النموذج

النموذج

السبت - 4 ذو الحجة 1438 هـ - 26 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14151]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
زيّن له أن في إمكانه شراء كل شيء على وجه الأرض بالمال. أرسل الحقائب لإثارة النعرات في أراضٍ لا يعرف عن قضاياها وأهلها وتاريخها شيئاً: من الفلبين إلى الجيش الجمهوري الآيرلندي. ومن حرب لبنان إلى حرب العراق. ودُعي لزيارة المملكة العربية السعودية، فوصل وهو يهتف مع بعض مرافقيه: ثورة ثورة. وضحك مستقبلوه وهم يصافحونه بأدب جم وخلق رفيع.
أراد أن يحل محل الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة معاً. ومحل الرأسمالية والاشتراكية معاً. وأرسل الحقائب على أنواعها إلى حيث خطر له: مال إلى انتخابات فرنسا، ومتفجرات إلى طائراتها وطائرات أميركا المدنية. وتطلع من حوله، فأراد أن يضم إلى زعامته، مرة مصر ومرة السودان، ومرة المغرب، ومرة تونس. ولما رفضت مصر لجاجته، أعلن الحرب عليها.
لم ينس بؤس الخيمة التي نشأ فيها، فقرر أن يحمل خيمته الملونة إلى كل مكان، ظاناً أن العالم يضحك للفكرة إعجاباً. لم يشتر له المال الثوري شيئاً، فغضب على الجماهيريين، وأعلن نفسه ملكاً. ولم يتوقف لحظة عند أن قائد الجماهيرية هو نفسه ملك الملوك.
النهاية كانت مأساوية، وفيها جرم واضح. كان الرجل يستحق، على الأقل، محاكمة ولو غير عادلة، ما دام قد اعتقل. لكنه قتل في وحشية رهيبة من دون أن يقال من الذي أصدر الأمر بقتله أسيراً.
لم ينقذه المال. ولم يفده المال إلا في المهرجانات الملونة والصولجان الذهبي. لم يتغير حجم ليبيا السياسي بوصة واحدة. ولم تنضم مصر إلى زعامته ساعة واحدة. وحتى تونس، غير الميسورة، رفضت الأكياس والحقائب؛ لأن ثمة ما لا يشترى ولا يباع.
الذين يسيرون على خطاه، يجب أن يعيدوا قراءة التاريخ بدقة وعناية. حكمته في «المشروعية». مشروعية الطموح وطريقه وحدوده. ومشروعية الثروات وسبل صرفها. ومشروعية الحرص، قبل كل شيء، على بيتك وأهلك، فلا تغامر بهم ولا تعتبرهم مجرد رتق في ثوبك. صمت الليبيون أربعين عاماً، ثم تفجروا دفعة واحدة. قديمة جداً أمثولة المتنبي: إذا رأيت نيوب الليث بارزة. المال قد يشتري بعض الذمم، لكن ليس كلها. وقد يحقق بعض الطموحات، لكن الممكن منها. وكل كيل وما يسع. لا تحاول تغيير عادات الطبيعة ومقاييس الأشياء. السلمون هو السمك الوحيد الذي يصر على السباحة عكس التيار. يخوض معركة عاصفة في السباحة صعوداً. وعندما يصل، لا يرقص فرحاً، بل ينتحر. ربما ندماً على كل ذلك العبث: على أنه خدَّر نفسه بأشياء لا وجود لها.
لا يجوز العبث بأموال الدول، ولا بوقتها، ولا بهدوء حياتها. المغامر حرَّ ما دام لا يغامر إلا بنفسه. المغامرة بهناء العموم... بلاء عام.

التعليقات

عاصم
البلد: 
سوريه
26/08/2017 - 00:14

سلمت يداك ، اكيد رايحين ينبسطوا من المقال بالامارات والسعوديه , لا احد يصدق أن قطر سارت على خطى القذافي عندما أنشأت قناة الجزيره واستضافت الشيخ القرضاوي , إن تشبيه قطر بالقذافي مثل تشبيه المارونيه السياسيه في لبنان بالعلويه السياسيه تبع بشار الاسد , لكن سلمت يداك مقال جميل على كل حال ,

عاصم
البلد: 
دمشق
26/08/2017 - 00:28

تشبيه قطر بالقذافي مثل تشبيه العلويه السياسيه بالمارونيه السياسيه يعني مثل تشبيه الاماره المعنيه والعسافيه والشهابيه , بالطائفه النصيريه , وفؤاد شهاب وشارل الحلو ببشار الاسد وعلي دوبا . لا احد يصدق ان قطر كانت تسير على خطى القذافي عندما أنشأت قناة الجزيره واشترت باريس سان جرمان , ومع ذلك سلمت يداك على المقال رايحين ينبسطو منك انشالله بالسعوديه والامارات ,

MUHAMMED ISHAQ
البلد: 
indian
26/08/2017 - 01:57

أوافق معك كل راع لا بد ان تعتبر شعبه وامالهم وأمنياتهم وأحلامهم . وتعمل حسب رغبتهم ورغبةالدولة ,وترتقيها إلى دولة متطورة جميع المناحي

أمين ظافر آل غريب
26/08/2017 - 04:11

المُتوَحِدُ لا يصيخ إلّا لِنفسِه، مَجالُهُ الحَيويُّ أوهى مِنْ توكيدِ مَركزيَّة نواة نفسِه، كالْعَنكَبُوتِ؛ وَحيدَاً يعيش، وَحيدَاً يموت.

تأمُّلات في تفسير مَعنى قولِهِ تعالى: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ!.

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
26/08/2017 - 05:02

انها مأساة اخى سمير وابتلاء فبعض حكامنا فى الدول العربية (يفرملون ) سير عجلة التطور والتنمية فى بلادنا ويطلقون العنان لاهواءهم الخيالية حتى اطلقوا على انفسهم ملك ملوك قارة بكاملها وليس دولتهم اغلقوا على شعبها الابواب وعزولها عن بقية الشعوب وهو ما حدث فى ليبيا الشقيقة التى لو عنجهية مثل هولا ء وانانيتهم لكانت لبيبا فى مصاف الدول الكبرى ولما لا وهى اغنى دولة افريقيا وعدد سكانها لايتجاوز الثلاثة ملايين فبعثروا اموالها حتى وصلت جزر (الفوكلاند ) لانريد ان نجرى مقارنة فالننظر الى( ما ليزيا ) بل ننظر الى الصين اثنين مليار نسمة يقودهم قائدهم (ماو) الى دولة عظمى ولم يسمى نفسه ملك ملوك اسيا والله المستعان

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
26/08/2017 - 06:48

بل لا تغامر حتى بنفسك في عبث. مقال رائع جدا. فهل من قارئ!!. فهل من متعظ!!. شكرا للاستاذ سمير عطا الله.

يحيي صابر .. كاتب ومؤرخ نوبي
البلد: 
مصر
26/08/2017 - 08:27

تذكرني بشبابي !! عبارة قالها جمال عبدالناصر له .. فتعلق بتلك العبارة واعتبر نفسه الذي لم يخلق مثله في الكون .. تعلق بتلك العبارة واختصر كل معاركه في اتمام وحده اندماجيه مع دولة في حجم مصر وكان يقول مصر دولة بلا زعيم وليبيا زعيم بلا دولة .. سبحان الله ..ولكن السادات رحمه الله قرأ شخصيته جيدا وعرفه ووضعه في اطاره الذي يستحقه لذا كان كراهيته للسادات بلا ضفاف .. وهكذا النفس البشرية تكره من يتعرف علي سرائرها ... حاول العبث بأمن مصر في عهد السادات فلقنه السادات درسا عمليا اجبره علي الانكماش والتوجه الي بلدان اخري بحثا عن زعامة شكلية فنصب نفسه ملكا لملوك افريقيا .. ان النفس لامارة بالسؤ ولجؤه لنفسه اوصله الي الي مواسير الصرف الصحي كي يلقي حتفه فيه كي يكون عظة وعبرة حيث كان قد وصف شعبه من قبل بالجرذان ..سبحان الله .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة