شعوب الإشاحة

شعوب الإشاحة

الأحد - 28 ذو القعدة 1438 هـ - 20 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14145]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
العام الماضي بدأ أحد الأيام عادياً في بيروت. وكان شاب يتجه في سيارته إلى عمله، فتجاوز سيارة فيها رجل ورفيقته. ويبدو أن الأخير يتمتع بقوة عضلية فائقة وضعف إنساني مريع، فلم ترُق له ولكرامته حكاية التجاوز هذه، فأخذ يطارد العدو الهارب من شارع إلى شارع حتى أدركه في محلة الأشرفية.
هناك، أنزله من سيارته، ورماه في الشارع، وراح يطعنه، ولم يتوقف إلا عندما توقف ضحيته عن التوسل والأنين والصراخ. وكان المارة يتفرجون. يسمى هذا في اللغة القضائية «جريمة موصوفة في وضح النهار». ولكن الشهود وقفوا عاجزين ومذعورين ولا يقوون على شيء.
ماذا كنت ستفعل لو صادف وجودك في المكان؟ لا شيء. فالمتوحش أقوى منك بوضوح، والقتل بالنسبة إليه أمر عادي لأنه «مسنود»، وإلاّ لما ترك لتوحشه المتعمد وسابق التصميم أن يبلغ هذا المبلغ. وبعد ذلك سوف تذهب إلى بيتك متضايقاُ من مشهد الدماء وأصوات التوسل.
ما هو الأسوأ من ذلك؟ إنه القانون الذي يعتبر إشاحتك أمراً طبيعياً. لكن لو كنت في بريطانيا، لامتلأت الشوارع بنداءات تطالب أي شاهد بالمساعدة. نسبة كبرى من الجرائم في أوروبا يكشفها، أو يبلغ عنها، الشهود. لماذا؟
لأنهم أُنشئوا على الحس المدني، وأن الروح البشرية أغلى من أي شيء. وأنك شريك الدولة في مسؤولياتها، ومن ضمن هذه المسؤوليات، سلامتك وسلامة سواك. أي الجميع. وهذا الشعور يُخيف المجرم المتوحش، ويبعث فيك الشجاعة، ويقوي فيك المروءة.
بعد عامين لم يصدر حكم في حق القاتل المتوحش. ولذلك، تكررت الجرائم المطابقة. وقد تعهد الرئيس ميشال عون، بعد آخر جريمة، بإنزال العقاب بالمجرم. لكن شهامة الرئيس ومشاعره ليست بديلاً عن القانون. الأمر هنا في يد قاضٍ يخاف ربّه، ولا يخاف صغار الزعران، ولا كبارهم. الأمن في بريطانيا لا صورة ظاهرة له، لأنه موجود في نزاهة القضاء.
الإشاحة شراكة في الجريمة. ونحن أمة خوف وإشاحة. نعاقب المخالف ولا نعاقب المجرم. الشعوب التي تتظاهر بأنها لا ترى ولا تسمع تعود فتقع في المصير نفسه. تغاضى الألمان عن أولى ظهورات «القمصان السود»، فكبر أصحابها حتى دمروا أوروبا وأشعلوا العالم، وفي النهاية، دمروا ألمانيا.
لذلك، تهب أوروبا الآن مرة واحدة لمواجهة أي مظهر بسيط لليمين المتطرف. لن يُسمح له مرة أخرى بإحراق القارة. والبيوت المليئة بذكريات الإشاحة، تعلمت الأمثولة التي جعلت عدداً من الموتورين يقودون الشعوب الراقية إلى الهلاك.
لو حوكم مجرم الأشرفية، لما تكرر المشهد المريع في مناطق عدة من لبنان. والبطل هو نفسه في كل مكان: تهتز كرامته لأن شاباً تجاوز سيارته، فكان لا بد من مطاردته وقتله. والعيب ليس على المجرم، بل على شعب الإشاحة. في كل مكان.

التعليقات

عبدالله صالحين
البلد: 
Saudi Arabia
20/08/2017 - 04:56

غضب وفورة الطريق ظاهرة عالمية،
سبق وأن وقف بجانبي شاب يطالبني بالوقوف على جانب الشارع وهو يهدد وأوداجه تكاد تتفجر،
ولأول مرة في حياتي اتذوق طعم الاشاحة ، إشاحة العافي العاقل، ولازلت اتفكر الى اليوم لو اني طاوعته ووقفت لقتل أو ضر أحدنا الآخر،
ورغم اني عفوت عن الشخص في حقي الخاص، الا ان وعيي بأن مثل هذا الشب ضار على المجتمع ، جعلني اتصل بأرقام الطوارئ والدوريات الذين عمموا على سيارته للقبض عليه قبل أن يضر أحد غيري،
ومن هنا اشكر وزارة الداخلية على جهودها لوجود مركز اتصال مخصص لهذا الغرض، وأشد على أياديهم وأدعوهم لتفعيل المزيد من الجهود فيما يتعلق ببلاغات الطرق وتعميم السيارات المخالفة والقبض على سائقيها المتهورين وابقاء المبلغ على اطلاع حتى يفكر مائة مرة قبل أن يتجرأ على مدني آخر بالتهديد والجرأة على دماء الآخرين وأعراضهم بسبب غضبة طريق

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
20/08/2017 - 11:37

و اللّه ما خلت هذه البلاد من مروءة أو شهامة أو تعاطف. لكنه الخوف يا سيدي هو ما يدعو من يتمتعون بمثل هذه الصفات (و لا أنكر وجود الكُثر ممن لا يتمتعون بها) للإشاحة بوجوههم. ذلك أنّ أمثال مجرم الأشرفية إمّا أن يكونوا أفراداً من مليشيا طائفية استباحت بلد يقتل الناس فيه برصاص الإحتفالات الطائش، أو عناصر أمن و مخابرات في بلدآخر يبقى المرء فيه في المعتقل بلا تهمة إلى أن يتوفاه اللّه أو حتى يحين موعد "التصفية".

الأسوأ من ذلك يا سيدي هو "دولة الإشاحة". فكيف نلوم القانون إن كانت الدولة غائبة عن تطبيقه و هي التي تشيح بوجهها؟!

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
20/08/2017 - 16:38

استاذ سمير عطا الله اود ان اشكرك على مقالك هذا الذي يصف الحال. الشعوب تنسى وتَجهل وتُجَّهل ولا لوم عليها مجتمعة لكن اللوم على المفكرين والحكام وقادة المجتمع والقضاء والمناخ العام وقوانين الدولة والظلم الطويل الذي لا يرجى زواله والعدل المفقود الذي لايمكن ايجاده والتربية والتعليم والاعلام عندما يولد شعب اشاحة فكلهم يلامون إن لم يقوموا بواجبهم وكل حسب مسؤليته. لقد تأثرت بالمشهد في مقالكم. فهو يصف شكلين اولا ثقافة منحدرة لحضيض التكبر لدى الجاني تضاف لها جرم غير مبرر باعتداء على انسان بريء وثانيا يصف تغول فئات من الناس واعتبار انفسهم فوق القانون بل وفوق المواطن الانسان وتقبل العملي للمجتمع لهذه الحالة. المناخ اليوم في لبنان يشبهة في العراق ، ففي وطني يدخل احد الاشخاص الى المستشفى يريد ان يزور اباه فيمنع
"هناك تكملة"

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
20/08/2017 - 16:43

فيأتي بقنيلة يدوية يهدد فيها كادر المستشفى. لا أحد يستطيع الكلام بصراحة هو من اي جهة لانه ربما يكون اقوى من الدولة والقانون وسيطبق عليه قانونه المفضل المسمى بقانون الغاب. كل يوم اعتداء على طبيب او موظف لكن من يحميهم؟ وقد أصبح العراق تحكمه المليشيات والعصابات والأحزاب الطائفية وقد ترسخت ثقافة الفساد والطائفية والحزبية والمناطقية والعشائرية. وحتى إن الاستهتار بالقانون وصل لان يعترف بعض نواب بانهم فاسدون لكن لا قانون ولا قضاء ولا هيبة للدولة.
الصمت المطبق هو اول دلائل الاشاحة. نقص الشجاعة لدى قادة المجتمع ومراجع الدين والمفكرين والاعلاميين هو اول بشارة لولادة شعب الاشاحة. وعندما يولد فلن يبقى قيمة لإولئك.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة