كله من أبو ناجي!

كله من أبو ناجي!

الثلاثاء - 7 ذو الحجة 1438 هـ - 29 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14154]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
«أبو ناجي» هو اللقب الذي يطلقه العراقيون على إنجلترا والإنجليز. كل ما يجري على الأرض ينسبونه لأبو ناجي. ومن ذلك أن أبو ناجي مسؤول عن مقتل الملك غازي. يقولون كيف يموت وهو ملك، بانقلاب سيارته؟ كلا إنهم الإنجليز دبروا انقلاب السيارة. أصبح ذلك من المعتقدات التي أودت بكثير من الناس إلى السجن.
بعد سنوات قليلة ابتليت أرملته الملكة عالية بالسرطان. وبعد العمليات الجراحية التي أجريت لها في لندن أعيدت إلى بغداد برعاية الطبيب الإنجليزي دكسن فرث. ولكن صحتها ظلت تتدهور، واتضح أنها كانت في طريقها للقاء ربها.
بادرت السفارة البريطانية فأشارت على الدكتور فرث أن يترك العراق فوراً ويعود من حيث أتى، قبل أن يحمّله العراقيون مسؤولية مرضها وموتها. كان الإنجليز على علم باعتقاد العراقيين أن الطبيب الإنجليزي الذي عالج ضاري، بطل الثورة العراقية لإصابته بالمرض نفسه، قد ضربه بإبرة قتلته. وإلا كيف يموت بطل الثورة من دون تدخل أبو ناجي؟
رحل الدكتور فرث في ليلة سوداء إلى لندن، وترك الملكة عالية برعاية الدكتور كمال السامرائي. وقد روى الدكتور السامرائي شيئاً من ذكرياته عن تلك المهمة في مجلة «آفاق عربية».
كأي مريض لا يرجى شفاؤه، تشبثت الملكة عالية تشبث الغريق بالقش، بأي شيء يمكن أن ينجيها من المصير المؤلم، فعمدت هي وأسرتها الملكية إلى تجربة أي شيء سمعوا به من باب المعجزات. ويظهر أن عدداً من نصارى بغداد ذكروا لها ماء لوردز. وهو عين معدنية في جنوب فرنسا، يعتقد أبناء المذهب الكاثوليكي بالقدرة الخارقة لمياهها في إشفاء المرضى الميؤوس منهم. ويرون في هذا الصدد كثيراً من المعجزات والحكايات القدسية في شأنه. ويزور ألوف منهم سنوياً هذه العين للتبرك والشفاء منها.
بادرت حاشية الملكة إلى تكليف الدكتور الباججي، وكان وزيراً للصحة كما أتذكر، بالسفر إلى فرنسا وجلب كمية من ماء هذه العين. عاد الدكتور بعد بضعة أيام بنزف من ماء لوردز، ونقله فوراً من المطار إلى قصر الزهور الملكي، وأسرع به إلى غرفة الملكة المريضة. وهمّ بفتح الزق ليعطيها قدحاً من مائه. ولكن لسوء حظه، أو حظ الملكة كان في الغرفة بين جمهور عوادها نوري السعيد، ثعلب السياسة العراقية والرئيس المزمن لحكومتها. مسكه من يده وأوقفه وسأله ما هذا؟ فأجابه الدكتور الباججي إنه ماء لوردز وشرح له الحكاية.
قال له الثعلب العجوز لا تعطها قطرة واحدة منه قبل أن نحيله إلى المستشفى الملكي، ليجروا عليه فحصا دقيقا ويتأكدوا من سلامته. ثم أضاف قائلاً من باب التفسير: ما أعطينا زوجها الملك غازي أي شيء، ويتهموننا بقتله. تريد الآن أن تسقي الملكة ماء لوردز وتموت ويسمع الناس أننا أعطيناها هذا الماء! ما راح نخلص من كلامهم ليوم القيامة!
وهكذا منع نوري السعيد الملكة عالية من شرب ماء لوردز. والغريب أنني لم أسمع بعد عن عراقي يتهم الحكومة والإنجليز بأنهم قتلوا ملكتهم، بمنعها من شرب هذا الدواء الفرنساوي.

