قاعدة الرجل الطيب

قاعدة الرجل الطيب

الأربعاء - 24 ذو القعدة 1438 هـ - 16 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14141]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

قام في مصر جدل حول إطلاق اسم الرئيس محمد نجيب على أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط. ورأى البعض في ذلك طعناً في ذكرى جمال عبد الناصر، بينما رأى فيه آخرون، مجرد إعادة اعتبار إلى أول رؤساء 23 يوليو (تموز)، التي مرَّ عليها 65 عاماً.
وأما الحقيقة، على ما أعتقد، فإنها خطوة منصفة، بصرف النظر عن النية خلفها. لم يتعرض رجل تاريخي لعملية إطفاء مثل اللواء محمد نجيب، أول حاكم مصري للمحروسة. لم يُعدم ولم يُنف ولم يُسجن، لكنه أُطفئ. حتى عندما رفع عنه الرئيس أنور السادات الإقامة الجبرية، أبقى الحكم ببقائه في الصمت والعتمة: لا حق في الظهور، ولا حق في الكلام.
كان خطأ محمد نجيب أكبر من أن يغفر: لقد أراد عودة العسكريين إلى الثكنات، وإعادة الحياة المدنية، التي ازدهر فيها التطور والتقدم والاقتصاد، وحتى العمل السياسي.
مات محمد نجيب فقيراً، أحد أشقائه يعمل سائق تاكسي في ألمانيا، وشقيق آخر يعمل سائقاً في شركة عثمان أحمد عثمان. مع ذلك، كان الحكم بعدم الوجود أكثر رأفة مما حل بالرؤساء في دول عربية أخرى: السجون المؤبدة، والقتل السريع، أو السقوط في هليكوبتر أصابها عطل «مفاجئ».
محمد نجيب كان الرئيس الأكثر سماحاً، بصرف النظر عن الولاية القصيرة. لا سجون، ولا انتقامات، ولا إهانات، ولا مصادرات تُلغى فيما بعد، ويُعتذر عنها، بعد وقوع الواقعات. الذين أعادوا تقييم 65 عاماً من 23 يوليو، لم يعثروا على محمد نجيب وسط الصخب. فقد عُزل قبل ظهور ما عُرف بمراكز القوة. وسوف يتحدث عبد الناصر نفسه عن كيف تحول الرفاق في «الضباط الأحرار» إلى حكام مستقلين: عامر، وشمس بدران، وزكريا محيي الدين، وسواهم. وكان عبد الناصر يصارح الناس وينقل شكواه إليهم، مما يوحي أنه، في المحصلة، كان محاطاً برجال غير كفوئين، وأحياناً، غير صالحين.
1967 أعادت النظر في الجميع، وفي كل شيء، لكن الزمن كان قد مضى، ولم يُبقِ القدر لعبد الناصر الكثير من الوقت في إعادة رسم الصورة، داخلياً وخارجياً. والمؤسف أنه بعد كل هذا الزمن، ما زال الصخب قائما في نقده أو في الدفاع عنه. وعندما أقرأ في أي مقال مفردة من نوع «أزلام» و«حقراء» و«عملاء»، أتوقف عن القراءة فوراً. فالحق لا يحتاج إلى سفه، والحقائق لا تحتاج إلى إكراه. وهناك الآن ما يكفي من نصوص رسمية ووثائق ومراجع مؤكدة، بحيث تتمكن مصر من الخروج بمعادلة نزيهة ورصينة لتاريخها. أما السفاهة السهلة، فإهانة للغائبين واعتداء على الموضوعية التاريخية. جميع رؤساء 23 يوليو عرفوا نهايات درامية. ولا ضرورة للزيادة في ذلك.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة