إيران واستعصاء النجف

إيران واستعصاء النجف

الأربعاء - 22 ذو الحجة 1438 هـ - 13 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14169]
على أبواب النجف، استشعرت طهران الخطر، وأيقنت أن الطريق إلى قلب المدينة أصبح عسيراً، بعدما اتضح للزائر الإيراني أن غضب مراجعها الأربعة ليس عابراً، فاضطر مبعوث مرشد الجمهورية الإيرانية، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام آية الله محمود هاشمي الشهرودي إلى العودة من حيث أتى دون أن ينال بركاتهم، فقد أقفلوا أبوابهم بوجهه كما أقفلوها بوجه الكثير من المسؤولين الإيرانيين والعراقيين الذين حمّلوهم مسؤولية ما وصلت إليه أوضاع البلاد والعباد، فالنجف المستاءة أصلاً من تدخلات الشهرودي المستمرة منذ سنوات في تركيبتها الحوزوية، ومحاولاته فتح مكتب له لاستقطاب طلاب العلم، ومنافسة مراجعها والتأثير على مناهجها الفقهية التي ترفض بالمطلق ما جاء من أجله الشهرودي في الدعوة العلنية إلى أن تتبنى مدارس النجف الفقهية الدعوة إلى ولاية الفقيه؛ وذلك بهدف التمهيد لاستيلاء طهران على القرار السياسي للنجف وربطه بها، وترافق ذلك مع ترويج إيراني للشهرودي كوريث للمرجعية العظمى في النجف بعد رحيل الإمام السيستاني؛ الأمر الذي وُوجِه برفض كامل من قبل الحوزة التي حذرت طهران من تداعيات محاولاتها وضع اليد على النجف. وقد أثار الشهرودي غضب النجف بعد انتقاداته المسيئة لدورها وموقعها، وقوله إن: «الحوزة العلمية في النجف تمر بمرحلة صعبة، وبأنها قد ماتت»؛ الأمر الذي اعتبر تدخلاً غير مسموح في شؤونها ومحاولة إيرانية رسمية لإلحاقها بقُم التي تبقى بالنسبة للنجف فرعاً مهماً علا شأنها وكبر دورها، ولا يمكن للفرع أن يكون بديلاً عن الأصل، خصوصاً أن الأصل وعلى الرغم مما مرّ عليه من حصار واضطهاد في زمن البعث، ومن ثم تحمل للأعباء السياسية والاجتماعية جرّاء ضعف السلطة في بغداد في السنوات العشرة الأخيرة، فإنه نجح في التعافي والعودة للعب دوره التاريخي، وساعد بغداد على استعادة زمام المبادرة، فوجدت طهران نفسها أمام معادلة بغداد - النجف التي تشكل مدخلاً لاستقطاب عربي إسلامي شيعي عابر للحدود والجنسيات، والذي من الطبيعي أن ينافس مشروع طهران - قم السياسي العقائدي المرفوض خارجياً والمربك داخلياً.
طهران المصرّة على فرض إرادتها على العراقيين دفعت بالشهرودي إلى الواجهة من جديد، بعدما تصاعدت حدة السجال بينها وبين النجف حول صفقة نقل الدواعش من الحدود اللبنانية إلى الحدود العراقية، ورفض المرجعية قتال العراقيين في سوريا، واعتبار وجودهم هناك مخالفة للفتوى التي أصدرها الإمام السيستاني سنة 2014 في الدفاع عن العراق فقط، فباتت في حاجة إلى استعراض قوتها، وإظهار أنها لم تزل ممسكة وحدها بالورقة الشيعية العراقية، وتجلى ذلك من خلال إصرار الشهرودي على دعوة الأطراف السياسية العراقية الشيعية إلى دخول الانتخابات البرلمانية موحَدين ضمن قائمة التحالف الشيعي، وهو ما عجز عن تحقيقه بعد أن رفض السيد مقتدى الصدر لقاءه، وتمسك السيد عمار الحكيم بخياراته السياسة الجديدة، حيث لم تكن نتائج لقائه بالشهرودي بمستوى الطموحات، وعلى ما يبدو أن الأخير قد خاب ظنه أيضاً بالعبادي الذي أجّل الإجابة عن الكثير من مطالبها، لكنه كان واضحاً أن لا دور ولا مكان لنوري المالكي في التركيبة الجديدة. كما لم يستطع الشهرودي إخفاء امتعاضه من رعاية النجف للتقارب العراقي السعودي الذي بات يقلق طهران فعلياً.
في التوقيت المناسب اختار الإمام السيستاني رفع البطاقة الحمراء بوجه إيران، وإغلاق باب بيته بوجه موفدها، في أوضح تعبير عن عمق الخلاف معها نتيجة محاولتها فرض أجندتها الخاصة على العملية السياسية؛ فقد تمكنت المرجعية هذه المرة من وضع حدّ لشهرودي وتدخلاته، وأكدت على استقلاليتها، وبأنها جاهزة لمواجهة أي محاولة لاختراقها، داخلية كانت أم خارجية، وكما أنها أنهت آماله في الإقامة في النجف، وأجبرت الإيرانيين على الحذر في التعامل معها. ومن الطبيعي أن تتأثر بغداد بموقف النجف الصلب التي عاد منها الشهرودي بخُفي حُنين، حيث لم يجد غير نوري المالكي وبعض قادة ميليشيات الحشد الشعبي يقفون في صفه، فحمل معه إلى طهران خيبة أمل كبيرة، وعجزاً واضحاً لن تتقبله طهران بسهولة، وهي تملك الكثير من أوراق القوة التي ستمكنها من الدفاع عن مصالحها، حتى لو أدى ذلك إلى صراع علني بينها وبين ثنائية النجف - بغداد، أو أدى إلى صراع شيعي - شيعي، نتيجة قلقها الجيوسياسي من موقع العراق الجغرافي، الذي شكل لها تاريخياً عقدة عثمانية عربية أعطتها في الاجتماع وأخذت منها في السياسة... حيث للحديث صلة في آخر تتمة.

التعليقات

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
12/09/2017 - 23:00

الحقيقة إن الطائفية لم تعد مقبولة لدى الجماهير الغفيرة بل لم يعد لها مروجوها في العراق الا المتشددين من المليشيات المسلحة الذين يقتاتون عليها . بل إن الاحزاب الدينية باتت تحاول تغيير خطابها الطائفي الى خطاب وطني للدخول للانتخابات بثوب جديد. وحتى ان الجماهير باتت ترفض كل دور ايراني في العراق لما كان لهذا الدور اشد الاثر في تدمير العراق ونهب ثرواته وتخريب كل ما هو صالح و بات غير قادر أن يقف كدولة ليبني مستقبل اجياله فضلا عن حاضره. هذا التحول الشعبي استشعرته تلك الاحزاب. كما استشعرته المرجيعيات الدينية. لكن للاسف لم يكن من موقف حازم لبعض تلك المرجعيات خلال الفترة السابقة. ان عدم استقبال الشهرودي في زيارته الاخيرة هو تحول جيد لكنه غير كاف. والحقيقة المرة ان المرجعيات تأخرت عن الجماهير بمسافة من الزمن. "هناك تكملة"

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
12/09/2017 - 23:07

المفكرون والعلماء والمثقفون يفترض ان يكونوا هم من يستشرفون المستقبل ليقودوا الجماهير لا أن يتأخروا عنها فما ميزاتهم أذ ذاك؟. لم يكن رفع البطاقة الحمراء بوجه ايران هو توقيتا مناسبا بل جاء متأخرا لعقد ونصف من الزمن وكان قد حل الخراب في البلد.
لقد ذكرالكاتب في مقاله :"معادلة النجف - بغداد التي تشكل مدخلاً لاستقطاب عربي إسلامي شيعي عابر للحدود والجنسيات، والذي من الطبيعي أن ينافس مشروع طهران - قم السياسي العقائدي المرفوض خارجياً والمربك داخلياً." والعراقيون اليوم هم ابعد ما يكونوا محتاجين الى استقطاب طائفي ولا استنساخ ولاية الفقيه بنكهة عربية ولا ان تكون الولاءات الا للبلدان . وإن الدعوة لعبور الحدود والجنسيات هي دعوى للفوضى على غرار داعش وحزب الله وولاية الفقية التي استحدثها الخميني والتي لم تكن موجودة في ادبيات " هناك تكملة "

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
12/09/2017 - 23:09

الفكر الشيعي المعتدل والتي لليوم يرفضها كثير من الشيعة العرب .

لقد خطت الجماهير في العراق خطوات كبيرة في المطالبة والرغبة نحو الدولة المدنية وفي رايي الترويج لفكرة بغداد-النجف أوإعادت اقحام المرجيعيات في مستقبل البلد وخيارات شعبه هي عودة الى المربع الاول وهو لايخدم العراق ولا أهله.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر