حين تكره الدنيا

حين تكره الدنيا

الأربعاء - 12 صفر 1439 هـ - 01 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14218]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
أراد القاضي البريطاني دينيس لويد تقديم شرح موجز لتطور القانون. لكن كتابه القيم «فكرة القانون» قدّم ما هو أكثر من ذلك. فقد فسّر بذكاءٍ، العامل المشترك في كل تقرير تاريخي عن المعرفة والإنسان، أعني به: تراجع الأسطورة وتقدم العلم.
في كل خطوة على طريق التاريخ الطويل، يظهر واضحاً أن تحرر الإنسان ارتبط بازدهار الاتجاهات العقلية. يتسع دور العقل فيتطور العلم، فيزداد فهم البشر للطبيعة، فترتفع قدرتهم على استثمارها، فيتقدمون مادياً، فتبرز انعكاسات التقدم المادي على علاقة الناس ببعضهم بعضاً، فيعودون إلى المعايير العقلية ذاتها ليضعوا قواعد أكثر تقدماً للعلاقة فيما بينهم. وهكذا يتطور المجتمع مادياً وأخلاقياً، ويتسع فهم الإنسان لنفسه وعالمه الكبير.
ولفت انتباهي في دراسة لويد إشارته إلى دور الرسالات السماوية في إغناء هذا المفهوم، وإسهامها - من خلاله في تفكيك الأساطير الخاصة بالكون وعلاقة الإنسان بالطبيعة.
المسألة على النحو التالي: في قديم الزمان ظنَّ البشر أن الأعاصير والعواصف والسيول وبقية الظواهر الطبيعية المخيفة، علامات على غضب الآلهة التي تتحكم فيها. إذا غضب إله النار حرك البراكين الخامدة، وإذا نازعه إله المطر حرّك السيول الجارفة. لم يجد البشر الضعفاء حيلة للنجاة من غضب الآلهة المزعومة، سوى منحها القرابين والأعطيات. ويحكي القرآن الكريم قصة النبي يونس، الذي ألقى به ركاب السفينة قرباناً لإله البحر الغاضب، كي لا يغرق سفينتهم.
زبدة القول إن القلق على الوجود شكّل المؤثر الأبرز في حياة الإنسان القديم. ونعلم أن الإنسان القلق على وجوده، لا يفكر في شيء سوى النجاة بنفسه.
ركزت رسالات السماء على أن الكون يعمل وفق نظام دقيق، منطقي وقابل للإدراك، كما ركزت على وحدانية الله، خالق الكون الرحيم الذي لا يعبث ولا ينتقم من خلقه. مع هذا الفهم الجديد إضافة إلى مجموعة الشرائع والقيم الأخلاقية، تخلص الإنسان من قلق الفناء والخوف من طغيان الطبيعة وآلهتها المزعومة، وبدأ يفكر في السيطرة عليها واستثمارها. ومن هذه النقطة بالتحديد تحرك قطار العلم والتقدم في مختلف الاتجاهات.
تاريخ التقدم الإنساني إذن هو تاريخ الخلاص من الخرافة، ونفي الحتميات الموهومة والمسلمات الجامدة، وتكريس حاكمية العقل وفوقية العلم، إنه قصة الانتقال من رهبة الطبيعة إلى استثمارها والتحكم فيها.
لا يخلو العالم من بواعث القلق، ولن يستريح الإنسان من التوتر. لكن الفارق بعيد وجذري بين قلق سببه العجز إزاء الطبيعة القاهرة، وقلق منشؤه تمرد الإنسان على واقعه، وسعيه للتحكم في حياته وعالمه. القلق الأول يحيل الإنسان إلى الهروب نحو الوراء، أي الخرافة وتغييب العقل، بينما يحيله القلق الثاني للهروب نحو الأمام، أي الهجوم على المشكلة والبحث في عقله وعالمه عن حلها.
مثل بقية الأديان السماوية، أراد الإسلام تفكيك الخرافة وعقلنة الفهم البشري للعالم، وأكد على استثمار الطبيعة. لكن - لسبب ما - فإن المسلمين قرروا في أزمان الانحطاط، أن الطبيعة والدنيا كلها لا تستحق العناء. قرّر جمهورهم أن الحياة الدنيا ظرف مؤقت، ومهلة قصيرة في انتظار الحياة الآخرة. لم يعد المسلم قلقاً من بؤس الحياة وتخلفها، وهو لا يرى نفسه شريكاً في بناء حضارة العالم. فكل همّه هو النجاة من النار في الحياة التالية.
ترى... هل يمكن للإسلام أن يسهم في تقدم الدنيا، وأتباعه منصرفون عنها، مشغولون بما بعدها؟

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
01/11/2017 - 06:10

بهذا الطرح الرائع نقول لك استاذ توفيق الاسلام بالفعل يسهم فى الحضارة الانسانية واول هذه
ا لاسهامت معرفة الله الواحد الاحد وهو الذى يسير هذا الكون بينما الاخرين يعرفون كيف يتعاملون مع التقنية ويستخدمون جولاتهم والاتهم الحاسبة ويجولون على الدنيا كلها عبر الشبكات ولايعرفون الله ويعبدون البقر الذى يطعمونه بانفسهم واخرين لاهذا ولاذاك الاسلام فقط يحتاج الى فهمه الفهم الصحيح والله لو قرأ غير المسلم فى اوربا نصوص ديننا الان لاامن على الفور وهو يرى الاسلام كيف شدد علينا فى عدم قتل النفس ومنعنا من السرقة و الزنا ومنعنا من التنابز بالالقاب والسخرية من الاخرين والتعامل مع الحيوان برفق وثبت حق الجار نحتاج فقط الفهم والتطبيق

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
01/11/2017 - 10:40

لنا عبرة في الفاروق رضي الله عنه عندما رأى رجلاً متزهداً مترهبناً يمشي على الأض هوناً "حسب إعتقاده" فضربه بالدرة قائلاً "أمت علينا ديننا أماتك الله".

منذر عبدالرحمن
البلد: 
النرويج
01/11/2017 - 11:23

احسنت سيدي .. مقال تنويري قيّم.

فرحان الشمري
02/11/2017 - 08:41

كلام أكثر من رائع. من كاتب متمكن بتقدير ممتاز من المعلومة التي يتكلم عنها.لذا لا تجد إلا التسليم بما يقول.
شكراً لك ابو مجتبى.فانت دائم التألق.

سميره عبدالله أبوالشامات
البلد: 
المملكه العربيه السعوديه /جده
01/11/2017 - 11:31

المسلمون نسو تعاليم دينهم وقرآنهم نسو أن الايات في القران اول آيه نزلت على رسول العالمين محمد صلى الله عليه وسلم ، تقول: إقرأ والآيات تتوالا أفلايتدبرون أفلا يفكرون أفلا يبصرون الخ ..... وهناك آية علميه واضحه لااعرف من إين أنصب علينا الكسل والتراخي ونحن أمة القرآن .

01/11/2017 - 11:48

أصبت الحقيقة اخي توفيق ولامست بقوة مشكلة المسلمين والإسلام ، لأننا اذا طاوعنا من يدعوا إهمال الدنيا والاهتمام بالآخرة فقط فسنكون اضعف الشعوب رغم ان ديننا يدعونا للأخذ بأسباب القوة ، شكرًا لك.

محمد
01/11/2017 - 17:53

مقال قمة في تسلسل و اثارت التساؤل....للأمانة هوسنا بالاخرة جعلنا اما يائسين من رحمت الله شاعرين بالذنب المحبط المعطل عن العمل او الغارقين في التعبد مع اهمال العمل في الدنيا.

تاج راس
البلد: 
السعودية
01/11/2017 - 18:50

الدين يحقق للفرد المحبط والشعوب المقهورة التوازن النفسي ويساعدهم على الصبروالرضا فهو ملاذهم لتقبل الحياة وضغوطها اما الشعوب المتأصل فيها القانون و الديمقراطية تلجا للأديان كدافع ثانوي وتنظيمي لحياتهم الروحية ورفاهيتهم

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة