أمران بات من الصعب تفاديهما. فرملة الصين الذاهبة كصاروخ صوب التفوق في الذكاء الاصطناعي، لدرجة أنها ستتجاوز أميركا خلال عقد واحد فقط، والأمر الثاني، إقناع القوى الكبرى المنخرطة في هذه المنافسة التكنولوجية المحتدمة بشراسة، بأن ميزانياتها الباهظة، ستكون أنفع لو أنها استثمرت في خدمة البشر، بدل الانكباب على تطوير الأسلحة الفتاكة. ولم يكن من صوت أعلى من ذاك الذي أطلقه الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ، في قمة لشبونة التكنولوجية، قبل أيام، أمام عشرات آلاف من المهتمين، محذراً من خراب العالم وسيناريو «أبوكلبسي» في حال استمر النهج على ما هو عليه. والرجل ليس وحيداً في استشعار الخطر الداهم من غياب الأخلاقيات عن عالم تطويع العلوم، لا سيما الذكي منها. ففي كندا أحد رواد هذا العلم البديع والمريع في وقت واحد، وجه خمسة من كبار خبرائها في أبحاث الذكاء الاصطناعي، بقيادة إيان كير من جامعة أوتاوا، رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء جوستن ترودو يحثونه على الانضمام إلى مبادرة «حظر الأسلحة باستخدام الذكاء الاصطناعي». والخوف متأتٍ من أن هذه الأسلحة اللعينة ستكون ذاتية الاستخدام، وبمقدورها أن تقتل بسرعة، تبعاً لتقديرات برمجتها من دون تدخل البشر. وبالتالي يستعصى التنبؤ بالأخطار الممكنة، أو تصور أي سوء فهم محتمل قد يقضي على أرواح أبرياء.
19 دولة انضمت إلى الاتفاقية، ويتنافس أستراليون وكنديون على أن تكون إحدى الدولتين الرقم 20، وهم يدركون أن الآتي ليس مشرقاً، وأن «صندوق باندورا» إذا فتح فإن أحداً لن يتمكن بعدها من إغلاق باب جهنم.
وهكذا في سابقة فريدة من نوعها، يتحول البحاثة المستفيدون من الأموال إلى ناشطين ضد الطريقة التي تستغل بها ثمرات أتعابهم، ويطالبون بخفض الميزانيات بدل رفعها، ولو انعكس ذلك ضرراً شخصياً عليهم.
والأمر لا مزاح فيه، فكل يسنّ أسنانه، لتحضير الوليمة الدسمة من الأسلحة الأكثر فتكاً، والأفضل برمجة، والأقل حاجة إلى تدخل بني الإنسان. وجاءت عبارة صغيرة على لسان فلاديمير بوتين، قبل ما يقارب الشهر، يقول فيها «إن من يمتلك التفوق في الذكاء الاصطناعي، سيتمكن من السيطرة على العالم» لتشعل سيلاً من التعليقات والتحليلات. جملة الرئيس الروسي كانت بمثابة المهماز الذي أيقظ الرعب في القلوب الغافلة داخل الولايات المتحدة، وتصاعد الكلام حول العملاق الصيني الذي يجهز بمخالب أخطبوطية على الشركات التكنولوجية، وأن الاكتساح آتٍ لا محالة.
وإذا كانت الصين هي مصدر التهديد الحقيقي، فإن روسيا ليست مقصرة، وباتت لديها دبابة مدرعة، تحمل ترسانة كاملة، من مدافع رشاشة، إلى صواريخ، ومضادات طائرات، تتحرك وتطلق النار، وتخوض حروباً بلا تدخل الإنسان، صنعتها الشركة التي أتتنا قبل ذلك بالكلاشنيكوف الشهير، وشتان بين الاثنين. ويقال أيضاً إن بعضاً من الأسلحة الذكية الروسية جربت خلال السنوات الماضية في سوريا.
وبالعودة إلى الصين التي يعتبر رئيسها تشي جينبينغ، أن العلوم والتكنولوجيا هي «ساحات القتال الرئيسية»، فمشروعه 2025 سيكلفه أكثر من 59 مليار دولار. وهو ما سيكون كفيلاً بأن يجعل بلاده تسبق أميركا بحلول هذا التاريخ، وتصبح رائدة مطلقة بعدها بخمس سنوات. وإذا أصغيت إلى المدير التنفيذي السابق لـ«غوغل» إريك شميدت، وهو حالياً مدير المجلس الاستشاري للابتكار التابع لوزارة الدفاع الأميركية، تستطيع أن تدرك أن النتائج لن تخيب جينبينغ لأسباب كثيرة لم تعد تمتلكها أميركا.
وعلى عكس ما يمكن أن تتصور، فإن القبضة الحديدية على البلاد، تساعد الحكومة في تنفيذ استراتيجياتها دون معارضة، كما أن العدد الضخم للسكان، وكمية البيانات الهائلة التي تمتلكها الدولة، والكتلة البشرية التي يمكن تشغيلها تلعب كلها لصالح الصين. أضف إلى كل ذلك، تفوق الصين حالياً في تعليم الرياضيات عالمياً، والمهارة في علم الخوارزميات، والقوة الاقتصادية التي تسمح لها باجتذاب المهارات الأجنبية، وهو تماماً ما بدأت به، مع دفع معاشات مغرية للغاية. ما يؤرق الخبراء الأميركيين، وبينهم شميدت، أن أميركا تغلق أبوابها في وجه عباقرة العالم فيما الصين تفتح ذراعيها، وتخرج مغرياتها لهم.
وأخيراً، شكل اختيار الباحث الأسترالي تيم بيرنز، المختص في الفيزياء الكمومية شنغهاي عوضاً عن نيويورك لنشر أحد أبحاثه، صدمة كبيرة في الأوساط العلمية، خصوصاً أنه قال حين سئل عن السبب إن «ثمة ما هو مدهش في الصين ويستحق الاهتمام».
لم يعد خافياً أن الصين استحوذت على عدد يصعب إحصاؤه من الشركات الغربية، وأن الصدر يضيق، والإجراءات تتخذ، لكن العين بصيرة واليد قصيرة. فقد وقعت الصين خلال العامين الماضيين فقط على صفقات اندماج وصلت إلى 110 مليارات دولار، في مجال التكنولوجيا وحدها. سمِّ كل ما سبق، تلاعباً، حيلة، خبثاً، قل عنه ما تشاء، لكن السباق متواصل بين الدول الكبرى، وكل ما نتهم به الصين، من عدم احترام للملكية الفكرية والأدبية، والنسخ الغبي، كما سطوة الدولة الديكتاتورية وعدم تحريرها للاقتصاد بالمعنى الليبرالي، كما انغلاقها الإنترنتي، وعدم سماحها بكثير من مواقع البحث الشهيرة أو مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها، في النهاية، تسخّر كل هذا الحرمان لصالحها، وهو ما يكاد يصيب القوى المناوئة لها بمسّ من الجنون.
9:11 دقيقه
TT
المعركة الأخطر
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