التعليقات

محمد الشمري
البلد: 
بغداد
29/08/2017 - 03:49

الاستاذ خالد القشطيني المحترم أطال الله في عمرك . انا ولدت بعد ثورة عبد الكريم قاسم بعام واحد وعندما اصبحت يافعاً اسمع بين الحين والاخر ان الشيخ الفلاني او التاجر الفلاني ذهب الى لنده (لندن) لغرض العلاج لادراكه بان الاطباء الانجليز على مستوى عالي من الكفاءة لشفائه بعد الله تعالى من المرض الذي يعاني منه . ولكن اسمع ايضاً إذا تعاركت (تخاصمت) سكمتين في نهر دجلة يذبون الصوج (ينسبون السبب) على ابو ناجي المسكين,, من باب يروحون للعلاج ومن باب آخر يسلقونه بالسنتهم . بصراحة مقالك رائع شكرا لك ذكرتنا بالايام الخوالي .

وليد عبد الغفور
البلد: 
العراق
29/08/2017 - 06:24

السلام عليكم ... لماذا سمي الانكليز ب ( ابو ناجي ) ؟؟؟ وماصحة الرواية التي تقول بان نوري السعيد قال بعد اقلاب 1958 (هاي محد سواها غير ابو ناجي) ؟؟؟ وشكرا .

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
29/08/2017 - 06:45

جميل ورائع ولطيف مقالكم . شكرا للاستاذ خالد القشطيني

جنى الملة
البلد: 
العراق / بغداد
29/08/2017 - 15:10

بغداد مبنية بتمر
فَلِّش وأُكل خِستاوي
فَلِّش وأُكل مَرگة هوه
ومن التمر سهمي النوه
جلدي على عظمي إلتوه
مِنْ طَب ( أبو نجّاوي )

الملا عبود الكرخي

في السابق كان يقال" إذا تعاركت سمكتين بالشط وراهم ( ابو ناجي ) "
وحاليا يقال " كله من أبو سامي " اي ( العم سام ) لكن جيراننا بيت أبو فارس مو بالطاري !
وتستمر نظرية المؤامرة .

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
29/08/2017 - 16:28

و لولا "أبو ناجي" لمَا افترق العشّاق، فبعُد الفرات عن الدجلة و بعُدت الدجلة عن الفرات !
(يبدو أنّ زواجهما في البصرة جرى في غفلة من أبو ناجي!)

وداد العزاوي
البلد: 
Qatar
30/08/2017 - 06:06

الأخ الكريم الأسستاذ خالد القشطيني ..
موضوعك في صميم حال العراقيين وموقفهم من أبو ناجي .. حيث الدس والفرقة دخلت في صفوف العراقيين .. تأهيلا إلى هذا اليوم .. للأسف كنا في وقت أبو ناجي في خير ونعمة ونظام .. ودولة لها احترامها .. واقتصاد وبناء..
وكان الباشا الشهيد تاج الخير والسياسة الرفيعة للعراق مع رجالاته الميامين..
أما وفاة الملكة عالية رحمها الله.. لم يحركوا اتهامات على ألانكليز .. لم تكن هي في مكان سياسي أو صوت شعبي.. ليثيروا الشعب باللغط .. بينما الملك غازي رحمه الله ..كان رأس سياسة ضد الإنكليز ومع الألمان النازي.. وله إذاعته من قصر الزهور .. فاتهام نوري السعيد والإنكليز ويحرك المشاعر ويثير الفتنة ..
.رائع ما تكتب أيها الأخ الكريم .. أدام قلمك يحيي ذكريات العراق الذي سحقوا أجمل آثاره وبنآءاته وعقول أهله فتنة وتخريبا .. أدام قلمك

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة