عودة {العشيرة} الألمانية

عودة {العشيرة} الألمانية

الأربعاء - 14 محرم 1439 هـ - 04 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14190]
روجر كوهين
كاتب, نيويورك تايمز

عادت العشيرة بمعناها القبلي - كانت تلك الرسالة التي أطلقها ألكسندر غاولاند، السياسي البارز في صفوف حزب «البديل من أجل ألمانيا» المتطرف، عندما تعهد ليلة الانتخابات «باستعادة بلادنا وعشيرتنا!».
جاء حديث غاولاند في غمرة شعوره بالسعادة والنشوة لفوز حزبه بـ94 مقعداً في البرلمان، في إنجاز أعاد رسم ملامح المشهد السياسي الألماني في حقبة ما بعد الحرب.
في الواقع، أحمل بداخلي رغبة عارمة في التشبث بالطبيعة المسالمة لهذه الكلمة البسيطة «عشيرة». إلا أنني أجد نفسي عاجزاً عن ذلك، خاصة أن تصريحه يثير تساؤلاً منطقياً: استعادة ألمانيا من يد من؟ أعتقد أنه يشير إلى المهاجرين والمسلمين الذين أصبحوا يشكلون بالنسبة لحزب «البديل من أجل ألمانيا» يهود اليوم.
والمعروف أن صيحات التأييد لهتلر كانت تتبع اسم هتلر بكلمة عشيرة. وفي عهد هتلر، كان وحده الانتماء إلى «العشيرة الآرية» ما يضمن للمرء عدم السقوط في صفوف واحد من الفئات الأخرى الملعونة. وكثيراً ما جرى الحديث في تلك الفترة عن «الآخرين» باعتبارهم أشباه بشر، وفي الوقت الذي حكم على اليهود بالفناء، سيق السلاف نحو العبودية.
عام 1933، كتب فيكتور كليمبيرير، مؤرخ الحقبة النازية، يقول: «من جديد تظهر مناسبة تستدعي الاحتفال، يوم عيد وطني جديد للشعب: عيد ميلاد هتلر. لقد أصبح مصطلح (فوك) (عشيرة) مألوفاً في لغة الحديث والكتابة كالملح في الطعام. لقد أصبح كل ما حولنا يحمل نكهة العشيرة».
بمرور السنوات انتقلت الجمهورية الفيدرالية من هوية عشائرية ضيقة إلى أخرى منفتحة وتسع الجميع. ومع هذا، يعلمنا التاريخ أن الهوية الألمانية لم تكن أبداً بالأمر البسيط، لكن من الملاحظ أنه في ألمانيا ما بعد عام 1945 أصبح كل جيل أكثر تصالحاً مع نفسه عن الجيل السابق. ومثلما قالت المستشارة أنجيلا ميركل، فإن «العشيرة تضم كل شخص يعيش داخل هذه البلاد».
ويعني ذلك أنها تشمل السكان البالغ عددهم 82 مليون نسمة، وأكثر عن مليون مهاجر حديثاً (الكثير منهم سوريون). العام الماضي، أعلن مكتب الإحصاءات الفيدرالي أن قرابة 18.6 مليون شخص داخل ألمانيا ينتمون إلى خلفية مهاجرة، ما يعادل 23 في المائة من السكان.
وقد كشفت الانتخابات التي أجريت في ألمانيا هذا الشهر أنه حتى داخل بلد يتميز باقتصاد قوي ومعدل بطالة منخفض، ليس ثمة حصانة في مواجهة مشاعر الغضب والخوف التي تعزز موقف «البديل من أجل ألمانيا». وعندما أنظر إلى حال عالمنا اليوم، أتذكر كلمات بوب ديلان: «ثمة شيء يجري هنا، لكن لا أحد يدري ما هو».
في الواقع، هذا «الشيء» لا يعدو كونه تياراً عنيفاً ورجعياً يشكل رد فعل يمينيا وقوميا و«عشائريا» إزاء العولمة والهجرة واختلاط الأجناس واختفاء الحدود وانكماش الحدود الفاصلة بين النوعين، وكذلك ضد الغريب والآخر وإجماع النخبة العالمية الحضرية التي لا تأبه إلا لمصلحتها.
الحقيقة أن نشاز الأصوات الصادرة عن العالم الحديث يثير حالة من القلق. أما التكنولوجيا فهي أمر رائع إذا ما استخدمها المرء، لكنها ليست كذلك عندما تضع هي نهاية لقيمة الفرد وأهميته.
من ناحيته، يرغب غاولاند في استعادة ألمانيا، لكن ألمانيا التي في مخيلته ولّت إلى الأبد. وقد رغب البريطانيون أيضاً في استعادة وطنهم - ونتيجة ذلك حصدوا كارثة الـ«بريكست» التي ألحقت أضراراً بالبلاد يتعذر علاجها.
كما رغب عدد ليس بالقليل من الأميركيين في استعادة شيء ما - صورة غريبة من الولايات المتحدة التي كانت سائدة في خمسينات القرن الماضي ويهيمن عليها البيض، والتي تختلف تماماً عن الولايات المتحدة القائمة اليوم - الأمر الذي دفعهم لانتخاب دونالد ترمب الذي لا يمل الحديث عن الحاجة لحماية «شعبنا».
ومع أن كلمة «شعبنا» في الحالة الأميركية تشير إلى أمة من المهاجرين (بينهم جد ترمب القادم من ألمانيا)، فإن «دفاع» ترمب، مثلما الحال مع غاولاند، موجه ضد جموع المهاجرين. ومثلما سبق أن قال ماركس، فإن التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة.
ويبقى الأمر الأشد خطورة هنا ألا نتعامل مع مثل هذه التيارات اليمينية المعادية للأجانب بجدية، وأن نفترض أنها ستتلاشى لأن هذا ببساطة مصيرها المنطقي، خاصة بعد أن تجاوزها العالم وتاريخه.
بيد أن هذا القول لا ينطبق على العالم كله، فما تزال الأطراف بعيدة عنه. في الواقع، إن أسوأ صور الغطرسة الليبرالية أن نرفض الاعتراف بوجود القوى التي دفعت بترمب إلى السلطة والتي تؤجج مشاعر القومية المتطرفة عبر أرجاء العالم.
جدير بالذكر أن الشعار الذي رفعته المظاهرات التي اشتعلت في ألمانيا الشرقية وأثمرت نهاية الأمر سقوط سور برلين رفعت شعار «نحن فوك»، بمعنى «نحن الشعب». في الواقع، الكلمات مثل التاريخ تحمل أوجهاً متنوعة، ويعتمد الأمر برمته على كيفية استخدامها.
ويكمن الخطر الأكبر عندما تفقد الكلمات معناها تماماً، مثلما الحال مع ترمب، أو عندما يجري استغلالها لإثارة أنهار الدماء، مثلما الحال مع غاولاند. أما عندما يقع الأمران معاً، فعلينا جميعاً توخي الحذر.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة