العراق الذي نعرفه!

العراق الذي نعرفه!

الخميس - 23 ذو الحجة 1438 هـ - 14 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14170]
سليمان جودة
صحافي وكاتب مصري
لست أجامل الكاتب الأستاذ غسان شربل، رئيس تحرير هذه الجريدة، في شيء، إذا قلت إن الامتنان له واجب، على إنه طار إلى العراق في رحلة عمل صحافية، أتاح خلالها للقارئ مادة مكتوبة راقية، من مدينة أربيل مرة، ثم من مدينة كركوك مرة ثانية، وفيما بين المدينتين، كان العراق حاضراً في كل الأوقات!
لست أجامل الرجل في شيء؛ لأنه بمثل ما أتاح للقارئ مادة من نوع ما أشرت إليه، بمثل ما جعل النوم، دون أن يقصد طبعاً، يجافي عينيه!
وإذا كان هناك من بين السادة القراء، مَنْ سوف يظن أني أبالغ، فلن أطالبه بشيء إلا أن يراجع المادة المنشورة عن الرحلة، ما بين مقال في صفحة الرأي، وحوار مُطول مع مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان، وتقرير احتل ما يقرب من صفحة كاملة، في عدد الجريدة الصادر صباح الخميس الماضي، وإلى جانب المقال، والحوار، والتقرير، تناثرت أخبار بامتداد الأيام، تضع الصورة في الإقليم، وفي كركوك بصفة خاصة، أمام القارئ بشتى زواياها!
وهل يمكن للقارئ المهتم، أن يعرف طعماً لنوم، إذا أحس بأن العراق الذي عشنا نراه دولة واحدة قوية، ومتماسكة، ومتصلة الأركان، يمكن أن نستيقظ عليه في صباح السادس والعشرين من هذا الشهر، لنجده دولتين، لكل واحدة منهما عَلَم ونشيد؟!
هل يمكن لأي عربي يطالع مثل هذا المعنى مُكرراً بأكثر من صيغة، في مادة الرحلة، إلا أن يبيت ليلته وقد استبد به القلق والأرق؟!
لقد عشنا نقرأ أن مصر كانت دائماً تؤلف الكتب، وأن لبنان كان يطبع، وأن العراق كان يقرأ، فمَنْ سيقرأ بعد اليوم، إذا كان العراق يريد أن يكون عراقين؟!
لقد حدد بارزاني اليوم الخامس والعشرين من هذا الشهر، موعداً للاستفتاء على الاستقلال، وهو لا يريد أن يعيد النظر في الموعد الذي حدده، إلا بضمانات مكتوبة من بغداد ومن الولايات المتحدة، ومن الاتحاد الأوروبي، ومن أطراف أخرى، تحدد موعداً جديداً، وتقبل نتائج الاستفتاء عندما ينعقد في تاريخه الجديد!
أما حيدر العبادي، رئيس وزراء العراق، فلقد قال ولا يزال يقول، إن الذهاب إلى الاستفتاء، هو ذهاب إلى نفق مسدود، وإنه لن يؤدي إلى أي نتيجة للأكراد في كردستان، وإن على قيادات الإقليم أن تفكر طويلاً، قبل أن تقذف بأبنائه إلى المجهول!
إنني أقرأ هدا الكلام للعبادي، وأقرأ ذاك الكلام لبارزاني، وأسأل نفسي عن السبب الذي يمنع كلا الرجلين من أن يلتقيا عند نقطة ما، في منتصف الطريق. إن بارزاني يقف على شاطئ، والعبادي يقف على شاطئ آخر في المقابل، وليس مطلوباً من كليهما، في هذا الظرف الدقيق، إلا أن يقطع كل واحد منهما خطوة في اتجاه الآخر، ولو حدث هذا، ولا بديل عن حدوثه، فسوف يلتقيان عند نقطة في المنتصف، ولن يكون التقاؤهما إلا من أجل العراق، والعراق وحده، العراق الذي جئنا إلى الدنيا نراه عراقاً واحداً لا يقبل القسمة على اثنين! العراق الذي لا بد أن يأتي عليه يوم يعاود فيه القراءة، ويعاود فيه لبنان الطباعة، وتعاود فيه مصر، الكتابة والتأليف!
روى جلال طالباني، الرئيس العراقي السابق، أن طارق عزيز، وزير خارجية صدام حسين، خاطبه ذات يوم في جفاء وحزم، فقال: «ليس لكم في كركوك إلا البكاء عليها»!
وحين التقى صدام حسين، بارزاني، خاطبه فقال: «أنا لا أنكر أن كركوك كردية؛ لكننا لن نعطيكم إياها؛ لأنها قاعدة جاهزة لإعلان دولة»!
أتوقف أمام هذين الموقفين، وأنا لا أصدق أن عراقياً يمكن أن يخاطب عراقياً آخر، بصيغة لا يمكن أن تكون بين مواطنين اثنين ينتميان إلى البلد نفسه، وإلى الوطن ذاته. صحيح أن جلال طالباني في الموقف الأول، كان قيادة كردية كبيرة، وصحيح أن طارق عزيز كان وهو يخاطبه، وزير خارجية صدام، غير أن الأصح هو أن كليهما كان عراقياً في اللحظة ذاتها، وبالتالي فالمتصور أن يكون الكلام بينهما بلغة: «نحن»، لغة «نحن» التي تشير إلى انتمائهما لبلد واحد، لا لغة «أنا وأنت»، التي تقول إن هذا له انتماء في البلد، وأن ذاك له انتماء آخر!
وما يقال عن موقف طالباني مع عزيز، يقال عن موقف صدام مع بارزاني!
فالرئيس صدام لم يجد حرجاً في أن يقول: «أنا لا أنكر أن كركوك لكم»!! ولا بد أن القارئ سيقف أمام كلمة «لكم» غير مُصدّق؛ لأنها تكشف عن لغة لا يمكن تصورها في خطاب بين رئيس دولة، وبين مواطن من مواطني الدولة، ولأن كركوك مدينة عراقية قبل أن تكون كردية، وهي ليست للأكراد، بمثل ما إنها ليست للسلطة في بغداد. إنها عراقية أولاً، والمعنى أنها للعراقيين جميعاً، وأن في ثروتها نصيباً لكل عراقي، دون تمييز بينه وبين عراقي آخر!
وما ينطبق على كركوك هنا، بوصفها مدينة من مدن الشمال، ينطبق على البصرة، باعتبارها مدينة من مدن الجنوب، وإذا كانت هذه الروح قد غابت أيام صدام، وتوارت في حديثه مع بارزاني، وفي حديث عزيز مع طالباني، فذلك زمن نتخيله قد مضى بسقوط نظام صدام كله، في العام الثالث من هذه الألفية، ليأتي في مكانه زمن جديد، تعود فيه تلك الروح التي غابت لتسود!
إذا جاز في وقت صدام، أن يتكلم مع بارزاني على أساس أن بغداد كذا، وأن كركوك كيت، فهذا خطاب سياسي من زمن مضى، زمن سقط بسقوط نظامه السياسي الحاكم، زمن جاء في مكانه زمن آخر، تظل فيه بغداد، وكركوك، وغيرهما من مدن البلد، مُدناً عراقية في الأول وفي الآخر، تظل مدناً تتعامل مع كل مواطن على أساس أنه يحمل الجنسية العراقية، بصرف النظر تماماً عن كل ما عداها، الجنسية العراقية باعتبارها الهوية التي لا هوية تسبقها في ترتيب الهويات بامتداد الوطن!
ليت العبادي وبارزاني يثقان في أن العراق الموحد أقوى وأبقى، وأن التاريخ يرقب خطوات كل واحد منهما في هذه اللحظات، ليسجلها له، أو عليه!

التعليقات

عادل
14/09/2017 - 03:11

السبب في كل ما يجري هو فترة حكم نوري المالكي كرئيس للوزراء , ثمان سنين (2006-2014) لقد همش هذا الطائفي السنة و همش الاكراد, قال عن السنة كلهم عملاء للسعودية لقطر لتركيا و قال عن الاكراد كلهم يهربون النفط كلهم اصدقاء اسرائيل كلهم لا يدينون بالولاء للعراق و لهذا يريد الاكراد الانفصال و يريد السنة اقليما خاس بهم. المالكي و من طالب بالولاية الثالثة له كلهم بدون استثناء يكرهون المكون السني و يكرهون المكون الكردي .

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
14/09/2017 - 06:31

يتابع
2- للجامعة العربية ؟ يجب على الامة العربية والاسلامية ان تبادر فورا لمنع اجراء هذا الاستفتاء المزمع اجراؤه لتقسيم العرلق وان تحرصا على استمرار العراق دولة عربية واسلامية واحدة كما عرفناها على مر كل العصور والغاء فكرة التقسيم هذه نهائيا وان يسعى جميع العراقيين بكافة طوائفهم كوحدة واحدة من اجل النهوض بالعراق واعادة مجده القديم بين الدول ان فكرة التقسيم هذه ماهى الا اسفين من الدول المتربصة بالامة العربية والتى تسعى الى تفتيتها واضعافها فلا تنقادوا ايها العراقيون وراء هذه الافكار المسمومة وحافظوا على وحدة اراضيكم ووطنكم الاصيل العراق

عبدالله خلف
14/09/2017 - 21:27

كلامك سيدي غير واقعي الدولة الوطنية فشلت في العراق والمجتمع تماماً مفكك استمرار بلدي العراق على حدود سايكس بيكو يضمن عدم تفتيت المنطقة ولكن في ذات الوقت هلاك العراقيين لايدرك الطابع المجتمعي الحالي في العراق الا العراقيين الدولة منذ قرن في ازمة ليس اليوم ولا البارحة قتلت العائلة الملكية بسبب النظام الاقطاعي في الجنوب فقام نظام عبدالكريم قاسم الذي وطن اهل الجنوب في بغداد وجعل العراق دولة شيوعية جنوبية فقتل هو الاخر من قبل الضباط بسبب غبن المجتمع المناوئ لخطوات التوطين استلم عارف وبعض الضباط الحكم ولم يستقر العراق بسبب النزاعات الهوياتية توجه للجنوب للحد منها فقتل بالقرب من البصرة باسقاط طائرته استلم اخوه انقلب عليه البعثين انشئ حزب الدعوة اطلت ثورة الخميني اطاحة الدولة عام 2003 استلم الحكم الدعوة العراق مشكلته كبيرة والاماني لاتحل مشكلة

Sardar Gardi
البلد: 
نرویج
14/09/2017 - 07:55

اخی الکاتب سليمان جودة. انا ککوردی اقول بکل صراحە ان نحن کشعب فاقدین ثقة بعراق موحد، بالامة الاسلامیة، بمساندة عرب لنا. فقدان ثقتنا لە علاقة بحوادث تاریخیة اللی ملیان بظلم و استبداد من قبل دول اللی مقسمین کردستان معهم و معاملة باقی دول حولنا. نحن لدینا آلاف من الاسـئلة لهکذا دول: این کنتم لما تما ابادتنا خلال عملیة الانفال و ١٨٢ الف شخس بریئ تمە استشهادهم من قبل جیش صدام؟ فین کنتم لما قطعو ٥٠٠٠ مدنیون من حلبجە انفسهم و احرقوا بمواد کیمیاویة؟ فین کنتم لما نفس الشعب تمە ابادته من قبل انقرة من بعد حرب العالمیة الاولی و الی یومنا هاذا؟ و ایذا من قبل نظام طهران من زمن الشاه و الجمهوریة اللاسلامیة الایرانیة؟ ایران دولة، ترکیا دولة، عرب لدیهم فوق ٢٢ دول. اذآ لماذا حرام و ممنوع هاذا الحق للاکراد؟

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
14/09/2017 - 10:22

حول قول الكاتب: "هل يمكن لأي عربي يطالع مثل هذا المعنى مُكرراً بأكثر من صيغة، في مادة الرحلة، إلا أن يبيت ليلته وقد استبد به القلق والأرق؟!"

أتساءل، مع كل تقديري و مشاركتي لقلقه حول احتمال تقسيم العراق الحبيب، ما إذا كان "أي عربي" قد أضحت لديه "مناعة" تجاه قضايا السيادة و التقسيم و التجزئة في وطننا العربي بعد أن رأى بعينيه و سمع بأذنيه تفاصيل المأساة السورية، و ما حلّ بــ"قلب العروبة النابض"، و ما ينتظره من مستقبل حالك !

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
14/09/2017 - 11:16

استاذ سليمان جودة
لقد شعرت بمرارة وحزن شديدين حينما قرأت مقالك المحزن هذا والذى تضمن خبر اجراء استفتاء لتقسيم العرلق الشقيق الى دولتين حيث اننى لم اكن اتابع اخبار ما يحدث فى العراق وفى نفس الوقت لم اكن اتوقع ان يحدث هذا التقسيم للعرلق هذه الدولة العربية العريقة التى استمرت على مر كل العصور دولة عربية واحدة رغم تعدد ما تضمه من طوائف متعددة ولاشك ان محاولة تقسيم هذه الدولة هى خطة او مؤامرة الدول الكبرى التى تريد تفتيت الدول العربية لكى يسهل عليها وضعها تحت سيطرتها وحتى تقضى على الامة العربية والاسلامية معاندة امر الله سبحانه وتعالى للامة الاسلامية بان تعتصم بحبل الله جميعا ولا تتفرق اننى ادعو الشعب العرلقى بكافة طوائفه ان يتمسك بوحدة العراق كدولة عربية قوية ولا ينساق وراء الدعوة الى الاستفتاء فى محاولة لتقسيم العراق واننى اقول للامين العام

سعدي عبدالله
البلد: 
بريطانيا
14/09/2017 - 13:10

كاتب يتحدث عن العام الثالث من هذه الألفية، ليت في مكانه زمن جديد، تعود فيه تلك الروح التي غابت لتسود ولكن يبدو وكأنه تفكيره لا يزال في زمن عبد ناصر يتحدث عراق الموحد وينكر الحقيقة ان العراق لم يكن موحدا في يوم من ايام ابدا منذ تأسيسها من قبل مستعمر البريطاني كل وقت مكون سيطرت على السلطة وجعل الآخرين يعانون وكان هناك دائما ثورات والنضال ضد الظلم والاستبداد لماذا علينا أن نكون ملصقا آخرين ليقرروا مستقبلنا ومعاقبتنا عندما يحلو لهم على أساس مصالحهم في حين هذه الأرض هي أرضنا منذ قبل الإسلام من آلاف السنين لم ولن يكون الأرض العرب أبدا وإذا لم يكن بسبب الظلم في التاريخي لاتفاقية سايكس بيكو الآن كان لدينا دولتنا مثل الآخرين.

سالم علي
البلد: 
استراليا
14/09/2017 - 14:10

هناك حقيقة على الولايات المتحدة والجامعة العربية وكل الجهات التي تعارض الاستفتاء ان السياسة الطائفية في العراق هي سبب البلاء وخراب العراق . ان النظام الطائفي العراقي مستمر في سياسته الطائفية والخضوعالمطلق لايران . هذه السياسة الطائفية هي التي تدفع الاكراد وربما غيرهم عن الانفصال عن العراق الطائفي الذي لايعترف بالتعددية العراق المستمر في تهميش الاقليات خدمة للسياسة الايرانية .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر