتاد المعتصمون سماع أناشيده المطالبة بإسفاط النظام ، فاقتلعت حنجرته و رميت جثته على ضفة النهر عبرة لمن يعتبر. فهل شهدت الجاهلية أمراً كهذا؟

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة