دور الهزيمة للجيش اللبناني

دور الهزيمة للجيش اللبناني

الثلاثاء - 7 ذو الحجة 1438 هـ - 29 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14154]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة العربيّة
هل يمكن أن نفهم لماذا سمح الجيش اللبناني، ومن خلفه حزب الله وقوات النظام السوري، لمائتين وخمسين مقاتلاً إرهابياً من تنظيم داعش محاصرين في منطقة الجرود اللبنانية السورية بأن يخرجوا بسلام إلى دير الزور السورية؟ أي من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، وهي على الخريطة أكثر من أربعمائة كيلومتر داخل سوريا الممزقة!
ثم إن الصفقة تبدو مريبة، فهي تقوم على وقف إطلاق النار بين الجيش اللبناني من جهة، مع أنه لم يكن يقاتل خلال السنوات الأربع الماضية هناك، وداعش من الجهة الأخرى. ففي الاتفاق يبدو الجيش اللبناني هو من يفك الحصار عن القتلة مقابل أن يسلموا جثث قتلى حزب الله، ويدل الجيش على مدافن قتلاه، نحو تسعة عسكريين تم العثور على ستة منهم.
لماذا لم يترك دور البطولة هذه المرة لحزب الله كالعادة؟
السبب، كما يبدو، لأن الاتفاق هزيمة وفضيحة، والعذر أن الجيش هو القوة الشرعية. ولا يبدو منطقياً، أو على الأقل مفهوماً، السماح بخروج هذا العدد الكبير من مقاتلي التنظيم أحياء لقاء رفات أموات، طالما أن حزب الله يدعي أنه سيطر على تلك المناطق الجبلية.
لهذا اعتبر أهالي القتلى اللبنانيين الاتفاق خيانة في حق أبنائهم، معتمدين على أقوال الجيش بأنهم سيطروا على القلمون، وبقي عشرون كيلومترا من دائرة مساحتها مائة كلم.
الحقيقة واضحة، حزب الله لم يكن قادراً على السيطرة على تلك المنطقة، ويبرر الاتفاق بقوله: إنها ليست استراتيجية، وهذا ليس صحيحاً، فهي ملاذ آمن لداعش يستطيع منه أن يهدد كل شمال شرقي لبنان بعملياته الإرهابية، ولا يبعد سوى بضعة كيلومترات من حدود سوريا، إن أراد الانتقال بعملياته إلى هناك.
ويقول حزب الله إن الصفقة مع داعش لتنظيفها منه والسيطرة على كامل المنطقة، من أجل أن يتفرغ لمقاتلة الأميركيين في البادية السورية! طبعاً لا يوجد هناك من يصدق هذا الادعاء.
أما الجزء الغامض الآخر، فهو كيفية انتقال مقاتلي داعش إلى دير الزور، مسافة طويلة تستغرق في وقت السلم خمس ساعات، والآن ربما يوماً كاملاً أو أكثر.
ما الذي يهمنا في هذه المعركة الصغيرة في إطار حرب سوريا الكبيرة؟ نحاول أن نفهم من تفاصيلها تشكيلة القوى على الأرض. فإن استطاع تنظيم داعش أن ينقذ مقاتليه المحاصرين في الجرود والقلمون اللبناني، ثم يُؤمِّن انتقالهم إلى دير الزور البعيدة، فإن هذا يدل على أنه لا يزال قوياً بخلاف ما نسمع عنه. وهذا يعني أن أي اتفاق يفرضه الروس والإيرانيون على القوى السورية المقاتلة الأخرى لاحقاً، سيكون مجرد وهم سلام.
وهذا لا ينفي انهيارات التنظيمات الإرهابية، في مناطقها داخل سوريا، بل حقيقية، ومعظمها نتيجة ضربات التحالف الغربي، على اعتبار أن تحالف إيران وروسيا يركز في قتاله على التنظيمات السورية التي تنازع نظام الأسد شرعيته وإجبارها على القبول بمشروعه السياسي. إنما الفارق بين هزيمة تنظيم سوري مسلح، وآخر إرهابي مثل داعش وجبهة النصرة، أن القوى الإرهابية قادرة على البقاء بعد الهزيمة لتعمل تحت الأرض، لأنها مؤدلجة وتعيش في بيئة سرية التنظيم.
حزب الله كان يريد أن يضع اسمه فقط على الانتصارات لأنه يعيش شعبياً عليها، لهذا ترك للجيش اللبناني توقيع اتفاق القلمون ليكون محل غضب الناس واستنكارهم. فصار الجيش هو من وافق على صفقة تبادل الجثامين مقابل إخلاء قتلة داعش، فيما يبدو للجميع أنها صفقة خاسرة، وهزيمة محرجة. حزب الله اختار وتنازل، هذه المرة، عن دور «البطولة» للجيش اللبناني الذي لا يزال مغلوباً على أمره.


[email protected]

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
28/08/2017 - 23:25

داعش يواجه حرباً ضروساً في العراق وأخرى لا تقل ضراوة في الرقة وحاجته ماسة إلى كل عنصر من عناصره فمن ذا الذي تبرع مشكوراً "طبعاً من داعش" بنقل مقاتليه بأمن وأمان إلى دير الزور؟؟، جبران باسيل يجزم بالفم المليان أن 90% من أعضاء الحكومة اللبنانية لا يعرفون ما يجري ولا حقيقة ما يدور، لا أعتقد بأنه لا يزال هناك ثمة أغبياء إلى هذه الدرجة ليصدقوا روايات وقصص نصر الله، ولا أعتقد بأنه بات خافياً حتى على الأكمه أن حزب الله ومن وراءه إيران ومعهم النظام السوري وبرضى ومباركة دولية يتعاونون مع داعش ويقدمون له الدعم اللازم، أما آن لهذه اللعبة المثيرة للغثيان أن تنتهي، لقد دفع الشعب السوري أثماناً باهضة لم يسجل التاريخ أن شعباً آخر دفعها، أما آن لهذا الشعب وبقية شعوب المنطقة أن تعيش مثل بقية شعوب الأرض؟

أنين "بردى"
29/08/2017 - 17:18

لا، لم يعد هناك "ثمة أغبياء إلى هذه الدرجة ليصدقوا روايات و قصص نصر الله". فالكل يدرك أن لبنان بجيشه و شعبه أضحى أسيراً لما يُدعى "مقاومته" التي باتت تسيّره وفقاً للمصالح الإيرانية و وفقاً لقول نصر الله الشهير "شاء من شاء و أبى من أبى". و هو في قوله هذا صَدَق .

قرأت أن جنرالاً إيرانياً أسرته داعش في البادية السورية. ألا يكفي ذلك ليتبرع "أسد" البادية بنقل أولئك الدواعش بأمن و أمان من لبنان إلى دير الزور؟!

سامي بن محمد
البلد: 
فرنسا
29/08/2017 - 00:51

تساؤلات في محلها جدلا إن سلمنا بمعطيات الامر كما تشير اليه التقارير، وليست المرة الأولى التي تفتح الطرق لداعش بل لنقل ان الطرق لم تغلق امامه ولو لمرة واحدة وهو يصول ويجول في الأرض السورية على هوى نظام مجرم دمشق ومن ورائه طهران وقائدهما موسكو، امام فتات حزب ايران في لبنان فهو حالش الاخر وكما تفضل الكاتب الأستاذ ان المسافة تزيد في الظروف العادية عن العشر ساعات فإما الذهاب عبر النبك وحمص وحماه وحلب فالرقة الى دير الزور وعالمكشوف، واما عبر تدمر والسخنة والصحراء السورية الى دير الزور وهذا ليس فقط عالمكشوف بل على عينك ياتاجر. أعتقد كل ما هنالك هو استقدام مجرمي هذا التنظيم الى هذه المنطقة بالذات لخلق البلبلة خلف ظهرالاكراد والتخفيف عن تركيا بل والتضييق على التحالف في الوقت الذي وصلت فيه الصيحات الغربية في العلن امام اردوغان المترجل ببوتين روسيا..

رشدي رشيد
29/08/2017 - 05:55

لقد أكّدنا في تعليقاتنا السابقة حول دور وصلاحية الجيش اللبناني وكونها اداة بيد حزب الشيطان وأن ملالي المكر والحقد في قم هُم مَن يضعون الخطط ويوزعون الأدوار في لبنان، ومن ثم مَن يقول بأنه هناك أصلا عداء بين حزب نصرالله وداعش؟؟ الممول للميليشيات الطائفية هي ايران والممول لداعش والقاعدة هي قطر والاثنان أي قطر وإيران حبايب وحلفاء، فإذاً كل ما يحصل في سوريا من مجازر وقتل وترهيب يتم فيها تبادل الأدوار بين حزب الشيطان وميليشيات القتل الطائفي وبين داعش.

احمد العيثاوي
البلد: 
العراق
29/08/2017 - 07:52

رؤية عميقة ومدروسة... كالعادة استاذ عبد الرحمن تبهرنا بتحليلاتك المميزة

احمد العيثاوي
البلد: 
العراق
29/08/2017 - 07:53

تحليل عميق ودقيق... شكرا استاذ عبد الرحمن

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
29/08/2017 - 09:22

إقرارا للحق فإن تحليل الكاتب قد لامس كبد الحقيقة بكل مهنية وحيادية ، فلماذا هذا السلوك الغريب من حزب الله الذي يريد أن يغطي به حزب الله جريمة ما زالت أطرافها متداخلة ، فيعمل على نقل عناصر داعش إلى مدينة دير الزور، ليكون وجودهم فيها امانا لهم ، وللدولة السورية ، ثمّ هل ستكفّ داعش بعضا من أذاها عن أبرياء الشعب السوري الذي عانى أقسى انواع الظلم والقتل والتهجير ، وهل من ضمانة بأن هذه الثلة المجرمة ستعود إلى صفوف التائبين النادمين ، وأخيرا لا بد من التعجب والتأمل طويلا أمام تصرف هذا الحزب الذي يوحي بانه يعمل لمصلحة الشعبين اللبناني والسوري، وإذا به يقذف بالكرة في ملعب الجيش اللبناني، فهل هذا التصرف المستهجن ينطلي على كل حرّ لبناني، وسوري وعربي، ومسلم بل إنّ البسطاء سيصرخون حزنا بعد ان ضاع الأمل، وأسدل الستار ،ولكن لا بد من جولة قادمة

وليد فرحان
البلد: 
العراق
29/08/2017 - 10:47

اتفق معك بما قلته عن حزب الله لكن لماذا قبل داعش التفاوض اذا كان موقفه أقوى، الا يتعارض هذا مع قناعات داعش القتالية، ولا اعتقد أن أسرى داعش محرك مهم لقبول التفاوض لسببين: الاول، داعش لا يؤمن بحوار مع أطراف شيعية والآخر، أنه لا يقيم وزنا كبيرا لمقاتليه فهم جاهزون للـ"استشهاد" وباحثون عنه في كل لحظة..

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة