«تقنيات السكري»... الأحدث ليس دائماً الأنسب

اختيار الجهاز يبدأ من المريض لا من التقنية

مريض بالسكري يراقب مستوى الغلوموز بمجس المتروني وتطبيق هاتفي
مريض بالسكري يراقب مستوى الغلوموز بمجس المتروني وتطبيق هاتفي
TT

«تقنيات السكري»... الأحدث ليس دائماً الأنسب

مريض بالسكري يراقب مستوى الغلوموز بمجس المتروني وتطبيق هاتفي
مريض بالسكري يراقب مستوى الغلوموز بمجس المتروني وتطبيق هاتفي

أتاحت التطورات المتسارعة في تقنيات السكري للمريض خيارات لم تكن متاحة من قبل، من المراقبة المستمرة للغلوكوز، إلى التطبيقات، والمنصات الرقمية التي تساعده وفريقه الطبي على متابعة المرض، واتخاذ القرارات العلاجية. لكن أمام هذا التنوع يبرز سؤال مهم: هل التقنية الأحدث هي بالضرورة الأفضل لكل مريض؟

يجيب عن هذا السؤال أحد المتخصصين في تقنيات السكري، الدكتور محمد المهذل، المدير الطبي ورئيس قسم تقنية السكري بمدينة الملك فهد الطبية، واستشاري الغدد الصماء والسكري وزراعة خلايا البنكرياس، مؤكداً أن الاختيار لا ينبغي أن تحكمه حداثة الجهاز، أو شهرته، بل مدى ملاءمته للمريض؛ فنوع السكري، والعمر، ونمط الحياة، والخطة العلاجية، والقدرة على استخدام التقنية، والاستمرار عليها، وحتى تكلفتها، وإمكانية الحصول عليها، كلها عوامل قد تجعل ما يناسب شخصاً غير مناسب لآخر. ومن هنا تتغير المعادلة: ينبغي أن تتناسب تقنية السكري مع المريض، وليس العكس.

الدكتور محمد المهذل

من وخز الإصبع إلى المراقبة المستمرة

انتقلت رعاية السكري من القياسات المتفرقة بوخز الإصبع، وحقن الإنسولين التقليدية إلى تقنيات أكثر تطوراً، في مقدمتها المراقبة المستمرة للغلوكوز (CGM)، إلى جانب التطبيقات والمنصات الرقمية لمتابعة البيانات.

ويوضح المهذل أن أهمية هذا التطور تكمن في توفير صورة أشمل عن أنماط الغلوكوز، وتغيراته اليومية، بما يساعد المريض على فهم تأثير الغذاء، والنشاط البدني، والعلاج، والتعامل بصورة أفضل مع تغيرات السكر اليومية. وتعكس التقنيات التي وصلت حديثاً إلى المملكة هذا التطور، ومنها نظام FreeStyle Libre 3 Plus من شركة «أبوت»، بمستشعر يمتد استخدامه إلى 15 يوماً، ويوفر قراءات للغلوكوز كل دقيقة.

ويرى المهذل أن أثر هذه التقنيات لا يقتصر على متابعة مستويات السكر؛ فهي تساعد على تقليل نوبات الانخفاض، والارتفاع، والتذبذب، وتوفر معلومات تساعد المريض وفريقه الطبي في اتخاذ القرار. كما قد تخفف شيئاً من العبء اليومي لإدارة المرض. كما أسهمت التطبيقات والمنصات الرقمية في تسهيل مشاركة البيانات، والمتابعة عن بُعد، والتواصل مع الفريق الطبي، بما يدعم تعديل الخطة العلاجية بصورة أكثر دقة، واستمرارية.

• لا توجد تقنية واحدة للجميع. يؤكد المهذل أنه لا توجد تقنية واحدة هي الخيار الأفضل لجميع المرضى، حتى لمن يتشابهون في نوع السكري، والعمر؛ فالاختيار يتأثر بالخطة العلاجية، وخطر انخفاض السكر، ونمط الحياة، والقدرة على استخدام التقنية، والاستمرار عليها، ورغبات المريض، والدعم الأسري. لذلك ينبغي أن يكون الاختيار قراراً مشتركاً بين الطبيب والمريض. وقد يحضر إلى العيادة ثلاثة مرضى بالسكري من النوع الأول، ومتقاربون في العمر، ومع ذلك يوصي الطبيب لكل منهم بتقنية مختلفة؛ لأن تشابه التشخيص لا يعني تشابه الاحتياجات.

وتختلف الأولويات أيضاً باختلاف المرحلة العمرية. ففي الأطفال قد تُفضل التقنيات التي توفر التنبيهات، والمتابعة عن بُعد، وإشراف الوالدين، والمدرسة، مع مراعاة الأعمار المعتمدة تنظيمياً. أما كبار السن، فتراعى لديهم بساطة التقنية، ووضوح الشاشة، والتنبيهات، إلى جانب النظر، والسمع، والقدرات الإدراكية، والمهارية، وخطر انخفاض السكر، والحاجة إلى مقدم للرعاية.

وخلال الحمل تحتاج المرأة إلى مراقبة دقيقة لتحقيق أهداف الغلوكوز المطلوبة، وقد تستفيد من الحساسات المرخصة للاستخدام أثناء الحمل. كما تؤثر طبيعة العمل، والنشاط الرياضي، والسفر، ومواعيد النوم، والوجبات في اختيار التقنية الأنسب.

ولا تتوقف الملاءمة عند الحالة الصحية، ونمط الحياة؛ إذ ينبغي تقييم استعداد المريض للتعلم، والتعامل مع التنبيهات، وإدخال البيانات، وارتداء الجهاز بانتظام. فاستمرار الاستخدام، وفق المهذل، شرط لتحقيق الفائدة من التقنية، وتحويل بياناتها إلى قرارات يومية مفيدة.

•النوع الأول ليس كالثاني. تُعد المراقبة المستمرة للغلوكوز مفيدة جداً للمصابين بالسكري من النوع الأول؛ إذ تساعد، وفق المهذل، على تحسين مستويات السكر، وتقليل الانخفاض، والارتفاع، والتذبذب، وفهم الأنماط اليومية للغلوكوز.

أما في النوع الثاني، فيعتمد الاختيار على طبيعة العلاج، وتزداد أهمية التقنية مع استخدام الإنسولين، أو تكرُّر انخفاض السكر، أو الحاجة إلى فهم تأثير الغذاء والنشاط البدني في الغلوكوز.

ويرى المهذل أن نطاق الاستفادة منها أوسع من ذلك، ولا سيما لدى مستخدمي الإنسولين، والنساء خلال الحمل، ومن يعانون نوبات انخفاض السكر المتكررة، أو غير المحسوسة، أو تقلبات كبيرة في مستوياته. وكذلك لدى من يحتاجون إلى تحسين التحكم بالسكري، أو فهم أثر الغذاء، والنشاط البدني، والأدوية بصورة أدق، أو تتطلب حالتهم مراقبة متواصلة. وفي جميع هذه الحالات لا تتحقق الاستفادة بمجرد ارتداء الجهاز؛ بل تتطلب استخدامه بانتظام، وفهم البيانات، واتجاهاتها، ومراجعتها، والاستفادة منها بالتعاون مع الفريق الطبي.

التقنية: فوائد وإشكالات

•المجس الإلكتروني لا يعني الشفاء. من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن استخدام مجس الغلوكوز يعني الشفاء من السكري، أو الاستغناء عن المتابعة. فالتقنية تسهّل إدارة المرض، لكنها لا تلغي دور المريض، أو الحاجة إلى المتابعة، واتخاذ القرارات العلاجية.

كما لا يعني استخدام المجس الاستغناء التام عن وخز الإصبع؛ فقد يظل فحص السكر بالدم مطلوباً في بعض الحالات، مثل عدم توافق الأعراض مع قراءة الحساس، أو عندما يتطلب الجهاز المعايرة.

وفي المقابل، لا تحتاج هذه التقنيات إلى خبرة تقنية عالية، لكنها تتطلب تدريباً أساسياً للمريض أو مقدم الرعاية على تشغيل الجهاز، وفهم القراءات، والتنبيهات، والتعامل مع الأعطال البسيطة؛ فالاستفادة تعتمد على التعليم والدعم المستمرين أكثر من المهارة التقنية المسبقة.

ويشدد المهذل على أن نجاح التقنية يقوم على تكامل بين المريض، والتقنية، والفريق الصحي؛ يبدأ بالاختيار المناسب، ثم الاستخدام الصحيح، وفهم البيانات، وتحويلها إلى قرارات تتعلق بالغذاء، والنشاط البدني، والعلاج. ولذلك تظل مهارات مثل حساب الكربوهيدرات والمتابعة الطبية والتفاعل الصحيح مع القراءات ضرورية، مهما بلغت التقنية من التطور.

• عندما تتحول الأرقام إلى أخطاء. يحذر المهذل من أخطاء قد تحدث رغم توافر التقنية، منها إهمال جرعات الإنسولين مع الطعام، والمبالغة في تصحيح انخفاض السكر، وتكرار الجرعات التصحيحية قبل انتهاء مفعول الإنسولين، وإهمال تغيير مجموعة ضخ الإنسولين المستخدمة مع المضخة عند استمرار ارتفاع السكر، وعدم استجابته للتصحيح، وعدم فحص الكيتونات عند الارتفاع المستمر. ‹

ويمكن الحد منها بالتدريب، والاستجابة المناسبة للتنبيهات، وفحص السكر بالدم عند الشك، وتغيير مواضع الأجهزة دورياً، وفحص الكيتونات عند استمرار الارتفاع، مع الاحتفاظ بخطة بديلة، وأقلام إنسولين احتياطية. ولا يكفي ارتداء المجس، ومشاهدة الأرقام؛ فالقيمة الحقيقية تكمن في فهم اتجاهاتها، وأنماطها المتكررة، ومعرفة ما الذي ينبغي فعله بناءً عليها، بالتعاون مع الفريق الطبي عند الحاجة.

• «إرهاق التقنية»: حين تصبح التنبيهات عبئاً. قد تتحول كثرة الأجهزة والبيانات والتنبيهات إلى مصدر للقلق أو الإرهاق لدى بعض المرضى. وهنا يبدأ التعامل، وفق المهذل، بتحديد مصدر المشكلة، وتبسيط التقنية، وتقليل التنبيهات غير الضرورية، وضبطها بصورة فردية، أو البدء بجهاز واحد، أو تجربة التقنية لفترة محددة، مع التدريب، والدعم. ] كما ينبغي للمريض مشاركة مخاوفه مع الفريق المعالج. وقد تفيد الاستشارة النفسية عند وجود قلق زائد، أو ضيق مرتبط بالسكري. وليس المريض مطالباً باستخدام جميع الخصائص والتنبيهات منذ البداية؛ إذ يمكن تخصيصها وفق احتياجاته، ونمط حياته. «فالهدف من التقنية تخفيف العبء لا زيادته».

تشابه التشخيص لا يعني تشابه الاحتياجات من أدوات المراقبة المستمرة للغلوكوز وتطبيقات متابعة البيانات

توصيات الطبيب

• كيف يعرف الطبيب أن التقنية تستحق التوصية؟ لا تكفي حداثة الجهاز، أو شهرته. فالتقييم، كما يوضح المهذل، يبدأ بالدليل العلمي، وجودة الدراسات، ثم الاعتماد التنظيمي، ودقة القياسات، وسلامة الجهاز والخوارزمية. ويُنظر أيضاً إلى قدرته على تحسين مؤشرات مثل «الوقت في النطاق المستهدف»، والسكر التراكمي، وتقليل انخفاض السكر، وتذبذبه. كما ينظر الطبيب إلى الدراسات التي شملت مرضى مشابهين من حيث العمر، ونوع السكري، والحمل، والأمراض المصاحبة، ثم يعيد بعد بدء الاستخدام تقييم الفائدة الفعلية، ورضا المريض، وقد يغيّر التقنية، أو يوقف استخدامها إذا أصبحت عبئاً على المريض من دون تحسن ملموس.

وقد يتحفظ الطبيب، مثلاً، على استخدام مضخة الإنسولين لدى مريض إذا كانت تتطلب مستوى من الالتزام أو المتابعة لا يتناسب مع نمط حياته، أو كانت هناك مخاوف تتعلق بسلامة الاستخدام، أو كانت قدرته على التعامل مع الأعطال والتنبيهات والقرارات العلاجية المرتبطة بها محدودة. ولا يعني ذلك استبعاد التقنية نهائياً؛ فقد يعاد تقييمها بعد التدريب، أو عند تغير ظروف المريض.

وتزداد ثقة الأطباء في التقنيات المدعومة بأدلة سريرية، وبيانات قوية من الممارسة الواقعية، والمتوافقة مع المعايير التنظيمية، ومنها معايير أنظمة المراقبة المستمرة المتكاملة للغلوكوز (iCGM) التي تعتمدها إدارة الغذاء والدواء الأميركية.

• إلى أين تتجه تقنيات السكري؟ يتوقع الدكتور محمد المهذل أن تصبح تقنيات السكري أكثر ذكاءً، وتكاملاً، وأتمتة، مع الجمع بين المراقبة المستمرة للغلوكوز والخوارزميات القادرة على تحليل الأنماط الشخصية، والتنبؤ بارتفاع الغلوكوز، أو انخفاضه، وتقديم تنبيهات أكثر دقة. وقد تتكامل بيانات الغلوكوز مستقبلاً مع النشاط البدني، والنوم، والتغذية، وغيرها من المؤشرات الصحية، فيما يمتد دور الذكاء الاصطناعي إلى دعم المتابعة عن بُعد، والتواصل بين المريض وفريقه الطبي، بهدف تقديم رعاية أكثر تخصيصاً، وتخفيف العبء اليومي. ومع تطور هذه الأنظمة، قد تقل الحاجة إلى التدخل اليدوي في إدارة السكري، مع قدرة متزايدة على تخصيص العلاج وفق استجابة كل مريض، واحتياجاته. ويختتم الدكتور محمد المهذل برسالة إلى مرضى السكري وأسرهم: التقنية، مهما بلغت من التطور، وسيلة للمساعدة على ضبط مستويات السكر، وتخفيف العبء، وتحسين جودة الحياة، وليست هدفاً بحد ذاتها. وينبغي اختيارها مع الفريق العلاجي، وفهم قراءاتها، وتنبيهاتها، والالتزام بالمتابعة، والاحتفاظ بخطة علاج بديلة، وطلب الدعم عند الحاجة. وفي النهاية، ليست التقنية الأفضل هي الأحدث بالضرورة، وإنما تلك التي تناسب المريض، ويستطيع استخدامها بصورة صحيحة، وآمنة، وتساعده فعلاً على تحسين التحكم بالسكري، وتخفيف عبئه، والارتقاء بجودة حياته.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

صحتك ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

كشفت دراسة، عن أن الرجال الذين يستخدمون علاج التستوستيرون دون تشخيص طبي مؤكد لنقص الهرمون يواجهون مخاطر أعلى بكثير للإصابة بمضاعفات صحية خطيرة

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك «مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

أشارت دراسة حديثة، إلى أن مقارنة المراهق نفسه بالآخرين على منصات التواصل الاجتماعي ترتبط ارتباطاً أقوى بأعراض القلق والاكتئاب، مقارنة باستخدام هذه المنصات

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

يُنظر إلى ضعف الانتصاب في كثير من الأحيان على أنه «مشكلة غرفة النوم»، لكنه في الغالب أبعد من ذلك بكثير.

مورين سالامون ( كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
صحتك مرضى ارتفاع ضغط الدم لا يلتزمون ممارسات الوقاية من السكتة الدماغية

مرضى ارتفاع ضغط الدم لا يلتزمون ممارسات الوقاية من السكتة الدماغية

ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً، ومن أبرز عوامل الخطر المؤدية إلى السكتة الدماغية التي تُعد أحد الأسباب الرئيسية للوفاة والإعاقة حول العالم.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك تشير أبحاث إلى أن بعض البكتيريا داخل الأورام قد تساعد الخلايا السرطانية على مقاومة العلاج (توضيحية - بيكسلز)

بكتيريا خفية داخل الأورام... كيف تجعل السرطان أصعب علاجاً؟

تكشف أبحاث حديثة عن أن بكتيريا داخل بعض الأورام قد تعطّل الأدوية وتضعف المناعة؛ مما يساعد السرطان على مقاومة العلاج، ويفتح مسارات بحثية جديدة لتحسين الاستجابة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
TT

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)

كشفت دراسة عالمية ضخمة نُشرت في عدد أغسطس (آب) 2026 من مجلة eBioMedicine، عن أن الرجال الذين يستخدمون علاج التستوستيرون دون تشخيص طبي مؤكد لنقص الهرمون (قصور الغدد التناسلية) يواجهون مخاطر أعلى بكثير للإصابة بمضاعفات صحية خطيرة، وذلك مقارنة بالذين يستخدمونه لعلاج نقص حقيقي لديهم في هذا الهرمون.

هرمون التستوستيرون

وخلال فترة متابعة امتدت لـ10 سنوات وشملت ما يقرب من 359 ألف رجل (تتراوح أعمارهم بين 30 و75 عاماً)، تبين أن الرجال الذين تناولوا التستوستيرون دون وجود قصور في الغدد التناسلية واجهوا خطراً أعلى بنسبة 50 في المائة للإصابة بمشكلات خطيرة في القلب، مثل النوبات القلبية، السكتات الدماغية، والتوقف المفاجئ للقلب. كما كانوا أكثر عرضة للوفاة لأي سبب بمقدار الضعف، مقارنة بالرجال الذين يعالجون نقصاً موثقاً بوجود نقص فعلي في الهرمون لديهم.

وشملت الدراسة تحليل السجلات الصحية عبر 123 منظمة رعاية صحية حول العالم، وأظهرت أن نحو ثلث الرجال الذين يتناولون الهرمون ليس لديهم دليل طبي على إصابتهم بالقصور في مستوى هذا الهرمون. وحث الباحثون على ضرورة الخضوع لتقييم إكلينيكي كامل قبل بدء العلاج بهذا الهرمون الذكوري. لأن الاستخدام غير السليم يرتبط أيضاً بمخاطر أخرى، مثل ارتفاع عدد خلايا الدم الحمراء؛ ما قد يتسبب في حدوث جلطات دم خطيرة في أوردة الساقين والرئتين.

وفتحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية السجلات البحثية في أكتوبر(تشرين الأول) الماضي لاستقبال المراجعات العلمية بهدف صياغة المسار الإكلينيكي لاعتماد مستحضرات تستوستيرون مخصصة للنساء؛ وذلك لعلاج اضطراب الرغبة الجنسية الخاملة HSDD، وباهتمام مخصوص لبناءً على معايير الأمان القلبية.

ينخفض مستوى هرمون التستوستيرون لدى الرجل بنحو 1.6 % سنوياً بدءاً من منتصف الثلاثين من عمره

من جانبها، حدّثت جمعية الغدد الصماء الدولية بروتوكول الأمان في وصف هرمون التستوستيرون، بدءاً من الشهر نفسه. وشدد الدليل الإكلينيكي المطبق هذا الشهر على منع الوصفات العشوائية للتستوستيرون؛ حيث أظهرت مراجعاتهم الإحصائية أن 12 في المائة فقط من الرجال يحصلون على تشخيص سليم ومطابق للإرشادات قبل كتابة الوصفة الطبية الأولى لهم. ودعت الجمعية الأطباء إلى ضرورة إجراء فحصين صباحيين منفصلين في حالة الصيام شرط أن يقل الهرمون عن عتبة 300 ng/dL لتفادي مخاطر تخثر الدم والانصمام الرئوي (جلطة الشرايين الرئوية) الناتجة من سوء الاستخدام.

وفي عمق الفسيولوجيا البشرية، يتربع هرمون التستوستيرون (Testosterone) كـ«مايسترو» غير متوج لجسد الرجل وعقله. ولقرون طويلة، ارتبط هذا الهرمون في المخيلة الفلوكلورية والإكلينيكية بالقوة البدنية، والخصوبة، والخصائص الذكورية الظاهرة فقط. إلا أن الأبحاث الطبية المتقدمة صاغت لنا مؤخراً مفهوماً مغايراً تماماً؛ فالإستروجين ليس وحده هرمون الحياة المتكاملة، بل إن التستوستيرون يُمثل «الوقود الحيوي» الذي ينظم عمل الشرايين، ويحمي متانة العظام، ويضبط وتيرة التمثيل الغذائي، بل ويعيد تشكيل كيمياء الدماغ للحفاظ على المزاج والإدراك والتركيز.

ومع تقدم الرجال في العمر، يواجه الكثير منهم انخفاضاً تدريجياً وصامتاً في مستويات هذا الهرمون، وهي الحالة التي باتت تُعرف طبياً بـ قصور الغدد التناسلية المتأخر Late-Onset Hypogonadism، أو ما يُطلق عليه مجازاً «سن اليأس الذكوري» Andropause.

وبينما كان العلاج التعويضي بالتستوستيرون TRT محاطاً لسنوات طويلة بهالة من المخاوف والتحذيرات المتعلقة بالقلب والأورام، صححت البيانات العلمية المحققة جوانب من هذا الأمر، حيث شهدت السنوات القليلة الماضية إعادة صياغة كاملة لبروتوكولات العلاج بالبدائل الهرمونية للتستوستيرون بعد صدور نتائج دراسات الأمان الإكلينيكية الكبرى.

أحدث التوجيهات الطبية

وتتلخص التوجيهات الطبية الأحدث فيما يلي:

1. حسم الجدل حول أمان القلب والأوعية الدموية. لسنوات، ظلت هناك مخاوف من أن تعويض التستوستيرون قد يزيد من خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية. إلا أن الوضوح الطبي الأكبر جاء مع إعلان نتائج دراسة «ترافيرس» السريرية TRAVERSE Trial المشهورة، حيث أثبتت بالأدلة القاطعة أن العلاج التعويضي المنضبط والمدروس للتستوستيرون لدى الرجال الذين يعانون قصوراً حقيقياً في مستوى هذا الهرمون، لا يرفع مطلقاً مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين مقارنة بالدواء الوهمي؛ ما أزال عقبة الخوف التاريخية أمام الأطباء والمرضى.

2. الخيارات العلاجية المتنوعة وتخصيص الجرعات. لم تعد الخيارات مقتصرة على الحقن المؤلمة؛ بل تتيح الإرشادات الحالية مجموعة علاجية تلاءم النمط الحياتي لكل مريض:

- الهلام الموضعي Testosterone Gels. يُدهَن يومياً على الكتفين أو الذراعين، ويوفر مستويات هرمونية مستقرة وثابتة في الدم دون تذبذب، ولكنه يتطلب حذراً شديداً لمنع ملامسة مكان الدهن للأطفال أو النساء.

- الحقن طويلة المفعول (مثل تستوستيرون أنديكانوات): تُعطى في العضل كل 10 إلى 14 أسبوعاً؛ ما يمنح المريض راحة ممتدة من الوخز المتكرر.

- الحقن قصيرة المفعول (مثل إنانثات أو سيبيونات): تُعطى كل أسبوع أو أسبوعين، وتتميز بقدرة الطبيب على التحكم في جرعتها وتعديلها سريعاً، وإن كانت تسبب أحياناً تذبذباً في المزاج والطاقة يُعرف بـ«تأثير الأفعوانية» Rollercoaster effect.

- الحلول الحديثة: مثل الكبسولات الفموية المطورة الذائبة في الليمفاوية لتقليل الضغط على الكبد، واللاصقات الجلدية، وبخاخات الأنف.

3. الحفاظ على الخصوبة عند الشباب. من الأخطاء الطبية الشائعة إعطاء التستوستيرون الخارجي لشاب يعاني نقص الهرمون ويرغب في الإنجاب. والسبب، أن التستوستيرون الخارجي يرسل إشارة سالبة للدماغ، تؤدي إلى إيقاف إنتاج الحيوانات المنوية تماماً داخل الخصية وتسبب العقم المؤقت أو الدائم. وتشدد التوجيهات الطبية الحديثة على استخدام البدائل المحفزة للخصية ذاتياً في هذه الفئة، مثل الكلوميفين Clomiphene Citrate أو حقن الموجهة الغدد التناسلية المشيمائية hCG، والتي ترفع التستوستيرون مع الحفاظ الكامل على كفاءة الخصية وإنتاج الحيوانات المنوية.

هرمون التستوستيرون «وقود حيوي» ينظم عمل الشرايين ويحمي متانة العظام ويضبط وتيرة التمثيل الغذائي

الأدوار الخفية للتستوستيرون... معاناة صامتة

يُفرز التستوستيرون بشكل رئيسي من الخلايا البينية (خلايا ليديج) في الخصيتين تحت توجيه دقيق من الغدة النخامية ومنطقة المهاد في الدماغ. ورغم شهرته الواسعة في تحفيز الكتلة العضلية والقدرة الجنسية، يمتلك الهرمون تأثيرات جهازية مذهلة، تشمل:

- صحة الهيكل العظمي: يعمل التستوستيرون على تحفيز الخلايا البانية للعظام (Osteoblasts). ويؤدي نقصه الحاد إلى إصابة الرجال بهشاشة عظام صامتة وقابلة للكسر السريع.

- التمثيل الغذائي وحساسية الإنسولين: يلعب الهرمون دوراً محورياً في توزيع الدهون في الجسم؛ حيث يمنع تراكم الدهون الحشوية (سمنة البطن) ويعزز من حساسية الخلايا للإنسولين؛ ما يجعله خط دفاع أول ضد متلازمة التمثيل الغذائي ومرض السكري من النوع الثاني.

- الإنتاج الدموي: يحفز التستوستيرون الكليتين على إفراز هرمون الإريثروبويتين (Erythropoietin)، المسؤول عن حث نخاع العظم على إنتاج خلايا الدم الحمراء، وبذلك يحمي الرجل من الأنيميا المزمنة.

- المرونة النفسية والذهنية: توجد مستقبلات التستوستيرون بكثافة في مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة والمزاج (مثل الحصين). لذا؛ يُعدّ الهرمون مسؤولاً مباشراً عن مستويات الطاقة اليومية، والدافعية، والوقاية من الاكتئاب وضبابية التفكير.

ولنقص التستوستيرون لدى الرجل قصة ذات سرد مختلف؛ إذْ على عكس انقطاع الطمث المفاجئ لدى النساء، ينخفض التستوستيرون لدى الرجال ببطء وبمعدل يتراوح بين 1 في المائة و2 في المائة سنوياً بعد سن الثلاثين. وتظهر أعراض النقص في صورة متلازمة إكلينيكية معقدة تشمل:

- تراجع حاد في الرغبة الجنسية وضعف الانتصاب (خاصة غياب الانتصاب الصباحي التلقائي).

- الإرهاق المزمن، الخمول، وفقدان الشغف والدافعية للعمل أو ممارسة الأنشطة اليومية.

- خسارة الكتلة العضلية والقوة البدنية مقابل زيادة تصاعدية في نسب دهون الجسم.

- تقلبات مزاجية، سرعة الاستثارة، واضطرابات النوم والأرق المزعج.

- تثدي الرجل Gynecomastia الناتج من خلل التوازن بين التستوستيرون والإستروجين.


«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية
TT

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

أشارت دراسة حديثة لباحثين من معهد كارولينسكا في السويد والمعهد النرويجي للصحة العامة، ونُشرت في مجلة الطب النفسي والصحة النفسية للأطفال والمراهقين Child and Adolescent Psychiatry and Mental Health في النصف الثاني من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي، إلى أن مقارنة المراهق نفسه بالآخرين على منصات التواصل الاجتماعي ترتبط ارتباطاً أقوى بأعراض القلق والاكتئاب، مقارنة باستخدام هذه المنصات لمجرد تمضية الوقت.

سلوكيات المراهقين الرقمية

على الرغم من أن الأبحاث السابقة حول وسائل التواصل الاجتماعي ركزت في الأغلب على إجمالي الوقت الذي يقضيه المراهقون على هذه المنصات، فإنها لم تدرس مدى ارتباط سلوكيات المراهقين وتجاربهم بالصحة النفسية بالشكل الكافي، بمعنى أن المراهق يمكن أن يقضي وقتاً قصيراً نسبياً على وسائل التواصل، ولكنه يصاب بالاكتئاب والقلق بسبب سلوكيات معينة، والعكس صحيح أيضاً؛ إذ يمكن أن تُحسن وسائل التواصل من حالته النفسية.

في الدراسة الحالية، ركز الباحثون بشكل أساسي على طبيعة السلوك الذي يمارسه كل مراهق على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال فحص خمسة جوانب رئيسية لاستخدام وسائل التواصل، وهي: المقارنة الاجتماعية، وتمضية الوقت، وطلب الدعم، والتعرض للسلوك العدائي من الآخرين، وممارسة السلوك العدائي تجاه الآخرين.

استخدم الباحثون بيانات أُخذت من دراسة مسحية سابقة أُجريت خلال خريف عام 2025، وشملت ما يزيد على 4 آلاف مراهق من 21 مدرسة إعدادية في النرويج، وبلغ متوسط أعمارهم 14 عاماً، وكانت نسبة الذكور مساوية تقريباً لنسبة الإناث، حيث جرى تقييم لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. كما أجاب المراهقون عن أسئلة تتعلق بأعراض الاكتئاب والقلق الاجتماعي، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط ADHD واضطراب الرهاب الاجتماعي. وصُممت هذه الأسئلة لقياس الأعراض، لا لتشخيص حالات طبية محددة.

ثبَّت العلماء جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية، مثل الجنس والعمر وعدد الساعات الإجمالية التي يقضيها كل طالب على الإنترنت، بجانب الخلفية الاجتماعية والتاريخ المرضي للإصابة بأي أمراض نفسية وحالة الأسرة الاقتصادية ومستوى تعليم الوالدين، وكذلك العوامل البيئية سواء داخل المنزل، مثل التعرض للعنف الجسدي أو اللفظي، أو البيئة الخارجية، مثل التعرض للتنمر والفشل الدراسي. ووجد الباحثون أن المراهقين يقضون جزءاً من وقتهم على مواقع التواصل الاجتماعي في تحديث ملفاتهم الشخصية ونشر المحتوى، لكنهم يقضون الجزء الأكبر من وقتهم في تصفح ملفات وصور أقرانهم؛ ما يؤدي إلى إجراء مقارنات مستمرة؛ وهو ما يجعل المقارنة الاجتماعية ظاهرة أخطر بكثير من توقع الآباء.

مقارنة النفس وأعراض القلق

أظهرت النتائج أن تمضية الوقت عند الشعور بالملل، كانت السبب الأكثر شيوعاً لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين، لكنها في الوقت نفسه أظهرت ارتباطاً ضعيفاً بأعراض الاكتئاب والقلق، وفي المقابل كانت (مقارنة المراهق نفسه بالآخرين) شائعة أيضاً، لكنها أظهرت ارتباطاً أقوى بكثير مع أعراض القلق الاجتماعي والاكتئاب.

أوضحت النتائج أيضاً أن التعرض للسلوك العدائي من الآخرين مثل التنمر والسخرية، رغم ارتباطه بشكل واضح بظهور أعراض الاكتئاب والقلق، فإن هذا الارتباط في المجمل كان أقل حدة من الاكتئاب المرتبط بـمقارنة المراهق نفسه بالآخرين، وكانت هذه النتائج متماثلة في الفتيات والفتيان.

وأوضح الباحثون أن مقارنة المرء نفسه بالآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى نشوء أفكار سلبية متكررة حول الذات، وتزيد من شعوره بافتقاده لما يمتلكه الآخرون؛ ما ينعكس بالسلب على حالته النفسية ويصيبه بالاكتئاب.

وتكمن مشكلة المقارنة الاجتماعية في أنها تدخل المراهق في دائرة مفرغة، بمعنى أن المقارنة تؤدي إلى الإصابة بالقلق والاكتئاب وتراجع الحالة النفسية، وهذه الأعراض تدفع المراهق إلى إجراء المزيد من المقارنات الاجتماعية مما يضاعف من اكتئابه.

ونصحت الدراسة بضرورة التعامل مع ظاهرة المقارنة الرقمية بشكل إيجابي للتغلب على آثارها السلبية على الصحة النفسية، بمعنى أن مقارنة الذات بالآخرين يمكن أن تكون مصدراً للإلهام والتحفيز بدلاً من الإحباط والاكتئاب، وعلى سبيل المثال يمكن أن تدفع هذه المقارنات المراهقين إلى بذل جهد أكبر والتحسن في مجال معين مثل المجال الدراسي أو التفوق الرياضي، حتى يصبح في نفس مستوى الأقران الذين يقارن نفسه بهم.

وأوضح الباحثون أن أثر المقارنة على المراهق بالسلب أو الإيجاب يكون تبعاً لنوعها، حيث يوجد نوعان للمقارنة الاجتماعية. النوع الأول وهو (المقارنة بالمستوى الأعلى) ويحدث عندما يقارن المراهق نفسه بآخرين يعتقد أنهم أفضل منه في جانب معين وغالباً ما يشعر بالنقص نتيجة لهذا النوع من المقارنة.

أما النوع الآخر، وهو (المقارنة بالمستوى الأقل)، فيحدث عندما يقارن المراهق نفسه بأقران يراهم في وضع أسوأ سواء على المستوى الاجتماعي أو الدراسي أو المواصفات الجسدية، وفي الأغلب تسهِم هذه المقارنة في تحسين شعوره تجاه وضعه وما يملكه من مهارات.

ولذلك؛ فإن بعض المقارنات تجعل المراهق يشعر بعدم الكفاءة وتقلل من سعيه نحو تحقيق هدف معين، في حين توجد مقارنات أخرى تمنحه الثقة وتعزز تقديره لذاته.

وأكدت الدراسة أن هذه النتائج تستدعي من الآباء والعاملين في المدارس والمتخصصين في الرعاية الصحية، الاهتمام بما يمارسه المراهقون على منصات التواصل الاجتماعي، وليس فقط للوقت الذي يقضونه عليها، ونصحت الآباء بضرورة إظهار الدعم النفسي غير المشروط لأبنائهم؛ حتى يسهِم في تخفيف حدة الضيق المرتبط بالمقارنات الاجتماعية.

* استشاري طب الأطفال


ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟
TT

ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

يُنظر إلى ضعف الانتصاب في كثير من الأحيان على أنه «مشكلة غرفة النوم»، لكنه في الغالب أبعد من ذلك بكثير. ففي عدد لافت من الحالات، يرتبط هذا الاضطراب -الذي يحول دون حدوث عملية الانتصاب، أو ديمومته بدرجة كافية لإتمام العلاقة الجنسية- بالصحة العامة للرجال.

إنذار صحي مبكر

ومع أن ضعف الانتصاب يؤثر بلا شك في ثقة الرجل بنفسه، وفي جودة حياته، فإن الأطباء باتوا ينظرون إليه بشكل متزايد بوصفه إنذاراً مبكراً محتملاً، لا مجرد مشكلة في الصحة الجنسية. وعلى وجه الخصوص، قد لا يدرك الرجال مدى أهمية صحة القلب والأوعية الدموية للانتصاب، بحسب الدكتور هوارد ليواين، كبير المحررين الطبيين في منشورات «هارفارد الصحية واختصاصي الطب الباطني» في مستشفى بريغهام والنساء التابع لجامعة هارفارد.

في الواقع، يمكن اعتبار ضعف الانتصاب المستمر بمنزلة إنذار مبكر يدل في نهاية المطاف على أمراض القلب والأوعية الدموية، وذلك وفق تحليل تجميعي نُشر عام 2024، وشمل 23 دراسة سابقة بحثت في العلاقة بين ضعف الانتصاب والمشكلات القلبية الوعائية، مثل النوبة القلبية، والسكتة الدماغية. ولدى الرجال الذين يعانون ضعف الانتصاب، وأمراض القلب والأوعية الدموية معاً، يظهر ضعف الانتصاب في الغالب أولاً، وقد يسبق ظهور المرض القلبي الوعائي بمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

ويزداد ضعف الانتصاب شيوعاً مع التقدم في العمر، إذ يفيد به نحو 40 في المائة من الرجال في سن الأربعين، وترتفع النسبة إلى 70 في المائة في سن السبعين، بحسب المعهد الوطني الأميركي للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى.

ويقول الدكتور ليواين: «ندرك الآن بوضوح أنه عندما يعاني الرجل ضعف الانتصاب، ينبغي لنا على الأقل أن نفكر في صلته بالمشكلات نفسها التي يبدأ الرجال في الإصابة بها مع التقدم في السن، مثل تصلب الشرايين، أي تراكم اللويحات الدهنية التي تُضيّق الشرايين».

مشكلات صحية مرتبطة بضعف الانتصاب

• عوامل الخطر. تشمل أمراض القلب والأوعية الدموية مجموعة من عوامل الخطر، ويسهم كل منها في الإصابة بضعف الانتصاب بطريقته الخاصة، وذلك في المقام الأول عبر إضعاف الدورة الدموية، أو وظيفة الأعصاب. وتشمل هذه العوامل:

- ارتفاع ضغط الدم.

- ارتفاع مستويات الكوليسترول.

- داء السكري.

- التدخين.

- السمنة.

- انقطاع النفس الانسدادي النومي.

- نمط الحياة الخامل.

ويوضح الدكتور ليواين: «إن الشرايين في العضو الذكري أصغر قطراً بكثير من تلك الموجودة في القلب، أو الدماغ. وإذا بدأت تضيق بفعل تكوّن اللويحات (فيها)، فقد تزداد هذه العملية سوءاً مع مرور الوقت ما لم نتدخل عبر إجراءات مثل اتباع نظام غذائي صحي للقلب، والحفاظ على النشاط البدني، وتناول أحد الأدوية من فئة الستاتين إذا كانت مستويات الكوليسترول أعلى من المستوى المستهدف».

• أسباب أخرى لضعف الانتصاب. وفي حالات أخرى من ضعف الانتصاب، قد تكون هناك أسباب نفسية، مثل القلق، أو الاكتئاب. ويقول الدكتور ليواين: «ما يؤثر على العقل قد يؤثر على العضو التناسلي أيضاً».

كما يمكن أن تسهم بعض الأدوية في الإصابة بهذه المشكلة، ومنها بعض:

أدوية ضغط الدم.

- مضادات الاكتئاب، ولا سيما مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية.

- الأدوية المضادة للقلق.

- العلاجات الهرمونية المستخدمة في سرطان البروستاتا.

لكن «من الأسهل في كثير من الأحيان إلقاء اللوم على أحد الأدوية بدلاً من النظر في أسباب أخرى قد تكون وراء ضعف الانتصاب»، حسب الدكتور ليواين. الذي يضيف: «بالنسبة إلى معظم الرجال، لن يكون تغيير الأدوية على الأرجح هو الحل، وإن كان من المجدي مراجعة أدويتك مع طبيبك لمعرفة ما إذا كانت هناك أدوية لا تحتاج إليها، أو يمكنك تناولها بجرعة أقل».

• متى ينبغي التحدث إلى الطبيب؟ إذا كان ضعف الانتصاب جديداً عليك، أو استمر أكثر من بضعة أسابيع، أو أثّر في علاقتك الزوجية، أو في صحتك النفسية، فتحدث إلى طبيبك. وسيجري لك الطبيب فحصاً بدنياً، ويسألك عن نمط حياتك، ولا سيما التدخين، وتناول الكحول. كما سيفحص ضغط الدم، ومستويات الكوليسترول، والسكر في الدم.

ويقول الدكتور ليواين: «هذا لا يعني أن عليك الإسراع إلى حجز موعد، ولكن أخبر طبيبك بالأمر في المرة المقبلة التي تزوره فيها. فمعالجة هذه المشكلة لا تقتصر فقط على تقليل خطر الإصابة بنوبة قلبية، أو سكتة دماغية، بل إن معالجة هذه المشكلة ستساعدك أيضاً على تحقيق الانتصاب، والحفاظ عليه».

قد يسبق ظهور الأمراض القلبية الوعائية بمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات

خيارات علاج ضعف الانتصاب

• علاجات طبية. يتضمن علاج ضعف الانتصاب في الغالب تناول دواء يساعد على زيادة تدفق الدم إلى القضيب، مثل سيلدينافيل sildenafil «فياغرا Viagra»، وتادالافيل tadalafil «سياليس Cialis»، وفاردينافيل vardenafil «ليفيترا Levitra»، وأفانافيل avanafil «ستيندرا Stendra». ويقول الدكتور ليواين إن استخدام أحد أدوية الستاتين لخفض الكوليسترول قد يحسّن كذلك من ضعف الانتصاب، إذ إنه يبطئ تكوّن اللويحات في الشرايين، وقد يذيب اللويحات الرخوة.

كما يمكن للرجال أيضاً مكافحة أعراض ضعف الانتصاب عبر تحسين السيطرة على ضغط الدم، والتحكم في داء السكري، وإنقاص الوزن، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، فضلاً عن علاج انقطاع النفس النومي، والإقلاع عن التدخين. وتتوفر علاجات أخرى إذا شُخّص سبب قابل للعلاج (مثل انخفاض هرمون التستوستيرون)، أو إذا لم تُحقق العلاجات الأولية نفعاً.

ويرى الدكتور ليواين أن التعامل مع ضعف الانتصاب قد يمثل فرصة لاكتشاف المشكلات الصحية في وقت مبكر.

ويقول: «لا تستسلم لضعف الانتصاب. ليس أمراً يجب أن تتعايش معه، لأن هناك عدداً من العوامل التي يمكنك العمل عليها».

• التمارين الرياضية والنظام الغذائي: انتصاب أفضل. يبدو أن ما يفيد القلب يفيد الانتصاب أيضاً. فاتباع نظام غذائي أكثر صحة وزيادة النشاط البدني قد يحسّنان الوظيفة الانتصابية بشكل متواضع، وفق مراجعة وتحليل تجميعي نُشرا في يونيو (حزيران) 2026 في «مجلة الطب الجنسي».

وقيّم الباحثون بيانات من 16 تجربة عشوائية سابقة مضبوطة، وتُعد المعيار الذهبي في هذا المجال، وشملت في مجموعها نحو 1500 رجل من متوسطي العمر، أو كبار السن. وقارنوا برامج تقتصر على النظام الغذائي، أو على التمارين الرياضية، أو تجمع بين الاثنين، بأخرى لم تتلقّ أي علاج، أو بالرعاية الصحية التي يتلقاها الرجال عادة، وهي رعاية شملت أدوية ضعف الانتصاب، والمتابعة الطبية الروتينية. وسجّل الرجال في أي من مجموعات تعديل نمط الحياة درجات أفضل في الوظيفة الانتصابية مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة، أو لم يتلقوا أي علاج.

ويقول الدكتور هوارد ليواين، كبير المحررين الطبيين في منشورات «هارفارد الصحية واختصاصي الطب الباطني» في مستشفى بريغهام والنساء التابع لجامعة هارفارد: «ما تُظهره هذه الدراسة حقاً هو أن الانتصاب يستجيب للعوامل نفسها التي يستجيب لها قلبك. فإذا تحركت أكثر، وتناولت طعاماً أفضل، فإن تدفق الدم الأمثل يتبع ذلك في الغالب».

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»