القطاع الخاص والاقتصاد الوطني

القطاع الخاص والاقتصاد الوطني

الاثنين - 29 ذو القعدة 1438 هـ - 21 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14146]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية
يعتمد الاقتصاد الوطني بشكل أساسي على متانة قطاع الأعمال، فبعد أن تضع الحكومة القوانين والأنظمة التجارية للبلد، يبدأ القطاع الخاص في مساعدة الحكومة في بناء الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال تأسيس شركات ومؤسسات تجارية وخدمية، تنتقل من خلالها الثروات بين الأطراف، وتوفر فرص العمل للمواطنين.
ويعد القطاع الخاص الموفر الأساسي لفرص العمل في دول العالم، وتزيد نسبة الموظفين في القطاع الخاص على الموظفين الحكوميين في غالبية الدول، ويصل معدل وظائف القطاع الخاص في بعض البلدان إلى 95 في المائة، وكلما زادت هذه النسبة، قل العبء على الحكومة في توفير فرص العمل، وهذا أحد أسباب الحرص الحكومي على تأسيس قطاع أعمال. وكلما زاد الاعتماد الحكومي على القطاع الخاص لتوفير الفرص، زادت أهمية متانة هذا القطاع وبعده عن الهشاشة، وفائدته للاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
وتعد دول الخليج تحديدا والدول العربية عامة من أكثر الدول في ارتفاع معدل الموظفين الحكوميين، وتصل هذه النسبة إلى ما يقارب 44 في المائة في الكويت مثلا، مما يجعل دخل المواطنين يعتمد كثيرا على الأداء الحكومي وأسعار النفط.
متانة القطاع الخاص تعتمد كثيرا على النظم الحكومية، فحرية القطاع الخاص بالتحكم بأمواله محدودة في ظل التأثير القوي لرؤوس الأموال تلك على حياة المواطنين والاقتصاد المحلي. وتتعدى مسؤولية الحكومة الأنظمة إلى المراقبة، ففي حال لم يحرص القطاع الخاص على التطوير وزيادة الكفاءة في منشآته، فإنه بذلك يصبح عرضة لأي تغيير اقتصادي. فالشركات المعتمدة على الحالة الاقتصادية الممتازة، والرفاهية الاقتصادية، أكثر عرضة للانتكاس عند أي تغير اقتصادي سلبي، كذلك الشركات ضعيفة الفعالية والتي تملك عدد موظفين أكثر من حاجتها، والأخيرة عادة هي من يضر الاقتصاد الوطني بشكل كبير، ففي حال أي تغير اقتصادي، يكون الحل عند هذه الشركات والمصانع هو تسريح الموظفين، مما يسبب ارتفاعا مفاجئا في معدلات البطالة عند أي ركود اقتصادي. أما في حال كانت الفاعلية عالية في الشركات، فقد تنخفض نسب فصل الموظفين كثيرا عند الأزمات الاقتصادية.
ويضرب المثل كثيرا بالاقتصاد الألماني في المتانة، فالموظفون الحكوميون في ألمانيا لا يتعدون 15 في المائة، بينما تصل نسبة الموظفين في القطاع الصناعي إلى قرابة 20 في المائة. وقبل عقد من الزمان، تأثرت الكثير من الدول بنتائج الأزمة المالية، ومنها ألمانيا بكل تأكيد، إلا أن ألمانيا كانت من أقل الدول تضررا، تحديدا في معدلات البطالة، والسبب الأهم في ذلك هو أن الفاعلية في الشركات والمصانع الألمانية عالية جدا، فلم يكن هناك عدد زائد من الموظفين أصلا، ومع الدعم الحكومي لهذه الشركات، لم تحتج غالبية الشركات إلى فصل موظفيها. وفي القطاع الصناعي، تعتمد المصانع الألمانية كثيرا على الأتمتة في العمليات الصناعية، هذا الاعتماد يقلل عدد الموظفين في المصانع، مما يجعل تسريحهم صعبا لأهمية وجودهم بالمصانع. ومع متانة هذا الاقتصاد وقدرته على تحمل الصدمات الاقتصادية، فإنه ينمو سنويا بمعدل صحي من دون شك، حتى وصل الفائض في ميزانية ألمانيا إلى ما يزيد عن 300 مليار دولار (وهو ما يساوي أكثر من 8 في المائة من الناتج القومي).
تستطيع الحكومات - ومن خلال إنشاء برامج لتطوير القطاع الصناعي وقطاع الأعمال - زيادة المتانة لهما، فعلى سبيل المثال، تعد الأتمتة أحد الحلول المهمة في القطاع الصناعي، وخاصة في دول الخليج التي تشجع على نمو القطاع الصناعي، وفي نفس الوقت هي تحاول تقليل تواجد العمالة غير الماهرة. وفي حين تحارب بعض الدول الغربية الأتمتة بسبب تأثيرها السلبي على معدلات البطالة، تعد الأتمتة حلا مثاليا لدول الخليج عامة، وللمملكة العربية السعودية خاصة، فبإمكان وزارة الصناعة أو الصندوق الصناعي إنشاء برنامج تمويلي يهدف إلى أتمتة المصانع السعودية بقروض ميسرة للمصانع. هذه المبادرة قد تزيد من متانة الكثير من المصانع السعودية، مصانع قد تعتمد بشكل أساسي على رخص اليد العاملة الوافدة من الدول الآسيوية، ورخص الطاقة المتوفرة، إضافة إلى الأراضي شبه المجانية المقدمة لهم من الدولة، إذن هذه المصانع تعتمد على رفاه الحالة الاقتصادية، ولكن ماذا لو زادت أسعار الطاقة؟ وتم فرض حدٍ للأجور، هل ستستطيع هذه المصانع البقاء في الصمود والمنافسة في ظل انخفاض أسعار الواردات الصينية؟
أتمتة القطاع الصناعي فرصة ممتازة للحكومة السعودية بزيادة متانة الاقتصاد، وخفض نسب الوافدين من العمالة غير الماهرة، والذي سيتسبب بكل تأكيد في انخفاض الحوالات الشهرية العالية من المملكة إلى الخارج ووقف شيء من النزيف الاقتصادي. وهو تطوير يزيد من جودة الإنتاج الصناعي، ومن غزارته أيضا، ويتضح أثره بشكل أكبر على الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة