تكنولوجيا اللحظة الفاصلة!

تكنولوجيا اللحظة الفاصلة!

الخميس - 25 ذو القعدة 1438 هـ - 17 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14142]
جرت العادة على تدخل الإنسان للحيلولة دون خروج المبتكرات التكنولوجية الجديدة عن نطاق السيطرة، حيث يجري استكشاف التداعيات السلبية للتكنولوجيا الجديدة من جانب جميع الأطراف المعنية، والتي تصل نهاية الأمر إلى اتفاق ما بخصوص سبل التخفيف من التداعيات السلبية. ومع ذلك، تشير أبحاث جديدة إلى أن الوتيرة المتسارعة للتغييرات التكنولوجية ربما تفقد هذا التوجه فاعليته في غضون فترة قصيرة.
المعروف أن الأفراد يعتمدون على القوانين والأعراف الاجتماعية والاتفاقيات الدولية لجني ثمار التكنولوجيا، مع التقليل بأقصى درجة ممكنة من آثارها غير المرغوبة، مثل الأضرار البيئية. وفي خضم مساعينا للوصول لمثل هذه القواعد السلوكية، غالباً ما نستوحي إلهامنا مما يطلق عليه في إطار نظريات الألعاب «توازن ناش»، نسبة إلى عالم الرياضيات والاقتصاد جون ناش. ويشير هذا المصطلح إلى مجموعة من الاستراتيجيات، التي بمجرد اكتشافها من جانب مجموعة من اللاعبين، توفر نقطة ثابتة مستقرة لا يوجد عندها حافز لدى أي من اللاعبين لتغيير استراتيجيته.
ومن أجل الوصول لهذه النقطة، يتعين على اللاعبين إدراك تداعيات أفعالهم المحتملة، وكذلك أفعال الآخرين. على سبيل المثال، أثناء الحرب الباردة، اعتمد السلام بين القوى النووية على إدراك أن أي هجوم سيضمن دمار الجميع.
والآن، ماذا لو أن التكنولوجيا أصبحت على درجة بالغة من التعقيد وبدأت في التطور سريعاً لدرجة أصبح من المتعذر معها على البشر تخيل تداعيات إجراء ما الجديد؟ هذا هو التساؤل الذي طرحه اثنان من العلماء - ديمتري كوسنيزوف من «الإدارة الوطنية للأمن الوطني» وويندل جونز، الذي تقاعد مؤخراً من عمله في «معامل سانديا الوطنية»، وذلك في إطار ورقة بحثية لهما نشراها في وقت قريب.
اعتمد كوسنيزوف وجونز على دراسات رياضية حديثة لألعاب يشارك بها الكثير من اللاعبين، وتنطوي على كثير من الخيارات. من بين النتائج التي خلصت إليها الدراسة، وجود انقسام حاد ما بين نمطين: مستقر وغير مستقر. فيما دون مستوى معين من التعقيد، يبدو «توازن ناش» مفيداً في وصف النتائج المحتملة. بيد أنه فيما وراء ذلك، توجد منطقة فوضوية لا يتمكن اللاعبون من التوصل إلى استراتيجيات جديرة بالاعتماد عليها في إطارها، وإنما يعملون على التكيف فقط من خلال تغيير أنماط سلوكهم باستمرار على نحو غير منتظم بدرجة بالغة.
ويشير الباحثان إلى أن التكنولوجيات الناشئة، وبخاصة في مجال الكومبيوتر والبرمجيات والتكنولوجيا الحيوية، مثل تعديل الجينات، من المحتمل بدرجة أكبر بكثير أن تقع داخل الفئة غير المستقرة. وفي مثل هذه المجالات، تصبح التحولات المفاجئة أكبر وذات معدل ظهور أكبر مع تراجع التكاليف. وعليه، فإن مثل هذه التكنولوجيات ستتطور على نحو أسرع عن قدرة الأطر التنظيمية، على الأقل بصورتها التقليدية، على الاستجابة.
والآن، ماذا يمكننا أن نفعل؟ لا يملك أي من كوسنيزوف أو جونز إجابة سهلة. ومن بين الإشارات الضمنية في بحثهما أنه ربما يكون من الخطأ محاكاة الأساليب المعتمدة في التعامل مع التكنولوجيات التي ظهرت في السابق، والتي اتسمت بمعدل تطور أبطأ وتوافرت على نطاق أضيق. وعادة ما يشكل هذا التوجه المعتاد من مقترحات تنظيم تكنولوجيات التعديل الجيني. إلا أن مثل هذه الجهود ربما يكون محكوماً عليها بالفشل في خضم عالم تتطور فيه التكنولوجيات بفضل جهود متوازية على مستوى العالم تتبع أهدافاً ومصالح متنوعة. وربما تضطر جهود التنظيم المستقبلية إلى الاعتماد على تكنولوجيات ناشئة، مثلما يجري الحال في الوقت الحاضر بالفعل على الصعيد المالي.
ربما نكون على أعتاب لحظة فاصلة في تاريخ البشرية، تصل عندها فكرة التوازن الاستراتيجي إلى حدها الأقصى وتفقد زخمها. وإذا حدث ذلك، ستتحول عملية التنظيم إلى لعبة أخرى مغايرة تماماً.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة