هل فعلاً أصبحت الجامعات في أميركا «هي العدو»؟

عام دراسي انطلق بمنع التظاهر وتدريبات إلزامية حول «معاداة السامية»

شهدت العشرات من الجامعات في الولايات المتحدة مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين ما أدى إلى اشتباكات مع الشرطة (أ.ف.ب)
شهدت العشرات من الجامعات في الولايات المتحدة مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين ما أدى إلى اشتباكات مع الشرطة (أ.ف.ب)
TT

هل فعلاً أصبحت الجامعات في أميركا «هي العدو»؟

شهدت العشرات من الجامعات في الولايات المتحدة مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين ما أدى إلى اشتباكات مع الشرطة (أ.ف.ب)
شهدت العشرات من الجامعات في الولايات المتحدة مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين ما أدى إلى اشتباكات مع الشرطة (أ.ف.ب)

انطلق العام الدراسي الحالي في جامعة نورثويسترن، حيث كنت أدرّس حتى السنة الماضية، بإعلانات من قبل الإدارة عن قوانين وقواعد جامعية جديدة تم وضعها خلال عطلة الصيف، وتهدف إلى منع تكرار الاحتجاجات الطلابية التي حصلت في الربيع الماضي رفضاً للحرب الإسرائيلية على غزة. وجامعة نورثويسترن جامعة خاصة تقع في ولاية إلينوي وهي من الجامعات الأميركية العريقة. وقد افتتح رئيس الجامعة مايكل تشيل العام الدراسي برسالة إلكترونية إلى أعضاء الهيئة التدريسية والطلاب كتب فيها أن حرية التعبير في الجامعات على أهميّتها «لا يمكن استخدامها حجة لتصرّفات تهدّد جوهر مهمة الجامعة وهو التنوير والمعرفة».

وأعلن الرئيس في رسالته عن تدريبات إلزامية لكل الطلاب، وكذلك الأساتذة والإداريين، حول موضوع «معاداة السامية وأشكال أخرى من الكراهية». ثم أرسلت عميدة الجامعة بدورها رسالة تفصّل فيها القواعد الجديدة، ومنها منع المظاهرات في أوقات انعقاد الصفوف والحلقات الدراسية الليلية، ومنع استعمال مكبّرات الصوت قبل الساعة الخامسة مساء، ومنع الخيم وحصر الملصقات بأماكن معيّنة من حرم الجامعة. وتم توسيع القوانين المتعلّقة بالملكية لتشمل أي مس بأملاك الجامعة. كذلك أدخلت الإدارة تعديلات على ما يعدُّ «تخويفاً أو ترهيباً» ليشمل أي تصرّفات «تؤثر بصورة كبيرة على قدرة أشخاص أو مجموعات على التعلّم، والعمل، أو العيش في بيئة الجامعة».

«كيف نحمي الطلاب من التشدّد في القوانين الجديدة التي تبنّتها جامعات أميركية مختلفة» كان موضع نقاش بين الأساتذة خلال المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للعلوم السياسية في سبتمبر (أيلول) الماضي في فيلادلفيا. واقترح زملاء في جامعة بارنارد في نيويورك مقاطعة تصحيح الامتحانات كنوع من المعارضة ضد التضييق على حرية الطلاب في التعبير.

ضباط شرطة نيويورك عند الأسوار خارج جامعة كولومبيا، السبت 27 أبريل 2024، في نيويورك. بينما يستمر الطلاب المحتجون على الحرب بين إسرائيل وحماس في مواصلة مظاهراتهم في حرم الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة ( ا.ب)

استجواب في الكونغرس

رئيس جامعة نورثويسترن هو واحد من ثلاثة رؤساء جامعات مثلوا في جلسة للكونغرس الأميركي دعتهم إليها لجنة التربية والقوى العاملة برئاسة فيرجينيا فوكس من الحزب الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية أواخر شهر مايو (أيار) الماضي. وتلك هي الجلسة الثالثة التي تعقدها اللجنة لاستجواب رؤساء جامعات أميركية حول ما عدته ارتفاعاً في موجة معاداة السامية في حرم الجامعات الأميركية وسوء تعامل هؤلاء الرؤساء معها.

«حصلتِ على علامة F» (أي راسب)، قالت عضوة الكونغرس الجمهورية إليز ستيفانيك التي تمثل ولاية نيويورك، لرئيس جامعة نورثويسترن وقتها. وسبق لرابطة مكافحة التشهير (Anti-Defamation League)، وهي منظمة غير حكومية، مركزها نيويورك، تعنى بمحاربة المعاداة للسامية وتدعم إسرائيل أن منح علامة الرسوب لجامعة نورثويسترن في أبريل (نيسان) الماضي بسبب الاحتجاجات التي شهدتها الجامعة ضد الحرب على غزة، والتي عدتها المنظمة معادية للسامية لما فيها من شعارات تدعم الانتفاضة وتنتقد الصهيونية، وانتهت باتفاق بين إدارة الجامعة والطلاب، وهو ما عدته الرابطة بمثابة «مكافأة» للمحتجين.

ودعت اللجنة كذلك إلى إزالة الرئيس من منصبه. وقالت فوكس في جلسة الاستماع: «وردتنا تقارير عن أعمال عنف مروعة ومضايقات للطلاب اليهود في حرم جامعتكم». وكانت اللجنة بعثت برسالة إلى رئيس الجامعة ورئيس مجلس أمنائها تفصّل فيها الأحداث التي دفعتها إلى إرسال الدعوة للمثول أمامها، وعلى رأسها قبول إدارة الجامعة بتنازلات لإنهاء الاحتجاج بدلاً من استخدام القوة لنزع الخيم التي نصبها الطّلاب المعارضون. وحسب الاتهامات كان موقع الخيم، المعروف بـ«المنطقة المحرّرة»، مسرحاً لجرائم وأحداث معادية للسامية. وارتكزت الأدلّة في الرسالة على تقارير طلاب يهود أفراد عن مواقف عدوها معادية لهم كيهود. فضمن اللائحة مثلاً أن طالباً يهودياً تعرّض لمضايقات عند وقوفه أمام الخيم شارحاً لعميد الطلاب مخاوفه من الاحتجاج. فوقف طالب كان جالساً إلى جانبه وصار يقول له، حسب الرسالة نفسها: «أنت تقرفني. هل تظن أن انزعاجك الصغير من المظاهرة يهمّني؟ هذا هو هدف الاحتجاج، الهدف هو أن تنزعج قليلاً. ثمة آلاف من الناس يموتون في غزة وكل ما يهمك هو بعض من الأبواق في الصباح؟».

الرئيس السابق دونالد ترمب يتحدث عن احتجاجات الطلاب في الجامعات الأميركية قبيل دخوله إلى قاعة محكمة مانهاتن الاثنين (رويترز)

وتتضمّن لائحة هذه الجرائم التي أوردتها الرسالة الرسمية أن امرأةً ذات شعر أبيض غير تابعة للجامعة حملت يافطة كتب عليها «المقاومة مسموحة حيث يكون احتلال»، مع هاشتاغ «فيضان الأقصى»، وأن أحد المتظاهرين سرق علماً إسرائيلياً وعلماً أميركياً، وأن رئيس الشرطة التابعة للجامعة رفض الدخول إلى الخيم لاستردادهما، إضافة إلى أن تعليمات أرسلت لمهندسي الجامعة بإطفاء نظام الري الآلي للمساحة الخضراء حيث نصبت الخيم، «في ما يبدو أنه حرص على عدم إزعاج المحتجين».

خيمة رمزية... ومساءلة للاستثمارات

وفي 19 أبريل (نيسان)، وبعد 5 أيام من الاحتجاج، أُبرم اتفاق بين الطلاب والإدارة في نورثويسترن ينص على أن الجامعة ستسمح بالاحتجاجات السلمية شرط أن تبقى خيمة واحدة لا غير. وينص الاتفاق أيضاً على إعادة تشكيل اللجنة الاستشارية حول المسؤولية في الاستثمارات لتجيب عن أسئلة حول استثماراتها الحالية، وعلى استضافة أستاذين فلسطينيين لمدّة سنتين من خلال برنامج استضافة أكاديميين من بلدان النزاع استضاف أساتذة من أوكرانيا في السنتين الماضيتين. وأخيراً ينص الاتفاق على تأسيس بيت للطلاب المسلمين والشرق أوسطيين على غرار البيوت المخصصة لليهود والكاثوليك وغيرهم من الطلاب يستخدمونها في الصلاة ولمناسبات ثقافية واجتماعية.

نشطاء وطلاب يحتجون بالقرب من معسكر في ساحة الجامعة بجامعة جورج واشنطن، حيث انضم الناشطون الطلابيون إلى الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة التي بدأت معسكرات لدعوة جامعاتهم إلى سحب العلاقات المالية من إسرائيل( رويترز)

واتّهم الجمهوريون من أعضاء لجنة الكونغرس، رئيس جامعة نورثويسترن، بأنه استسلم للمتظاهرين وكافأهم بدعوته أساتذة فلسطينيين، وسألته ستيفانيك: «ماذا عن الأساتذة الإسرائيليين، هل ستدعوهم أيضاً؟». ووصفت رئيسة اللجنة فيرجينيا فوكس الاتفاق بـ«الجبان» لأنه رضخ لمطالب المحتجين، وطلبت من رئيس الجامعة التعهد بألا تقاطع الجامعة، إسرائيل، ولا تسحب استثماراتها منها، لأن هذا يعدُّ تسييساً لمسائل ماليّة وتقويضاً لسلطة إدارة الجامعة.

الأساتذة «الليبراليون» متهمون من الطرفين!

من جهة أخرى، رفض عدد من الطلّاب المتظاهرين بدورهم الاتفاق معتبرين أن الإدارة لم تتنازل قط فيما يخص الأمور الأساسية، أي المقاطعة وسحب الاستثمارات. فهي قبلت فقط أن تنشر معلومات حول استثماراتها، وبأن تكون أكثر شفافيةً ولكنها لم تتعهد بسحب أي استثمارات محددة. ورأوا في تأسيس بيت للمسلمين جائزة ترضية لا تستجيب للمطالب السياسية للاحتجاجات. ووصفت إحدى طالباتي، وهي من الهند، وكانت تقود الاحتجاجات، الانقسام بين طلاب حول هذه المسائل، وشرحت أن من صوّتوا لقبول الاتفاق، اعتبروا أنه يجنبهم تدخل قوى الأمن والملاحقة القانونية، كما حصل في جامعات أخرى، ومن رفضوه لم يكونوا من الطلاب الفلسطينيين أو العرب بل من الطلاب الأميركيين.

علم فلسطيني معلق على خيمة في مخيم الاحتجاج في جامعة تافتس بميدفورد بولاية ماساتشوستس... وتعد المظاهرات هي الأكثر شمولاً والأطول أمداً التي تهز حرم الجامعات الأميركية منذ احتجاجات حرب فيتنام في الستينات من القرن الماضي (أ.ف.ب)

ووصف هؤلاء الطلاب الأساتذة المكلّفين التواصل بينهم وبين الإدارة بـ«الليبراليين»، وهي كلمة أصبحت ذات دلالة سلبية لدى «الجيل z»، وعدّوهم «عملاء لإدارة الجامعة». وللعلم، فقد أمضى هؤلاء الأساتذة المدافعون عن حق الطلاب في التظاهر، ليلة طويلة في 19 أبريل الماضي محاولين إقناع طلابهم بقبول الاتفاق تجنباً لاستخدام القوة والعنف ضدهم ولإزالة الخيم في اليوم التالي، كما هددت إدارة الجامعة. وتقول أستاذة زميلة: «اعتبرنا الاتفاق أرضية للانطلاق منها وليس سقفاً نهائياً لعملنا».

والسؤال الأكثر تردداً خلال جلسة الاستماع في الكونغرس هو لماذا لم تطرد الجامعات الثلاث طلاباً أكثر وأساتذة أكثر. وكان هو السؤال الذي افتتحت به فوكس الجلسة. وأكّد الرؤساء أنّ عدداً من الطلّاب هم قيد التحقيق، وأنّ أشكال العقاب متنوّعة.

ووصف نائب جمهوري، أحد الأساتذة المدافعين عن المنطقة المحررة في جامعة نورثويسترن، دالاً عليه في صورة للمشهد عرضت خلال الجلسة، بأنّه «بلطجي». والأستاذ، هو ستيفن ثراشر، أستاذ الإعلام، ولم يعد إلى التعليم هذا الفصل، لأن الجامعة علّقت عمله إلى أن ينتهي التحقيق معه. وفي مقابلة له الشهر الماضي مع برنامج «Demcoracy Now» اليساري، قال ثراشر إنّ مبادئ العدالة الاجتماعية نفسها التي كان يطبّقها في ما يتعلّق بقضايا كالعنصرية والكوفيد والمثليين والإيدز، وكانت مصدر إشادة له، ممنوع عليه تطبيقها في ما يتعلّق بفلسطين.

وكذلك افتتحت جامعة كورنيل في نيويورك العام الدراسي بتعليق طالب دكتوراه من بريطانيا، وهو مسلم وأصله من غامبيا. أما جامعة موهلنبرغ في بنسلفانيا فأقالت أستاذة أنثروبولوجيا في شهر مايو (أيار) في أول إقالة لأستاذ من ملاك التعليم الجامعي بسبب دعم فلسطين.

مقاربة مارتن لوثر

في وقت اختتمت فوكس جلسة الكونغرس قائلة لرؤساء الجامعات إنها «متفاجئة بدرجة الازدراء التي عبّرتم عنها حيال اللجنة والطلاب اليهود»، ذكّر النائب الديمقراطي عن ولاية فرجينيا بوبي سكوت بمقاربة مارتن لوثر كينغ للنشاط السياسي، وهي مقاربة استوحاها كينغ من المهاتما غاندي وتقوم على ارتكاب مخالفات للقانون، ومن ثمّ القبول بعواقب ذلك، وهي بذلك تعدُّ مقاربة سلميّة. وأوضح سكوت أنها المقاربة نفسها التي تبنّاها الطلّاب في الجامعات. وقد وصفت طالبتي كيف أن المحتجين في نورثويسترن وزّعوا أنفسهم طوعاً إلى مجموعات مستعدة للتعرض للاعتقال ومجموعات أخرى من طلاب لا يسعون للمواجهة، واتفقوا على لون يرمز لكل مجموعة، وعلى لقب لكم منهم. وكانوا قد استوحوا هذا النوع من التنظيم من الطلاب في جامعة كولومبيا الذين شاركوا زملاءهم في كافة الجامعات الأميركية ملفات تفسّر طرق العمل التنظيمي.

جانب من الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأميركية (أ.ب)

وكان ترمب وصف حملة شرطة نيويورك على طلاب جامعة كولومبيا بأنّها «مشهد جميل»، وتعهّد بترحيل الطلاب الأجانب عند انتخابه. أمّا جيه دي فانس، الذي اختاره ترمب نائباً له في حملة ترشيحه للرئاسة، فكان قال خلال خطابه أمام مؤتمر الجمهوريين في يوليو (تمّوز) الماضي، «أنّ الأساتذة هم العدو»، وذلك نقلاً عن الرئيس الجمهوري الأسبق ريشارد نيكسون.

وكانت مجموعات طلّابيّة ومتموّلون ومراكز دراسات ومثقفون محافظون بدأوا بالتحرك رداً على تناقص قوّتهم بعد الحركات الاحتجاجية اليسارية المدافعة عن حقوق السود أواخر الستّينات. وتعاظم شأن هذا التيار مع وصول ترمب للسلطة رداً أيضاً على حركة «حياة السود مهمة» التي بدأت سنة 2020. وهذه المجموعات تتهم الجامعات، هي أيضاً، بـ«الليبرالية» وتعدُّ أنها تفتقر إلى تمثيل كافٍ من الأساتذة اليمينيين وأصحاب الأفكار المحافظة. وبدأت بالفعل بتمويل كليات مهنية كالطب والحقوق وإدارة الأعمال وأصبحت ترسخ نفوذها في الجامعات.

استثمارات الجامعات تصب في الأسلحة

أما استثمارات الجامعات فهي تصب، كاستثمارات منظمات عديدة أخرى في الولايات المتحدة، في شركات كـ«بوينغ» و«بلاكستون» و«جينيرال ديناميكس»، وهي شركات تمد إسرائيل بالأسلحة وبأشكال أخرى من الدعم. وتدار هذه الاستثمارات من خلال مكتب مخصص لها ومن خلال مجلس الأمناء ومجلس الأمناء هو الذي يعيّن رئيس الجامعة. فيصير رئيس الجامعة بذلك محكوماً باعتبارات مالية فيما هو أيضاً يدير الأهداف التعليمية للجامعة.

وقالت النائبة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان، هايلي ستيفنز، خلال مداخلتها في جلسة الكونغرس: «إننا نعرف تكلفة الدخول إلى جامعاتكم، هي تكلفة لا تصدق. هذا ما علينا التركيز عليه، وليس هذا الجدل المصطنع عن العدالة بينما أنتم فعلياً تدّعونها فقط»، مشيرةً إلى موقف الجمهوريين في لجنة التربية العام الماضي حيال الموارد المخصصة لقضايا الصحة النفسية، وكيف صّوتوا جميعهم على حرمان الطلاب المثليين منها.

وفيما تستفيد الجامعات الحكومية في الولايات المتحدة من التمويل من الحكومة الفيدرالية، ومن الولاية نفسها، تستفيد الجامعات الخاصة كنورثويسترن، مثلها مثل الجامعات الحكومية، من تمويل تحت برنامج «Title VI»، وهو برنامج نشأ كجزء من قانون الحقوق المدنية سنة 1964، ويمنع التمييز في التعليم ويمنح دعماً لبرامج دراسة اللغات ولأقسام في علوم الإنسانيات تعنى بدراسة المناطق والثقافات حول العالم. وهذا البرنامج هو ما ذكره أعضاء الكونغرس كأساس لمحاسبتهم رؤساء الجامعات حول استخدامهم الأموال المحصلة من الضرائب التي يدفعها المواطنون الأميركيون وحول امتثالهم لقوانين منع التمييز على أساس الديانة.

الأساتذة يرفضون قمع الحريات

وجه فرع نورثويسترن للجمعية الأميركية للأساتذة الجامعيين رسالة للإدارة رفضاً للتغيير الذي أدخله رئيسها على قواعد سلوك الطلاب عقب بدء الحركة الاحتجاجية، عاداً في ذلك «تصعيداً دراماتيكياً في قمع حرية التعبير والبيئة الأكاديمية»، فيما دافع رئيس الجامعة تشيل عن سياسته ووصفها بـ«الحيادية». وحسب الأساتذة الموقعين على الرسالة لم يستشر الرئيس ممثلي الأساتذة واللجنة الاستشارية حول حرية التعبير والخطاب المؤسسي، والذي كان الرئيس نفسه شكّلها في شهر فبراير (شباط). وأتى تشكيل هذه اللجنة على أثر بدء تحقيق لجنة الكونغرس الأميركي في أحداث معاداة السامية. واعترض حوالي مائتي أستاذ على تركيزه على معاداة السامية دون ذكر ما يتعرض له الطلاب المسلمون والفلسطينيون والعرب من تنكيل أو ذكر العنف التي ترتكبه إسرائيل في غزة، وكانوا قد وجهوا رسالة إليه بهذا الصدد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي.

وإثر دعوة رابطة مكافحة التشهير إلى إزاحة رئيس الجامعة من منصبه، وقّع الأساتذة في أوّل شهر مايو (أيار) رسالة أخرى رفعوها إلى أمناء الجامعة يعبرون فيها عن رفضهم تعيين رئيس جديد قد يتعامل مع الطلاب بعنف أكبر. وعدّت الجمعية الأميركية للأساتذة الجامعيين أنه يجب عدم إقالة أي رئيس جامعة من دون تصويت ممثلي الأساتذة.

وأصدر رئيس الجمعية بياناً في شهر أغسطس (آب) أدان فيه مشروع ترمب وفانس الذي يقضي بالتضييق على حرية التعبير في الجامعات وتقويض استقلاليتها، عاداً أنّ اللحظة الحالية حاسمة في ما يتعلّق بمستقبل التعليم العالي الذي يشكل أساس الديمقراطية الأميركية. الجامعات ليست العدو، العدو هم الفاشيون، يقول البيان ويضيف، حان وقت النضال.


مقالات ذات صلة

تنديد في السويداء بتضامن أتباع الهجري مع إسرائيل في ذكرى 7 أكتوبر

خاص مسيرة في السويداء لمجموعة مؤيدة لحكمت الهجري تضامناً مع الاحتلال الإسرائيلي في أحداث 7 أكتوبر (مواقع موالية للهجري)

تنديد في السويداء بتضامن أتباع الهجري مع إسرائيل في ذكرى 7 أكتوبر

تشكل «لجنة الطوارئ الدرزية» تيارا بديلا يفاوض الحكومة السورية.. وتوافق شبه كامل على المسائل السياسية والاجتماعية والسيادية عدا الأمنية التي ستتعامل مع «الزعران»

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي صورة التقطت بالأقمار الصناعية تظهر الدمار في مدينة غزة شمال القطاع (أ.ف.ب)

حقائق وأرقام... كيف أصبحت غزة وأهلها بعد 3 سنوات من الحرب؟

تكشف أرقام وبيانات حكومية وأهلية ودولية وجوه المعاناة المستمرة التي يكابدها سكان غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع قبل 3 سنوات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون يحملون جثمان الفلسطيني علي البزاري في مستشفى رفيديا بمدينة نابلس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني في هجوم شنه مستوطنون بالضفة الغربية

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون وجنود إسرائيليون على مزارعين في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي خيام مؤقتة لفلسطينيين نازحين بمحاذاة مبانٍ مدمرة في مدينة غزة يوم 7 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب) p-circle

4 قتلى في غارات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل أربعة فلسطينيين أحدهم متطوع في الدفاع المدني الأربعاء بغارات إسرائيلية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي إسرائيليون يقرأون من سفر ديني في موقف سيارات تحت الأرض يُستخدم كملجأ - مارس 2026 (رويترز)

نحو مليون إسرائيلي طلبوا المساعدة النفسية منذ هجوم «7 أكتوبر»

نحو مليون إسرائيلي اتصلوا طلباً للمساعدة النفسية منذ السابع من أكتوبر 2023.

كفاح زبون (رام الله)

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».


آيزنكوت... القائد «المستقيم كالمسطرة» الذي أنقذ نتنياهو فانقض عليه

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

آيزنكوت... القائد «المستقيم كالمسطرة» الذي أنقذ نتنياهو فانقض عليه

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)

عندما قرر غادي آيزنكوت التقدم إلى الجمهور الإسرائيلي طالباً الثقة لانتخابه رئيساً للحكومة، شعر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بأنه وقع في ورطة؛ فهو أمام شخصية مختلفة عن منافسيه السابقين، نفتالي بنيت ويائير لبيد وتسبي لفني وحتى شمعون بيرس وإيهود باراك.

فالمنافس الجديد، آيزنكوت، ليس فقط رئيساً لأركان الجيش ذا رصيد عسكري كبير، وإنما يتمتع أيضاً بصفات شخصية مميزة. فهو النقيض التام لنتنياهو. المحللون الإسرائيليون يعتبرونه «مستقيماً كالمسطرة»، ولهذا قام رفاقه بتسمية حزبهم الجديد «حزب يشار» (أي مستقيم). فهو إنسان خلوق، لا يشتم ولا يدير ألاعيب ولا يحارب الصحافة ولا يشارك في مؤامرات. يقال إنه مبني من طينة أخرى مختلفة عن طينة السياسيين الجدد في إسرائيل. ويشبهه البعض بإسحاق رابين.

غادي آيزنكوت يزور موقع مهرجان «نوفا» الموسيقي في رعيم، حيث تجمع مشيعون لإحياء الذكرى الثالثة لهجوم «حماس» في 7 أكتوبر

نقيض نتنياهو

ليس آيزنكوت رجل معارضة تقليدياً؛ فعندما بوغتت إسرائيل بهجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وعاشت صدمة نفسية، تقدم آيزنكوت من نتنياهو، حاملاً حبل النجاة. وبدلاً من دفعه إلى الاستقالة بسبب الإخفاق الكبير، جاءه الجنرالان آيزنكوت وبيني غانتس، مساندين، وانضما إلى حكومته بعد 4 أيام من الكارثة ووضعا بين يديه خبرتهما وجرأتهما على تنفيذ حرب انتقامية.

كذلك، ليس آيزنكوت من القادة الذين يمكنك إيجاد ثغرات ومباذل في حياته، لينجح خصومه في استغلالها ضده في المعركة. فحياته متواضعة. زوجته بعيدة جداً عن الأضواء. لا يُعرف بالتبذير والجشع والطمع. ولا يقبل الهدايا.

وهو ليس من شريحة النخبة الأشكنازية، التي حكمت وما زالت تحكم إسرائيل منذ نشأتها. بل ينحدر من عائلة ذات جذور مغربية. ويعتز بذلك.

وليس هذا فحسب، بل إن آيزنكوت، أب ثاكل، قبل سنتين فقط قُتل ابنه في الحرب في غزة وقُتل أيضاً ابن شقيقه وابن شقيقته.

فكيف يدير نتنياهو معركته الانتخابية ضد شخصية كهذه؟ كيف يعاديه، وهو الذي وقف إلى جانبه وسانده في أحرج الأوقات؟

لكن هذه الأسئلة المشروعة جداً، تبدو ساذجة أمام شخصية كنتنياهو. فهو يريد أن يربح الانتخابات، بأي ثمن، ولذلك يدير معركته الانتخابية بلا رحمة، وينسف كل ما يقال في مديح آيزنكوت ويخترع له صفات وتصريحات وممارسات.

على سبيل المثال، في المسلسل الذي نشرته القناة «14» التابعة لنتنياهو، وعنوانه «آيزنكوت» ويهدف إلى تحطيم هيبة الرجل وشخصيته، يقول موطي كاستيل، المراسل السياسي: «غادي آيزنكوت هو رجل يسار، وأنا تحدثت أيضاً مع أشخاص كثيرين كانوا في الكابينت. عندما كانت هناك قرارات صعبة على الطاولة، قالوا لي: (غادي آيزنكوت، يفكر مثل اليسار ويقول رأيه). غادي آيزنكوت هو دبدوب محبوب ومدلل، ولطيف، على الأقل في مظهره وهيئته. ولا يصلح رئيس حكومة في دولة ملتهبة بالحروب».

ويضيف: «آيزنكوت ليس رجل يسار عادياً، بل هو في اليسار عميق جداً. عندما اقتربت فتاة فلسطينية تحمل مقصاً من مجموعة جنود، أمر بألا يطلقوا عليها الرصاص. وقال: إذا كانت هناك فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً، تمسك مقصاً أو سكيناً، وهناك حاجز بينها وبين الجنود، لا أقبل أن يفتح جندي النار ويفرغ مخزن ذخيرة على فتاة كهذه، حتى لو كانت تقوم بفعل خطير جداً. وعندما أطلقت حماس علينا 500 صاروخ، قال مبرراً عدم الرد بحرب: (إذا كنا، مقابل كل صاروخ يُطلق، ندخل في حرب، فسنصل إلى حرب المائة عام). هل هذا قائد؟ إنه شخص يمكن تشكيله مثل لعبة بلاي ستيشين. يمكن أن يقرروا بالنيابة عنه ماذا يقول، ويمكن أن يقرروا بالنيابة عنه ماذا يفعل. أعتقد أن إيهود باراك يقف وراءه. يراه اليوم كمن يستطيع إسقاط نتنياهو وسحب القيادة والحكومة في إسرائيل إلى المكان الأكثر يسارية، إلى المكان الأكثر ليبرالية، إلى المكان الأكثر تقدمية. نعم، لديه أسس كهذه، نعم، هو ملتزم تجاه أولئك الأشخاص».

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)

موقع دفاعي

من الواضح أن حملة نتنياهو الانتخابية تعتمد على توجيه سلسلة اتهامات، ليس مهماً إن كانت صادقة أو تعتمد على الأكاذيب، ضد آيزنكوت لأن هدفه هو تقويض صورته أمام الناس. ولكن هذا تكتيك معروف في الحملات الانتخابية. فهو يريد أن ينشغل آيزنكوت في عملية دفاع عن النفس بشكل متواصل. لا يريد له أن يتنفس.

نتنياهو، الذي يشغل منصب رئيس حكومة، ومن هذا الباب يفترض أنه هو الذي يجلس في قفص الاتهام ويتعرض للنقد والهجوم، لا يترك مجالاً لآيزنكوت ويبقيه في حالة تفسير وتبرير ودفاع عن النفس. وقد نجح في ذلك. فمن يدخل إلى موقع آيزنكوت في الشبكات الاجتماعية، يجد نفسه أمام عنوان كبير: «10 أكاذيب». وفيها يدافع عن نفسه أمام مسلسل الأكاذيب الذي تضمنته حملة نتنياهو.

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق يصل إلى موقع مهرجان نوفا الموسيقي لإحياء الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر (رويترز)

وفي مضمون هذه الدعاية، يبدو واضحاً أن آيزنكوت يقع في مطب الحملة، فيحاول البرهنة على أنه هو اليمين الليبرالي الحقيقي. نتنياهو يتهمه بأنه سيقيم حكومة تستند إلى الأحزاب العربية، فيقول إنه بعد 7 أكتوبر لن يقيم حكومة مع العرب. يتهمه بأنه يؤيد قيام دولة فلسطينية، فيرد آيزنكوت بأنه لم يقل في حياته ولو مرة واحدة إنه يؤيد دولة كهذه، ويشير إلى أن نتنياهو هو الذي كان قد أعلن عن تأييده لحل الدولتين. يتهمه بأنه صاحب نظرية تقليص الجيش، «جيش صغير وحكيم»، التي جعلته «جيشاً كبيراً وغبياً»، فيحاول آيزنكوت أن يثبت أنه هو الذي أغلق وحدات عسكرية مبذرة وغير ضرورية وأقام وحدة كوماندوس تعمل بعيداً وراء الحدود. ويتهمه نتنياهو بأنه صاحب نظرية تجنب الحرب على الإرهاب، فيرد بأنه هو الذي أجهض الانتفاضة الثانية، عندما كان قائداً للجيش في الضفة الغربية، وهو الذي طبع في التاريخ «سياسة الضاحية»، عندما نفذ الغارات التي دمرت الضاحية الجنوبية في بيروت سنة 2006.

ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

والمشكلة الأكبر أن آيزنكوت لا يدير معركته ضد نتنياهو الخصم، بل أيضاً في مواجهة حلفائه، نفتالي بنيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان. فالمفترض أنهم معاً، يريدون إسقاط نتنياهو، لأنه المسؤول عن أكبر إخفاق أمني واستراتيجي في تاريخ إسرائيل. لكنهم يقولون صراحة إنهم لا يثقون بقيادة آيزنكوت للمعسكر البديل، مع أنه يحصل على أعلى عدد من المقاعد في الاستطلاعات. وقد اقترح عليهم حلاً واقعياً متواضعاً يقول فيه: «تعالوا نتفق على أن من يحصل على أكبر عدد من المقاعد يصبح مرشحاً باسمنا جميعاً لرئاسة الحكومة». لكنهم رفضوا، وكل منهم يطالب بأن يتولى هو منصب رئيس الحكومة. ويمنحه الاستطلاع الأخير 22 مقعداً، مقابل 13 لبنيت ولبيد و9 مقاعد لليبرمان.

من هنا فإن آيزنكوت، الذي كان في 7 أكتوبر نائباً في المعارضة، وهبّ لنجدة الحكومة من الانهيار، وأسهم في تحويل إسرائيل من دولة مصعوقة ومصدومة إلى دولة تحارب بجنون ضد الفلسطينيين، ودفع بذلك ثمناً باهظاً بشكل شخصي؛ إذ خسر ابنه وابن أخته وابن أخيه، ويضع هو وحزبه خطة لجعل إسرائيل دولة طبيعية تنهي الحروب باتفاقيات سياسية وتحسّن مكانتها في العالم، يجد نفسه اليوم في قفص الاتهام أمام نتنياهو. وتراه يحارب لكي يتذكر الناس صفاته التي جعلته لفترة طويلة شخصية محبوبة. ويحاول أن يثبت أنه ليس «دبدوباً محبوباً ومدللاً»، وليس «شخصاً يمكن تشكيله مثل لعبة بلاي ستيشين»، بل قائد يمارس واجباً وطنياً لإنقاذ إسرائيل من نفسها. وما من شك في أنها معركة صعبة ونجاحها ليس مضموناً بالضرورة.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً


نتنياهو «المتنصّل من مسؤولياته» يقارع لعنات 7 أكتوبر

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو «المتنصّل من مسؤولياته» يقارع لعنات 7 أكتوبر

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)

لو كان بمقدور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يمحو تاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) من الروزنامة، ويشطبه من التاريخ، لما تأخر لحظة واحدة. فقد بدأ هذا التاريخ كلعنة، قلبت حياته ومفاهيم كثيرة من حوله، ومع تكرارها سنة تلو الأخرى تحول إلى مجموعة لعنات متراكمة، يحتاج إلى أعجوبة إلهية للتخلص منها.

ففي ذلك اليوم، قبل ثلاث سنوات، سقطت السماء على رأسه. عندما أيقظوه من النوم، في الساعة السادسة وأربعين دقيقة، أي بعد 11 دقيقة من انطلاق هجوم «حماس» على البلدات والمواقع العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، وأخبروه بالحدث، لم يستوعب ما حصل. وعندما أطلعوه على التفاصيل الأولية، بأن «هناك عدداً كبيراً من القتلى والجرحى والمخطوفين إلى غزة»، أصيب بصدمة نفسية. وفي شهادات نشرها بن كسبيت، الكاتب في صحيفة «معاريف»، قال مقربون ممن شاهدوه عن قرب في تلك الساعات، إن «فكّ نتنياهو السفلي بدا ساحلاً، ووجهه شاحباً وكلامه قليلاً وشيء من الهوس والهذيان مسّ تصرفاته: «لماذا فعلوا ذلك؟»، تساءل وقصد بسؤاله قادة «حماس».

وحتى غادي آيزنكوت، الذي التقى نتنياهو بعد أربعة أيام من الهجوم، شهد بأنه رآه محبطاً ومذهولاً.

عضو من «مجلس أكتوبر» وهو تجمع عائلات الضحايا المطالبين بتحقيق مستقل في الفشل الحكومي يرفع صورة مركّبة لنتنياهو أمام الكنيست الإسرائيلي (رويترز)

تفرّغ لـ«محو غزّة»

عملياً، ترك نتنياهو إدارة شؤون الدولة في موضوع صد الهجوم والرد الانتقامي عليه إلى الجيش وبقية أجهزة الأمن، والمواقف التي أعلنها لدى ظهوره للإعلام كانت ترداداً ببغائياً لما كان يسمعه من هؤلاء القادة. وكشف رئيس أركان الجيش يومها، هيرتسي هليفي، عن أنه حالما همَّ بمغادرة البيت في السادسة والنصف صباحاً، سألته زوجته: إلى أين؟ فأجابها: «إلى محو غزة عن بكرة أبيها». وتحولت هذه المقولة إلى خطة عمل، ثم عقيدة عسكرية جديدة للجيش وللدولة العبرية برمتها. وراح نتنياهو يترجمها إلى لغة سياسية.

لكن ردود الفعل الأولى، كانت، بحسب تحقيق نشرته إيلانا ديان، في برنامج «عوفدا» في القناة الـ12 للتلفزيون الإسرائيلي، كانت فزعة، وبيَّنت أن همه الأول الآن التنصل من المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر. واقتبست كلام مساعده أليعيزر فلدشتاين، الذي وصف حالة نتنياهو في الأيام الأولى للهجوم بمظهر «المذعور» و«المحبط جداً»، وبدلاً من التركيز على الجانب الاستراتيجي الشامل للحدث ووضع توجيهات ملائمة، أوكل إلى فريقه الإعلامي «المهمة الأولى والمباشرة» وهي: وضع خطة فورية لكبح العاصفة الإعلامية والتهرب من المسؤولية السياسية، متسائلاً بضيق عما إذا كانت الأخبار لا تزال تتحدث عن مسؤوليته الشخصية عن الفشل.

لحظة اليقظة

يؤكد المتابعون الكثيرون لشخصية نتنياهو أن ما أيقظه من إحباطه الشخصي هو الإحباط الذي لمسه لدى فريقه والوزراء المقربين منه، فتحول إلى أسد كاسر. وليس صدفة أنه تحمس لتسمية الحربين على إيران، «شعب كالأسد» و«زئير الأسد». فهو يعتبر نفسه «سيد الأمن» في إسرائيل. وقد خاف أن يكتشف الجمهور حالة الوهن التي ألمت به وبفريقه فيطالب بإطاحته. وراح يصيح فيهم: «اخرجوا من هذه النفسية. اقرأوا ما يكتبون عنا (ويقصد - «عني») وردوا عليهم. تكتب هنا أمور فظيعة، بدلاً من اتهام الجيش والمخابرات».

ومن هنا، أصبح الخط السياسي للحكومة توجيه الاتهام للقيادات العسكرية بأنها نامت في الحراسة ولم تقم بواجبها في جمع معلومات استخبارية وإحباط «حماس» قبل أن تتمكن من الهجوم. وقد حاولت الأجهزة الأمنية الدفاع عن نفسها، فاعترفت بجزء من المسؤولية وأجرت تحقيقات داخلية وعاقبت بعض المسؤولين واستقال جميع قادة هذه الأجهزة، هليفي في الجيش، ورونين بار قائد المخابرات العامة، وديدي برنياع رئيس الموساد، وعشرات الجنرالات الآخرين.

في الشارع الإسرائيلي، توجد قناعة بأن الجيش وبقية أجهزة الأمن فعلاً يتحملون مسؤولية عن الإخفاق، لكنهم يريدون أيضاً أن يتحمل نتنياهو مسؤولية عنها. لكنه يرفض. وليس هذا فحسب، بل يرفض حتى تشكيل لجنة تحقيق رسمية بقيادة قاض للتحقيق فيما جرى. ويصر على أنه «القائد الملهم، الذي حبا الله شعب إسرائيل به في الوقت المناسب»، كما قالت زوجته في عدة لقاءات إعلامية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة في إحياء ذكرى ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس (أ.ب)

سبات عميق

اليوم، يرى نتنياهو أن الانتخابات العامة المقررة ليوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، مصيرية ليس للشعب في إسرائيل كما يقولون في الحلبة السياسية والإعلام، بل له شخصياً. والسابع من أكتوبر هو العنوان. فعلى الرغم من كل محاولاته لتجاوزه، يصر خصومه الكثيرون، في السياسة والإعلام والأكاديميا والدولة العميقة على تذكير الجمهور بهذا التاريخ.

وقد رضخ لإرادتهم وراح يتعامل مع اتهاماتهم. فيقول: «لو أيقظوني قبل نصف ساعة لكانت النتيجة مختلفة». ويكتب بن كسبيت عن ذلك في 8 من سبتمبر (أيلول) 2026: «اليوم، بعد ثلاث سنوات يتجرأ على أن يقول: (لو كانوا أيقظوني لبدا هذا مختلفاً تماماً). لكن واقعياً، يمكن القول إنهم لو كانوا أيقظوه فعلاً في تلك الليلة، لما حصل شيء. ولا أي شيء».

ليس صعباً الوصول إلى هذا الاستنتاج. لشدة الأسف، ما كان أحد ليوقظه في الليل ويقول له إن «حماس» تعتزم بدء هجوم غير مسبوق على الجنوب، وأن 6 آلاف مخرب سيجتازون العائق ويحتلون بلدات وقواعد. لكنهم، للأسف، لم يعرفوا ذلك. كان فشلاً استخبارياً وعملياتياً غير مسبوق. كل المسؤولين عنه أخذوا المسؤولية على أنفسهم واستقالوا.

وهم في الحقيقة حاولوا إيقاظه على مدى أسابيع وأشهر. من لم يحذره؟ رئيس الأركان حاول أن يحذره، لكنه لم يرغب في أن يسمع. رئيس شعبة الاستخبارات «أمان» بعث له بثلاث رسائل وهو لم يرغب في أن يقرأها («توجد في هذا مبالغة»، قال لينون مغيل). أفيغدور ليبرمان حذره، يائير لبيد حذره. وزير دفاعه، يوآف غالانت حاول أن يوقظه. غادي آيزنكوت بعث له بكتاب، وقال إن الوضع أخطر مما كان عشية حرب يوم الغفران. لم يجدِ أي شيء نفعاً. الآن هو يشكو من أنهم لم يوقظوه في ذلك الصباح. لا يوجد جرس إنذار لم يُفعّل. أما هو فلم يرغب في أن يستيقظ.

مزارع فلسطيني يقف في كرم زيتون يملكه فلسطينيون في بلدة الرنتس قرب رام الله وبدت خلفه لافتات انتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

عثرة «انتخابات مصيرية»

يؤمن نتنياهو بأنه سيقنع الناخبين بوجهة نظره ويفوز في الانتخابات. يقول لنفسه ولفريقه: «يجب أن أفوز في الانتخابات. لا ينفع ألا أفوز. لا يجوز. هذا خطير جداً». ويقصد بأن خسارته في الانتخابات سيكون مردودها الأول إقامة لجنة تحقيق رسمية. وهو أكثر من غيره ومن المحققين يعرف بأن تحقيقاً نزيهاً سيكشف عن أنه متورط حتى النخاع في الإخفاق. فهو الذي فرض على أجهزة الأمن قبول منح ملايين الدولارات بالحقائب إلى حركة «حماس»، وهو الذي كان يقول إن «(حماس) تعتبر كنزاً. بواسطتها وبإبقائها قوية نمنع إقامة دولة فلسطينية»، لا بل إنه أقنع أشد المتطرفين في حكومته بهذه النظرية، الوزير بتسلئيل سموتريتش.

فإذا سقط عن الحكم فستكون أمامه محاكمة الفساد الجارية حالياً، ومحاكمة فساد أخرى تتعلق بالغواصات على الطريق، وربما تضاف محاكمة ثالثة عن دوره في إخفاقات 7 أكتوبر، ويكون مصيره السجن. لذلك. سيعمل نتنياهو كل شيء في سبيل منع هذا الخطر، حتى لو كان ذلك حرباً تؤجل الانتخابات.