الإيجابية السامة... عندما يتحول التفاؤل إلى عبء نفسي

الإيجابية السامة قد تقلل من شأن المشاعر الإنسانية الأخرى (بيكسلز)
الإيجابية السامة قد تقلل من شأن المشاعر الإنسانية الأخرى (بيكسلز)
TT

الإيجابية السامة... عندما يتحول التفاؤل إلى عبء نفسي

الإيجابية السامة قد تقلل من شأن المشاعر الإنسانية الأخرى (بيكسلز)
الإيجابية السامة قد تقلل من شأن المشاعر الإنسانية الأخرى (بيكسلز)

يُعد التفكير الإيجابي من العوامل المهمة التي تساعد الإنسان على تجاوز كثير من التحديات، إذ يعزز الأمل، ويمنح القدرة على الصمود في مواجهة الصعوبات. غير أن الدعوة المستمرة إلى التفاؤل، مهما كانت الظروف قاسية، قد تتحول إلى سلوك غير صحي يُعرف بـ«الإيجابية السامة»، وهي حالة تُجبر الإنسان على إخفاء مشاعره الحقيقية، والتظاهر بالسعادة، حتى عندما يكون في أمسّ الحاجة إلى الاعتراف بألمه، والتعبير عنه.

وتتمثل الإيجابية السامة في الاعتقاد بضرورة الحفاظ على عقلية إيجابية في جميع الأحوال، بغض النظر عن حجم المعاناة، أو قسوة التجارب. ويعني ذلك تبني شعار «الطاقة الإيجابية فقط»، مع رفض أو إنكار المشاعر التي تُعد سلبية، مثل الحزن، أو الغضب، أو الخوف. ورغم أن التفاؤل والتفكير الإيجابي يحملان فوائد عديدة، فإن الإيجابية السامة تتجاهل المشاعر الصعبة، وتدفع إلى استبدال مظهر من البهجة بها قد يكون مصطنعاً، ولا يعكس الواقع، وفقاً لموقع «فيري ويل مايند».

ولا شك أن امتلاك نظرة إيجابية إلى الحياة يسهم في تعزيز الصحة النفسية، لكن المشكلة تكمن في أن الحياة ليست إيجابية على الدوام. فكلنا نمر بتجارب مؤلمة، ومواقف تثير الحزن، أو القلق، أو الإحباط، وهذه المشاعر، على الرغم من صعوبتها، تُعد جزءاً طبيعياً من التجربة الإنسانية. ولذلك فإن الاعتراف بها والتعامل معها بصدق وصراحة يُعدان خطوة أساسية نحو التكيف النفسي، وتحقيق التوازن العاطفي.

وتأخذ الإيجابية السامة مفهوم التفكير الإيجابي إلى أقصى درجاته، فلا تكتفي بالتشجيع على التفاؤل، بل تقلل من شأن المشاعر الإنسانية الأخرى، أو تنكر وجودها تماماً، وكأن السعادة هي الشعور الوحيد المقبول، بينما يُنظر إلى الحزن أو الغضب أو الخوف باعتبارها علامات ضعف، أو فشل.

أمثلة على الإيجابية السامة

تظهر الإيجابية السامة في مواقف يومية كثيرة، وقد تبدو في ظاهرها كلمات مشجعة، أو عبارات مواساة، لكنها قد تحمل أثراً سلبياً على من يمرون بتجارب مؤلمة، ومن أبرز أمثلتها:

عندما يفقد شخص وظيفته، أو يمر بأزمة صعبة، قد يسمع عبارات مثل: «ابقَ إيجابياً»، أو «انظر إلى الجانب المشرق». ورغم أن هذه الكلمات تُقال غالباً بدافع التعاطف، فإنها قد تمنع الشخص من التعبير عن مشاعره الحقيقية، وتدفعه إلى كبتها.

بعد التعرض لخسارة مؤلمة، قد يقول البعض: «كل شيء يحدث لسبب». ورغم أن القصد من هذه العبارة هو المواساة، فإنها قد تقلل من حجم الألم الذي يعيشه الشخص، أو توحي بأن عليه تجاوز حزنه سريعاً.

عندما يعبّر شخص عن خيبة أمله أو حزنه، فإنه قد يواجه بعبارة مثل: «السعادة خيار». وهذه الرسالة قد توحي بأن مشاعره السلبية ناتجة عن اختياره الشخصي، وأنه مسؤول عن معاناته، لأنه لم يختر أن يكون سعيداً.

وفي كثير من الأحيان تكون هذه العبارات حسنة النية، ونابعة من رغبة صادقة في التخفيف عن الآخرين، لكنها تُصاغ بطريقة غير مناسبة. وفي أحيان أخرى قد يعجز الناس عن معرفة الكلمات التي تعبّر عن التعاطف الحقيقي، فيلجأون إلى عبارات جاهزة تبدو إيجابية، لكنها قد تترك أثراً عكسياً. لذلك، من المهم إدراك أن الإيجابية السامة، حتى وإن كانت غير مقصودة، قد تسبب ضرراً نفسياً.

الإيجابية السامة والتفاؤل... ما الفرق؟

هناك فرق جوهري بين التفاؤل والإيجابية السامة. فالتفاؤل لا يعني إنكار الألم، أو تجاهل المعاناة، بل يعني الاعتراف بالواقع، مع الإيمان بإمكانية تجاوزه. أما الإيجابية السامة فتفرض على الإنسان أن يبدو إيجابياً طوال الوقت، حتى عندما يكون في ذروة ألمه.

ولهذا فإن الأشخاص الذين يمرون بصدمات أو أزمات نفسية لا ينبغي أن يشعروا بالضغط لإظهار التفاؤل، ولا أن يتعرضوا للوم، أو الأحكام، لأنهم غير قادرين على تبني نظرة إيجابية في تلك اللحظات.

لماذا تُعد الإيجابية السامة ضارة؟

قد تُلحق الإيجابية السامة ضرراً بمن يواجهون ظروفاً صعبة، لأنها تتجاهل مشاعرهم الحقيقية، وتدفعهم إلى كبتها، بدلاً من الاعتراف بها، وتقديم الدعم المناسب لهم. ومن أبرز آثارها السلبية:

تعزز الشعور بالعار: إذ قد توحي للشخص بأن مشاعره غير مقبولة، أو غير مبررة، فيشعر بالخجل من التعبير عنها، بينما يحتاج في الحقيقة إلى من يؤكد له أن ما يشعر به طبيعي، ويستحق التفهم، والدعم.

تولد الشعور بالذنب: فقد تجعل الإنسان يعتقد أن عدم قدرته على الحفاظ على الإيجابية، حتى في أشد الأوقات قسوة، هو تقصير، أو خطأ شخصي، مما يزيد من معاناته النفسية.

تشجع على تجنب المشاعر الحقيقية: إذ تصبح وسيلة للهروب من المشاعر المؤلمة بدلاً من مواجهتها. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا التجنب إلى سلوك دائم يدفع الشخص إلى إنكار مشاعره، أو تجاهلها.

تعيق النمو النفسي: فمواجهة المشاعر الصعبة، رغم قسوتها، تساعد الإنسان على اكتساب الخبرة، والنضج، وفهم ذاته بصورة أعمق. أما الهروب منها عبر الإيجابية السامة، فإنه يحرمه من هذه الفرصة المهمة للنمو، والتطور.

وفي بعض الحالات قد تتحول الإيجابية السامة إلى شكل من أشكال الإساءة النفسية عندما يستخدمها شخص للتقليل من مشاعر الآخرين، أو التقليل من قيمة تجاربهم المؤلمة، أو لتبرير سلوكياته المسيئة، والتقليل من خطورتها.

علامات الإيجابية السامة

غالباً ما تكون الإيجابية السامة خفية، وقد تصعب ملاحظتها للوهلة الأولى، لكن التعرف إلى مؤشراتها يساعد على تمييز هذا السلوك، والتعامل معه بصورة أكثر وعياً. ومن أبرز علاماتها:

- تجاهل المشكلات بدلاً من مواجهتها، والعمل على حلها.

- إخفاء المشاعر الحقيقية خلف عبارات تحفيزية تبدو مقبولة اجتماعياً.

- التقليل من شأن مشاعر الآخرين، لأن التعبير عنها يسبب الشعور بعدم الارتياح.

- إحراج الآخرين، أو لومهم عندما لا يتبنون موقفاً إيجابياً، أو متفائلاً.


مقالات ذات صلة

ألم أسفل الظهر بعد الجلوس طويلاً... 6 حلول من دون أدوية

صحتك طرق عملية تساعد في تخفيف ألم أسفل الظهر الناتج عن الجلوس الطويل (بكسلز)

ألم أسفل الظهر بعد الجلوس طويلاً... 6 حلول من دون أدوية

لا يعني الشعور بالألم بالضرورة وجود مشكلة خطيرة، إذ يمكن تخفيفه في كثير من الحالات من خلال تعديلات بسيطة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك تأثير تصفّح الهاتف بعد الاستيقاظ يختلف بحسب المحتوى وعادات الشخص (بيكسلز)

ماذا يحدث للدماغ عند تصفّح الهاتف أول 10 دقائق بعد الاستيقاظ؟

قد يزيد تصفّح الهاتف فور الاستيقاظ التشتّت والتوتر بحسب المحتوى وعادات الشخص، ويُفضّل منح النفس بضع دقائق لبداية هادئة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك معدل النبض خلال الرياضة يختلف وفق العمر وشدة التمرين واللياقة البدنية (بيكسلز)

متى يصبح تسارع ضربات القلب خلال ممارسة الرياضة خطراً؟

يرتفع النبض طبيعياً خلال ممارسة الرياضة، لكن اقتران ذلك بألم الصدر، أو ضيق التنفس الشديد، أو الدوخة، يستدعي التوقف وطلب المساعدة الطبية فوراً...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك نموذج تشريحي لعظام اليد يوضح بنيتها (بيكسلز)

ما دور فيتامينَي «ك2» و«د» في صحة العظام؟

يساعد فيتامين «د» على امتصاص الكالسيوم، ويدعم «ك2» تمعدن العظام، لكن الأدلة على منع الكسور بمكملاتهما معاً لا تزال محدودة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك متى يمكن أن يفيد الزنك في التعامل مع نزلات البرد؟ (بكسلز)

الزنك لعلاج نزلات البرد... متى يساعد وفي أي حالة يصبح ضاراً؟

مع بداية أعراض نزلات البرد، يلجأ البعض إلى مكملات الزنك أملاً في التعافي سريعاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».


لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
TT

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود، وذلك قبيل بيعها في مزاد تنظّمه دار «سوذبيز» في نيويورك، إذ يُتوقّع أن تُحقّق نحو 180 مليون دولار.

ووفق «رويترز»، من المقرّر أن يختبر المزاد، الذي سيُنظّم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، متانة سوق الفنّ الراقية، التي ظلّ فيها هواة الاقتناء يتنافسون على الأعمال النادرة المرموقة، من دون أن تثنيهم حالة عدم اليقين الاقتصادي السائدة.

وتُعدّ لوحة «شاتينييه إن فلور» أو «أشجار الكستناء المزهرة»، التي رُسمت في مايو (أيار) 1890، من أبرز أعمال الفنان الهولندي في أيامه الأخيرة في قرية أوفير سور واز الفرنسية، التي لفظ فيها أنفاسه بعد نحو شهرين، وهو في الـ37 من عمره.

واللوحة على وشك تسجيل رقم قياسي جديد في المزادات لأعمال فان غوخ، وفق سكوت نيشيل من قسم الفنّ الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بنيويورك.

في اللوحة ربيعٌ لا يشبه خريف صاحبها (رويترز)

وقال: «هذا عمل يتجلّى فيه تفاؤل استثنائي وطاقة محمومة وحماسة وشغف وألوان زاخرة في مسيرة الفنان الإبداعية».

واللوحات التي أنجزها فان غوخ في مرحلة «أوفير سور واز» الأخيرة، بُعيد خروجه من مصحّة للأمراض النفسية في «سان ريمي دو بروفانس»، نادراً ما تُطرح في المزادات، وسيستقطب هذا الحدث اهتمام هواة الاقتناء والمتاحف والمستثمرين.

وقالت عاشقة الفن البالغة من العمر 50 عاماً، لي شانشان، التي قطعت نحو ساعتين ونصف الساعة قادمةً من مدينة شنتشن الجنوبية لمشاهدة اللوحة: «لم أسمع بهذه اللوحة من قبل، فأردت أن أراها بعيني».

وستُباع اللوحة، التي تُصوّر شجرة كستناء ضخمة مزهرة بتاجٍ من الأزهار يهيمن على التكوين بأسره، ضمن مجموعة من 12 لوحة طال غيابها عن الأنظار، تضمّ أعمالاً لبول سيزان وكلود مونيه.

وشملت الأعمال الخمسة التي كُشف عنها في دار «سوذبيز» بلندن أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي لوحة «هارلكين» للفنان سيزان، ولوحة «حديقة التويلري» للفنان مونيه.

وبعد رحيل فان غوخ في يوليو (تموز) 1890، انتقلت لوحة «شاتينييه إن فلور» إلى شقيقه ثيو، ثم إلى أرملة الأخير يوهانا فان غوخ بونغر وابنهما فنسنت ويليم.

ثم آلت ملكيتها إلى الناشر الألماني صامويل فيشر، مؤسّس دار «إس فيشر فيرلاغ»، قبل أن تنتقل إلى مجموعة جورج «بادي» ديسيلفا، كاتب الأغنيات الأميركي ومنتج الأفلام والمؤسِّس المشارك لشركة «كابيتول ريكوردز».

وعام 1953، اقتنت اللوحة جامعة الأعمال الفنية هارييت هاريس جوناس، التي كانت مجموعتها تحظى بأهمية دفعت متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك إلى تنظيم زيارات لرعاته لمشاهدة أعمالها في شقتها على جادة فيفث أفينيو.

وعام 1975، انتقلت اللوحة إلى عائلة بلاكييه، التي اقتنتها من تاجر الفن وايلدنشتاين.