تأملات في جدل متكرر

تأملات في جدل متكرر

الأربعاء - 24 ذو القعدة 1438 هـ - 16 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14141]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
لا أظن عاقلاً سيحفل بما قيل حول «جواز» الترحم على الفنان المعروف عبد الحسين عبد الرضا. كلنا نعرف أن ربنا (سبحانه) أكرم من هؤلاء الذين ضاقت صدورهم عن استيعاب معاني رحمته التي وسعت كل شيء. ليس في أقوالهم إذن ما يستحق التوقف.
لكن هذا الجدل يكشف في عمومه عن قضية جديرة بالتأمل، يوضحها سؤال: ماذا نفعل لو طرحنا رأياً مستمداً من مصادر دينية، لكن العرف العام رفضه، هل نتخلى عن هذا الرأي أم نجبر الناس عليه؟
هذا السؤال كان واضحاً جداً في الجدل المذكور. بعض الدعاة أنكروا جواز الترحم على الفنان المحبوب، فرد عليهم عشرات الآلاف من الناس مستنكرين، ومدافعين عن محبوبهم. والحق أني فوجئت برد الفعل الجارف، كما فوجئ غيري. ورأى فيه بعض الكتّاب مؤشراً على تراجع الانقسام الحاد الذي وسم المجتمع العربي في السنوات القليلة الماضية.
خلاصة الفكرة التي أقترحها في هذا الصدد، أن اتجاه الرأي العام نحو مسألة ما، يشكل إطاراً موضوعياً جديداً للمسألة، ويستدعي بالتالي البحث عن حكم فقهي جديد، بخلاف الحكم المتعارف عليه. وفي خصوص مسألتنا الحاضرة، فإن الحكم الشرعي يرتبط بموضوع العلاقة بين المؤمن والمخالف، سواء صُنف مبتدعاً، أو منحرفاً، أو كتابياً، أو كافراً، أو ملحداً... إلخ. فرضيتنا هي أن الأحكام الخاصة بهذه الأصناف، ولدت في ظل نظام اجتماعي موحد على أساس ديني أو مذهبي (متحد اجتماعي = community). أما اليوم، فنحن نعيش في مجتمع تعددي متنوع، أقرب إلى (المتحد الاقتصادي - السياسي = metropole) حيث يميل أعضاء المجتمع إلى التعامل فيما بينهم وفق معايير مصلحية مباشرة، لا تتأثر حدياً بالخلفية الثقافية أو الانتماء الاجتماعي.
إذا صح هذا، فإني أستطيع القول: إن الأحكام الخاصة بالعلاقة مع المختلف الديني، باتت بلا موضوع؛ لأن موضوعها السابق جزء من ظرف اجتماعي زال من الوجود. وحين يزول موضوع الحكم، يزول الحكم تبعاً له.
لقد ربطت الظرف التاريخي باتجاهات الرأي العام لسبب بسيط، وهو أن الرأي العام المعبر عنه بصورة واضحة، كاشف عن التغيير الذي يحدث في البنية الاجتماعية، أي في الثقافة والقيم والاقتصاد، ونظام العلاقات الاجتماعية والهموم الجمعية. حين تتغير رؤية الجمهور – أو شريحة معتبرة منه – إلى مسألة، أو يتغير تعامله معها، فإن هذا يكشف عن تغير في البنية التي تشكل قاعدة المصالح التي يقوم عليها موضوع المسألة، والإطار القيمي الذي يحدد موقعها من المنظومة السلوكية أو الأخلاقية للجماعة، وتشكل جزءاً من مفهومها.
لا يمكن النظر في أي مسألة خارج إطارها الاجتماعي التاريخي. ليست للمسائل موضوعات مستقلة أو عائمة في الفضاء؛ بل هي دائماً عنصر في بنية اجتماعية. موضوع المسألة هو واحد من أجزاء الصورة الكبرى التي نسميها البنية الاجتماعية. هذه البنية كيان عضوي يتحول باستمرار مع مرور الزمن، بسبب التحول في علاقة البشر مع الطبيعة المحيطة بهم، وتقدم معارفهم، وتعاملهم مع التحديات التي يواجهونها كل يوم في بيئتهم أو في عالمهم.
اتفق فقهاء الإسلام على تغير الأحكام تبعاً لتغير الموضوعات. ما أقترحه اليوم هو تعريف موسع للموضوع، بحيث لا ينصرف إلى مسألة بعينها؛ بل يشمل أيضاً الظرف الاجتماعي الذي تتموضع فيه المسألة. القبول بهذه المقدمة يضع أساساً لقانون عام يؤثر على معظم الأحكام الخاصة بالتعاملات الجمعية.

التعليقات

أبو هشام اليحيى
البلد: 
بريدة . السعودية
16/08/2017 - 06:18

الذي فاجأ الأستاذ توفيق لم يفاجئني . فكمية الإنكار على رأي قاله الداعية اليمني بالآلاف لوجود آراء شرعية قوية ومعتبره تخالفه . بالتالي لايستدعي الأمر تغيير الأحكام وتكييفها بما يتناسب مع التحولات الإجتماعية . الإختلاف ولن أقول ( الخلل ) في الإستدلال وتوظيف الحدث بما يراه هذا الطرف أو ذاك حق شرعي مادام هناك مايدعمه بالأدلة الصحيحة . لكن كبار الفقهاء مع القول بتولي الله رحمته للجميع . بقي القول أن من ينطلق من رأيه ليقول إنه حكم شرعي لن يدحظه ولاملايين الناس في مواقع التواصل الإجتماعي بل رأي شرعي يرد به العلماء عليه لأن الحماسة تخبو والهوى يتغير . القول اشرعي المتخصص لرد قول الداعية اليمني هو الأبقى والأكثر تأثيراً على الجميع .

خالد محمد صالح
البلد: 
السعوديه
16/08/2017 - 07:32

استاذي الكريم لا شك ان رحمة الله وسعت كل شي ولا نجزم لأحد بجنة أو نار الا ما وردت به النصوص الشرعية المتفق عليها. الشريعه الاسلاميه تنقسم الى عقيده تحكم تصور المسلم وتضبطه في اطار لا يتغير ولا يتبدل بتبدل الزمان والمكان وهناك شبه اجماع عليها في جميع المذاهب الاسلاميه المعتبره عند أهل السنه والجماعه. وهناك الاحكام الشرعيه الفقهيه التي تتسع وتضيق وفقا لقاعدة المصالح والمفاسد وما يستجد من تغيرات واحداث مستجده تفرض على المختصين في العلوم الشرعيه دراسات وابحاث تنتج احكاما فقهيه تتناسب مع الواقع الجديد. اتجاهات الرأي العام قد تتفق مع النظره الدينه أو لا تتفق والمرجع في النهايه هو للنظره الدينيه وليس للرأي العام . قد يتفق العقل مع الدين في موضوع ما وقد لا يتفق وتقديم الدين الذي هو من عند خالق العقل أولى من تقديم الرأي العقلي ولو كان جمعيا.

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
16/08/2017 - 09:20

قضية الجدل قضية أزلية ، فعندما تقول الاحدهم هذا فنجان فيقول لك لا هذا كأس ، وعندما نصف هذا الوعاء بانه من الزجاج ، فيعارضك ويقول إنه من البلاستك ، وإذا قلت له بان هذا مسلم متطرف، فيجيبك بأنه ملتزم ، وإذا أخبرته بان فلانا قد شهد بان ،، بأن لا اله الإ الله وأن محمدا عبده ورسوله قبل وفاته ، فيتصدى لك ويقول لك ما الذي أدراك وعندما تخبرهم برجل حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
إن رجلا كان بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ فيه عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ مِنْ الْعَطَشِ فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ له ، فيشككون فيه ، فماذا نقول بعد ذلك ، والله خير العالمين الذي وسعت رحمته كل

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة