قطر وتغذية «الحرافيش»

قطر وتغذية «الحرافيش»

الثلاثاء - 7 ذو الحجة 1438 هـ - 29 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14154]
هالني حجم الإنفاق الذي تبذله قطر في الخارج. أرقام لا يمكن تصورها؛ مليارات الدولارات تخرج من خزينة الدوحة لأنشطتها الخارجية. لم يذهب معظمها لإعانة البلاد المنكوبة بالمجاعات أو الكوارث البيئية، ولا لدعم أعمال المؤسسات الدولية الأممية، ولا طبعاً إلى دفع مرتبات موظفي السلطة الفلسطينية، ولا حتى للاستثمار في أوروبا كما دأبت الحكومة القطرية وبعض أفرادها خلال السنوات الماضية.
الأموال الطائلة بدأ صرفها منذ التسعينات، بتأسيس أبواق إعلامية مسيّسة بميزانية مفتوحة. دفعت لموظفي هذه الأبواق، خصوصاً مذيعيها ومديري البرامج فيها، مرتبات شهرية فلكية، لم تكن مقابل قراءة نشرة إخبارية؛ بل بغرض شراء موقف سياسي، حتى بات الإعلامي العربي يعمل من خلال هذه الأبواق، وبشكل مفاجئ، ضد حكومة بلاده وضد الحكومات التي تحددها سياسة هذه المنصة. ثم نعلم لاحقاً أن الموظف الذي جاء من بلده ليكسب رزقه، أو المسرّح من «بي بي سي» البريطانية، أصبح ميسوراً حدّ الثراء، يمتلك منزلاً فخماً وسيارات فارهة وعقارات، وأرصدة مكدسة في مصارف محلية وأجنبية.
زادت وتسارعت وتيرة هذا الإنفاق بعد الثورات والحروب الأهلية التي أصابت بعض الدول العربية بويلاتها في 2011. وتوسع هذا الإنفاق متجاوزاً الآلة الإعلامية إلى الدعم المالي المباشر أو اللوجيستي لجهات مختلفة يمكن تسميتها «الحرافيش»؛ منها «جبهة النصرة» و«أحرار الشام» وغيرها من المنظمات التي تنتمي لتنظيم القاعدة الدولي، وعملاء إيران في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، وجماعة الإخوان المسلمين في اليمن وتونس ومصر والكويت وليبيا وموريتانيا والمغرب.
هذه الاتهامات نظرياً لا يقبلها عقل، فكيف لدولة صغيرة تنتمي لمنظومة مجلس التعاون الخليجي الذي دائماً ما كان حمامة سلام لحل الخلافات، ويداً ندية لدعم العمل الخيري الدولي، أن ترتكب باختيارها كل هذه الأفعال الشريرة؟ لكن بكل أسف إن هذه الاتهامات في الواقع صحيحة، بل ويتكشف المزيد منها مع مرور الوقت ورفع الدول المتضررة صوتها بالشكوى بعد طول صبر. لذلك، فإن المفاجَئين من طرد دولة تشاد السفير القطري وغلقها السفارة، سيتفهمون موقف تشاد الغاضب، بعد ما قدمته من أدلة تدين ما تقوم به قطر من أعمال ضد استقرار دولة للتو بدأت تلملم نفسها، وتحل صراعاتها وتلتفت لتنميتها. ما الذي تريده الدوحة من تشاد لتدعو معارضي الحكومة للإقامة في فنادقها، وتقدم أموالاً وسلاحاً للمعارضين المتمردين، ثم ترشوهم للذهاب والقتال في صفوف الجماعات المسلحة الليبية المنضوية تحت جماعة الإخوان المسلمين و«داعش» في ليبيا؟
حتى نفهم الموقف التشادي، علينا أن نعرف أولاً بداية الرغبة القطرية للدخول في تشاد.
قطر استطاعت سرقة الثورة المصرية من خلال الإخوان المسلمين، وسرقت الثورة التونسية من خلال حزب النهضة الإخواني، ولا تزال تعمل على ذلك في ليبيا، وأرادت الشيء نفسه في المغرب بدعم حزب العدالة والتنمية الذي فاز بالانتخابات في 2011، لكن استطاعت الأجهزة الأمنية المغربية تحجيم ذلك. والجزائر كانت مستعصية أيضاً بحكم قوة الحكومة والجيش الذي فهم الدرس منذ عام 1991، ولا طريق لزعزعة أمن الجزائر إلا من خلال الجنوب؛ مالي وموريتانيا تحديداً.
أرادت قطر إحكام سيطرتها على الساحل الأفريقي، ليس طمعاً في ثرواته، وإنما لتعزيز حضورها السياسي الدولي من خلال مشروع الإخوان المسلمين، خصوصاً أنها خطوات باركها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ودعمتها تركيا. لذلك ليس صحيحاً ما صرحت به وزارة الخارجية القطرية بأن تشاد تبتزها سياسياً أسوة بدول المقاطعة؛ السعودية ومصر والإمارات والبحرين، في إشارة إلى أن هذه الدول حرضت تشاد على طرد السفير القطري.
تشاد إحدى ضحايا النظام القطري الحاكم، ولديها، كغيرها من المتضررين، قصة تروى حول ممارسات حكومة قطر ضد استقرارها وأمنها؛ من ترحيل لمواطنين تشاديين بصفتهم مرتزقة للقتال بجانب الجماعات الإرهابية في ليبيا، ودعم قيادات التمرد في تشاد بالمال والسلاح لشغل الحكومة.
كل هذه الأنشطة خارج حدود قطر تم رصدها. في سوريا التي تعد المنطقة الأسوأ في الوضع الإنساني وشراسة المعارك، كانت قطر هي من شرذمت المعارضة منذ انطلاقها، من خلال أسلمتها، وصبغها بالصبغة الدينية، وتقديم ملايين الدولارات للفصيل الذي يتأسلم. امتحنتهم بالإغواء بالمال ووعود النصر والمناصب السياسية، حتى اختلفوا فيما بينهم، وتباينت مصالحهم وتشتت أمرهم، والنتيجة كما نراها اليوم. ولن تكون مفاجأة إن سمعنا في الغد أن هذه الفصائل بدلت مواقفها السياسية أو على الأرض، لأن التحالف القطري - الإيراني الذي حصل مؤخراً ستكون له انعكاسات في سوريا. ونلحظ مؤخراً أن الإعلام القطري بدأ في الترويج لفكرة أن إيران قوة لا يمكن للعرب هزيمتها، وأن الأجدى هو التصالح معها. وهذا ما لمح له حسن نصر الله، أمين عام «حزب الله» في تصريح أخير بأن المعارضة في سوريا أصبحت أكثر وهناً بسبب الأزمة الخليجية.
لنا أن نتخيل كم من عوائد قطر أنفقت لإشعال الفتن والاحتراب في العالم، وكيف يمكنها محو كل هذه الجرائم من صفحة التاريخ، ونتخيل ماذا لو احتفظت بأموالها لنفسها! لربما أصبحت قطر الأعجوبة الثامنة في النماء، ومنارة للمعارف.


[email protected]

التعليقات

محمد سليمان
البلد: 
السعودية
28/08/2017 - 23:26

طاب يومك أ. امل وشكرا لتحليل قائمة الانفاق القطري الرهيب على زعزعة امن الدول سوآءا من الجوار القريب او عبر الأفاق البعيدة
الحقيقة هناك نقطة مهمة لم يفطن للأسف لها الشارع الإعلامي فضلا عن المواطن القطري .. وهي من اين أتت كل تلك الأموال الفائضة عن الانفاق المحلي ؟ المشهور وهو مقارب للحقيقة ان الدخل الوطني القطري مقسوما على العدد الكلي للمتواجدين على ارض قطر يساوي 100 الف دولار للشخص الواحد سنويا ..
لكن الحقيقة غير ذلك .. فالمواطن القطري ( 250 الف انسان ) نعم دخلهم مع الخدمات المقدمة وطنيا يقارب 100 الف دولار
اما الأجانب 1.750.000 فأعلى دخل للفرد 25 الف دولار مع الخدمات وبعضهم دون ذلك بكثير
اذن الفرق بين دخل الأجنبي والقطري هو الفائض المحتسب منفقا شكليا وهو ما يصرف لنشر الإرهاب وتغيير الاهاب وشراء الخلايا النائمة .
شكرا لطرحك المميز.

وائل صالح
البلد: 
United States
29/08/2017 - 06:53

كل الإدعاءات الوارده في المقال ضد قطر ثابته بما لا يدع مجالا للشك في تورط قطر بدعم الإرهاب في العالم عن طريق المال السائب الذي يوزع يمنه ويسره من غير ضابط الشئ الذي يدخلهم في دائرة السفه بتبزير المال في ما لا فائده فيه ولقد خاب ظنكم أن كنتم تعتقدون بإن المال وحده يستطيع ان يكمل مشروعكم المزعوم في المنطقه فهو مشروع ناقص ليس له مرتكزات يقف عليها غير المال الذي تراهنون عليه لذلك سوف يكون مصيركم الفشل ﻷن من يبيع نفسه وضميره مقابل المال ليس اهلا أن يتسيد مصيير هذه الأمه .

المستشار علي الدهنيم
البلد: 
بريطانيا
29/08/2017 - 12:23

أختي أمل قطر صرفت في حدود 300 مليارفي خلال عشرين سنه منها على الارهاب والباقي على الرياضة من غير اي نتيجة وعلى الرشاوي وعلى السلاح وعلى فساد الشعب القطري وعلي تغيير انظمت الخليج ب القوه كل هذا في سبيل من ولحساب من مشاريع قطر ذهبت في مهب الريح مع أزمة المقاطعه الخليجية المصرية .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة