استثمار المناسبات الدينية

استثمار المناسبات الدينية

الأحد - 5 ذو الحجة 1438 هـ - 27 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14152]
د. آمال موسى
كاتبة وشاعرة تونسية
ليس جلداً للذات أو هجاءً لها إذا قلنا إن المجتمعات العربية الإسلامية تشكو من عطب في التركيب الهوياتي، وبخاصة بالنسبة إلى فئة الشباب التي تعتبر نبض المجتمع وطاقته وثروته.
وهو عطب تتمظهر علاماته في ظواهر اجتماعية عدة، وينحو أحياناً منحى الاغتراب في الدين، وأحياناً الاغتراب عن الدين.
والإنسان كما نعلم كائن ثقافي يخضع منذ الولادة إلى الرحيل إلى عملية مستمرة تفاعلية تسمى التنشئة الثقافية، ومنها يستمد الفرد عناصر يبني بها رمزياً هويته، التي تقوم على عناصر أساسية هي الدين واللغة والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك.
وهكذا، نفهم لماذا يمثّل الدين محدداً مهماً من محددات الهوية الفردية والمجتمعية، وذلك من منطلق كونه مورداً من موارد القوة والطاقة الإيجابية، يُمكّن – أي الدين - المجتمع من تعديل نفسه ومعالجة الظواهر المقلقة، والحدّ من الاغتراب، ورفع منسوب الاندماج أكثر ما يمكن.
ونحن تفصلنا عن عيد الأضحى أيام قليلة، وفي هذا السياق المُدافع عن الجدوى الاجتماعية للدين، يبدو لنا أن الذكاء يفرض على المؤسسات الاجتماعية المضطلعة بوظيفة التنشئة الاجتماعية، سواء الأسرة أو وسائل الإعلام والاتصال، أو دور العبادة، وغير ذلك من الأطر الاجتماعية أن تستثمر المناسبات الدينية في شحذ الهوية الدينية الثقافية للأطفال والشباب وتشكيلها على نحو صحيح، وذلك عن طريق التركيز على القيم الإيجابية للدين الإسلامي مع التشديد بشكل أساسي وموجه قصدياً على القيم ذات الصلة بالتسامح والرحمة والتعاون والمحبة، واحترام الغير وتقدير الذات الإنسانية، والاعتراف بالآخر بلفت النظر عن الاختلافات العرقية والدينية والطائفية.
فالمناسبات الدينية مثل شهر رمضان المعظّم، أو عيد الفطر وعيد الأضحى، وغيرها، تعد في بُعد من أبعادها تعبيراً عن المجتمع ذاته، وفرصة لمؤسسة الأسرة كي تؤدي إحدى أهم وظائفها، المتمثلة في نقل خبرتها في مجال كيفية التعاطي مع المناسبات الدينية دينياً وثقافياً. ذلك أن المناسبات الدينية تقوم على ممارسات وأنماط سلوك محددة دينياً، كما تخضع إلى طقوس مشتركة تُحفّز التبادلية والمشاركة خلافاً لطقوس دينية أخرى فردية بالأساس. وبقدر ما تكون عملية نقل الخبرة تفاعلية بقدر ما تسهم الأسرة في تلبية الحاجة الرمزية للشباب، وأيضاً التدخل إيجابياً في عملية البناء الرمزي للهوية لدى الأطفال والشباب.
وفي هذه النقطة تحديداً يجب ألا نغفل عن أن ما يسميه إرفينغ غوفمان «قواعد المرور» داخل المجتمع، إنما هي ناتجة في جزء منها من الرأسمال الرمزي الثقافي. بمعنى آخر، فإن المناسبات الدينية تمدنا بالقيم والقواعد، التي تُمكننا من الاندماج داخل المجتمع، وتقوي الشعور بالانتماء الهوياتي الثقافي، وتجعل الفرد أقوى وهو يتفاعل مع الثقافات الأخرى.
إن المجتمع الذكي والشغوف برعاية جوهره، والذي يتطلع بوعي رمزي مميز وخلاق ومبدع إلى استمرارية مقومات هويته الثقافة وانتقالها عبر الأجيال هو ذاك المجتمع الذي تتفطن مؤسساته إلى أهمية توظيف الجدوى الاجتماعية للمناسبات الدينية في التعرف على الدروس القيمية الأخلاقية، وتمكين فئة الشباب المنشغلة طبيعياً ببناء هويتها رمزياً من خبرة إيجابية، تُحصّن بها نفسها ضد الأفكار الهدّامة المسمومة، التي تتبناها تنظيمات تعادي الحياة والاختلاف والحرية.
ونعتقد أن مؤسسة الأسرة أقوى مؤسسات التنشئة الاجتماعية رغم ما أصبحت تعرفه من تهديدات، فهي قادرة أكثر من غيرها على توظيف المناسبات الدينية في دعم هوية أبنائها والذود عنها وقائياً، وذلك بطريقة تطبيقية وأبعد ما تكون عن التلقين والنصائح. فالشاب الذي يتربى في أسرة تهتم في المناسبات الدينية أكثر من أي وقت آخر بصلة الرحم، ولا تتهاون في موضوع مساعدة المحتاجين، إنما يُطبع بتلك الممارسات ويصبح عالم الأسرة في عينيه يشمل الأسرة الممتدة، أي يتم في المناسبات الدينية استرجاع الشكل التقليدي للأسرة، حيث كانت شجرة كثيفة الأغصان والتفرعات خلافاً للنمط الحداثي الذي يعبر عنه بالأسرة النواة.
طبعاً في هذا العصر الذي يولي الاهتمام الأكبر لوسائل الإعلام والاتصال، من الخطأ التقليل من أهمية دور وسائل الإعلام بوصفها مؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية الثانوية في توظيف المناسبات الدينية في دعم هوية الأجيال الشابة وفي تحقيق الاندماج الاجتماعي الثقافي ومعالجة الآثار السلبية لظاهرة انشقاق البعض من شبابنا من ناحية، وفي الوقت نفسه تحصين البعض الآخر من ويلاته.
وفي هذا الصدد، نعترف بأن القنوات العربية عرفت نقلة نوعية في خصوص شكل تقديم المادة الدينية، حيث أصبحت أكثر تفاعلية، وانتبه بعض الدعاة الأذكياء إلى أهمية الاشتغال على ما يدعم ظاهرة اليسر في الدين الإسلامي، وأيضاً التركيز على الجوانب القيمية الجوهرية، التي تُظهر المضامين الثقافية الحضارية الكونية الإنسانية للإسلام ومقاصده الكبرى.
إن مسؤولية الأطر الاجتماعية إزاء الشباب في إشباع حاجياته الرمزية القيمية تصبح مضاعفة في المناسبات الدينية، التي توفر بدورها للمجتمع فرصة استثنائية لتنمية التفاعل الاجتماعي والتواصل القوي الإيجابي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة