لهذا تريد إيران الاستفتاء مواجهة عسكرية

لهذا تريد إيران الاستفتاء مواجهة عسكرية

الخميس - 23 ذو الحجة 1438 هـ - 14 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14170]
صالح القلاب
كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق
لولا أنه لم يبق على «الاستفتاء» الذي تصر القيادة الكردية ممثلة بالرئيس مسعود بارزاني على إجرائه سوى عشرة أيام لكان بالإمكان القول للزعيم الكردي، ما دام أن العراق خلافاً لاتفاق البدايات في عام 2003 بدل أن يكون دولة ديمقراطية مدنية وعلمانية قد أصبح دولة دينية ومذهبية يُسيطر عليها الإيرانيون، أليس من الأفضل يا ترى أن يتم تأجيل هذا الاستفتاء إنْ ليس بالإمكان إلغاؤه وتوحيد جهود كل الذين يرفضون هذه السيطرة الإيرانية، التي تحولت مع الوقت إلى احتلال فعلي بكل معنى الاحتلال، لإخراج إيران من بلاد الرافدين ليصبح بإمكان الشعب العراقي بكل مكوناته تقرير مصيره بنفسه بعيداً عن وصاية الولي الفقيه وسطوة حراس الثورة الإيرانية وامتداداتهم في الأراضي العراقية.
والخوف كل الخوف أن يستغل الإيرانيون رفض غالبية العرب العراقيين ومعهم التركمان كلهم لاستفتاء يوم الخامس والعشرين من هذا الشهر وأن ينجحوا في دغدغة الحس القومي لدى هؤلاء وافتعال صدام عربي - كردي لن تستفيد منه سوى إيران التي تعتبر أن قيام أي كيان كردي مستقل «دولة» سيشكل مقتلاً فعلياً لتماسكها الذي بقي مهدداً بيقظة فسيفسائها القومي، الأكراد والعرب والبلوش والآذاريين.. وغيرهم، والمعروف أن الشاه السابق رضا بهلوي كان قدم تنازلات كبيرة للروس وللأميركيين من أجل إطاحة دولة «مهاباد» الكردستانية التي تم الإعلان عن إقامتها في عام 1946 وإعدام رئيسها القاضي محمد.
إنه على الأكراد أن يدركوا ومنذ الآن أن إيران التي بادر أتباعها، الحشد الشعبي وغيره، إلى التهديد والوعيد، ستلجأ إلى التصعيد ودفع الأمور في اتجاه المواجهة العسكرية ليس حُباً بالعراق وشعبه ولكن لضمان استمرار وجودها الذي اتخذ الطابع الاحتلالي في هذا البلد الذي بات يشهد صحوة قومية عربية موجهة ضد هذا الوجود وبخاصة بين أتباع المذهب الشيعي الذين أدركوا أن الإيرانيين (النظام) يستهدفونهم كعرب ومثلهم مثل أشقائهم «السنة».
ولهذا فإنه ضروري جداً ألا يواجه الأكراد، بعد «استفتاء» يوم الخامس والعشرين في هذا الشهر، بتصعيد مماثل، وذلك لأن هذا هو ما تريده إيران وهنا فإن الحوار الذي وعد به الرئيس مسعود بارزاني مباشرة وبمجرد الانتهاء من هذا الاستفتاء يجب أن يتم بالحرص لا بل بأقصى الحرص على أن يكون بهدوء وبعيداً عن التوتير وعن استحضار العنف وعلى أساس المصالح المشتركة بين شعبين يربط بينهما تاريخ واحد وعلى مدى حقب طويلة.
يجب ألا تستدرج إيران الأكراد إلى المواجهة العسكرية التي إن هي حصلت فإن أول ما تدمره هو الحلم الكردي وهو حركة البناء والإعمار والتقدم الذي تم في المجالات كافة في كل مدن كردستان العراقية ولذلك وبما أن المعروف أنَّ ما بات يواجه هذا الاستفتاء المشار إليه هو مشكلة كركوك فيجب الاستعداد ومنذ الآن لتنازلات مرضية للعرب والعراقيين الذين سيجدون صعوبة جدية بأن تتغير هوية هذه المنطقة الحساسة من عربية إلى كردية... إنه يجب التفكير في حلٍّ معقول ومقبول لهذه المشكلة التي إن هي تفجرت فإن دولة الولي الفقيه ستكون المستفيد الوحيد، وذلك إنْ على المدى القريب وإنْ على المدى البعيد.
والمفترض لتفادي هذا كله أنْ تعلن القيادة الكردية، ممثلة بالرئيس مسعود بارزاني المعروف باتزانه وحكمته وبصفات رجل الدولة المجرب من الطراز الرفيع، ومنذ الآن أن «الاستفتاء» لا يعني ترسيماً للحدود بين العراق وبين الإقليم الكردستاني ولا يعني إلحاقاً فورياً لمنطقة كركوك بعد هذا «الاستفتاء» مباشرة بكردستان العراقية فكل هذا يجب أن يتم بالتراضي وبالتفاهم وبالابتعاد عن استخدام العنف الذي تريده إيران وتسعى إليه لضمان بقاء وجودها الاحتلالي في بلاد الرافدين، والمعروف هنا أن قائد فيلق القدس قاسم سليماني كان قال إن حراس الثورة قد أصبحوا أقوى قوة عسكرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، والمعروف أن كردستان العراقية جزء لا يتجزأ من شرق البحر المتوسط هذا الذي بعد سيطرتهم على العراق وسوريا أصبح الإيرانيون يشكلون فيه القوة الرئيسية.
من حيث المبدأ إنه حتى لو تراجع الرئيس مسعود البارزاني عن قرار إجراء «الاستفتاء» الذي تقرر إجراؤه في الخامس والعشرين من هذا الشهر، والمؤكد أنه لن يتراجع فقد سبق السيف العذل، فإنه من حق الأكراد في كل أماكن وجودهم الأساسية - التاريخية أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم وأن يقيموا دولتهم أو «دولهم» المستقلة حيث يوجدون، ومثلهم مثل أمم وشعوب هذه المنطقة وبخاصة أن المعروف أن معطيات هذا القرن، الألفية الثالثة، تختلف عن معطيات القرن الماضي - القرن العشرين والمفترض أن «سايكس - بيكو» قد انتهت ولم تعد لها أي تأثيرات فعلية في هذه المنطقة الشرق أوسطية، وأنه من حق الشعوب التي كانت ظلمتها هذه الاتفاقيات التآمرية أنْ تحصل على ما حصل عليه غيرها.
إنه لا يجوز الاستمرار بالتعامل مع الأكراد في كل الدول التي يوجدون فيها بصورة أساسية ورئيسية كـ«مادة لاصقة» للحفاظ على الوحدة الداخلية لهذه الدول، وحقيقة أن هذا إنْ هو كان ممكناً في القرن الماضي وقبله فإنه لم يعد ممكناً الآن، ولذلك فإنه على الدول المعنية أن تدرك أنه لا بد مما ليس منه بُدّ وأن الأفضل أن يتم التعاطي مع هذه المسألة بالتفاهم وبعيداً عن المنطق الذي ساد في القرن الماضي والذي للأسف لا يزال سائداً حتى الآن، وحيث إنه لا تزال هناك نظرة «شوفينية» ضد هذا الشعب الكردي في بعض الدول التي أصبح جزءاً منها وفقاً لمعطيات القرن الماضي ووفقاً لاتفاقيات «سايكس - بيكو» التآمرية المعروفة.
إنه لا شك في أنَّ مع مسعود البارزاني الحق كله في أن يغضب كل هذا الغضب من عدم الالتزام باتفاق ما بعد الغزو الأميركي وإسقاط نظام صدام حسين، الذي نص على أن تكون الدولة الجديدة دولة ديمقراطية ومدنية، وحيث قد تم استبدال دولة مذهبية وطائفية «يسيطر عليها الإيرانيون» بها، فهذا لا يمكن الاستمرار به على الإطلاق والواضح أنه من غير الممكن تغييره ما دام أن إيران تحتل العراق احتلالاً عسكرياً فعلياً وتهيمن على كل مقاليد الأمور في هذه «التركيبة» السياسية العراقية.
ويبقى في النهاية أنه لا بد من التأكيد على أنه خطأ فادح بالفعل أن يوصف قيام الدولة الكردية المنشودة بأنه كقيام دولة إسرائيل، فالإسرائيليون جاءوا إلى فلسطين كجزءٍ من خطة استعمارية دولية عنوانها: «وعد بلفور» الشهير وهم قد أقاموا دولتهم هذه التي أصبحت خنجراً في قلب هذه المنطقة العربية والشرق أوسطية كلها وبالقوة وعلى أساس الأمر الواقع، أمّا بالنسبة للأكراد فهم جزء لا يتجزأ من هذه المنطقة وعلى مدى تاريخ طويل يتجاوز الألف عام بكثير وهم وفي كل الأحوال إنْ هم حققوا حلم تقرير مصيرهم بأنفسهم فإنهم لا يمكن أن يكونوا إلا شعباً شقيقاً إنْ بالنسبة للعرب والمفترض أيضاً إن بالنسبة للإيرانيين والأتراك.

التعليقات

شاهين صابر
البلد: 
كرديتان/العراق
13/09/2017 - 21:42

مقاله ممتازه الاستاذ القلاب و اود ان اصحح امرا واحدا بان كركوك لم تكن منطقه عربيه واراد صدام تعريبها بشراسة منذ الثمانينات القرن الماضي حيث جلب العرب من الجنوب العربي و لكنه اخطأ كثيرا حيث معضم الوافدون منهم كانوا من الشيعة و يمكن القول بانه ساهم بتشييع كركوك و هب الغلطة التي لا تغتفر لذا نجد الشيعة و الايرانيون لا يقبلون باستفتاء كركوك ة يتملصون في تنفيذ المادة الدستوريه ١٤٠

صلاح بدرالدين
البلد: 
syria
14/09/2017 - 06:22

كم نحن ( عربا وكردا ) بحاجة الى مثل هذا الخطاب الهادىء المستند الى مبادئ الأخوة والصداقة والعيش المشترك والاعتراف بحقوق البعض الآخر في تقرير المصير خاصة في هذه الظروف الدقيقة والخطيرة وفي أوج تحديات مواجهة المشاريع والخطط التي تستهدف مصالح ووجود شعوبنا ولاشك أن العقلاء العرب في كل مكان أمام امتحان مصيري هل سيقفون مع شركائهم الكرد بالتاريخ والجغرافيا ونصرة حقوقهم ومن ثم يسعون لاعادة بناء عقد الشراكة من جديد على قاعدة الاعتراف المتبادل ومواجهة التحديات سوية والعيش بسلام ووئام أم سيترددون كما يحصل منذ عقود ؟ موقف الصديق أبو بشار يعتبر نموذجا نابعا من تجربته النضالية وحسه السليم وحرصه على الصداقة مع شعبه الكردي .

رشدي رشيد
14/09/2017 - 07:41

كالعادة أستاذ صالح تنصف المظلومين وتدعم رجوع الحق لأصحابها. لقد قام الاستعمار الإنكليزي بتقسيم المناطق الكردية عمدا على اربع دول معروفة بتعصبها القومي والسبب عدم انصياع الاكراد لسلطة بريطانيا في حينه. الآن وبعد مرور مائة عام على التقسيم يحاول أكراد العراق التحرر من طغيان الحكومات المتعاقبة في العراق ومن ضمنهم الحكومة الحالية التي تستعمل سياسة العصى والجزرة مع الاكراد والعرب السنة. إن إقليم كردستان تُمارس مهام الدولة منذ سقوط صدام في ٢٠٠٣ ولحد الآن بكفائة وإمتياز، أي نعم هناك من المسؤولين الاكراد مَن إختار الثراء وداس على مبادئه ولكن هذا لاشيي مقارنة بما يفعله المسؤولين في حكومة المركز في بغداد من سرقة المال العام من واردات البترول وتسليمها لاسيادهم ملالي الاجرام والحقد في قم. علينا ان ندعم الاكراد في محنتهم فوالله إن الفرج سيأتي على يديهم.

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
14/09/2017 - 11:18

الاستفتاء لعبة ظاهرية فقط أما الحقيقية فالقرار متخذ بالإستقلال وإقطاع جزء من العراق وتمزيق العراق ، والمستفيد الوحيد هو إيران لإبتلاع كل العراق ، إيران صنعت داعش وهذه الأخيرة أيضاً أعلنت الخلافة كما تدعي - وهي في حقيقية الأمر خرافة - وقد تدمرت المدن العربية السنية بفعل داعش وكان لإيران النصيب الأكبر في القتل والتدمير ومليشياتها الطائفية ، واليوم نفس اللعبة يسعى لها الساعون لتدمير الجزء الشمالي الشرقي من العراق الذي يرأسه مسعود البرازاني بحجة الإستفتاء وما سيله من قرار إستقلاله عن العراق وتوسعه كذلك ليضم كركوك الغنية بالنفط وهناك أكثر من طرف يشجع برازني على ذلك ويعدون أصدقاء ؟ وهنا نتذكر أصدقاء صدام عندما غزا الكويت وما نتج عن ذلك من كوارث على العراق وعلى نظامه فهل الزعيم برازاني يراجع هذه الحقائق ويتعظ منها ويتصرف بحكمة وروية وهذا ما نتمناه

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
14/09/2017 - 11:31

أعتقد أن صناديق الإستفتاء ممتلئة بنعم قبل الإستفتاء فلماذا هذه اللعبة المكشوفة ، ألم يمل الشعب السوري عندما كان مغتصب السلطة المنلقب على القانون حافظ الأسد أول من عمل بالإستفتاء المزعوم ، وكان يدعو الشعب السوري للإستفتاء على تنصيبه للأبد أو لفترة رئاسية ثانية وكانت هناك صناديق تملئ بنعم قبل الإستفتاء ، فعن أي إستفتاء يتحدثون إذا كانت النتائج أستطيع أنا أن أعرفها قبل حدوثها وكل صغير وكبير يعرف أن هذا الإستفتاء لقول نعم للإنفصال وتمزيق العراق ولما لها من تبعات سيدفع ثمنها الأكراد العراقيون والتي سوف يأي يوم يندمون على هذا الإستفتاء المزعوم وعلى ما فعلوه يأيدهم .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة