الذكاء الاصطناعي وسرطان الفم: حين تلتقي الخوارزميات بالرحمة

ثورة رقمية صامتة لمواجهة مرض خبيث يتسلّل بهدوء في العالم العربي

الذكاء الاصطناعي وسرطان الفم: حين تلتقي الخوارزميات بالرحمة
TT

الذكاء الاصطناعي وسرطان الفم: حين تلتقي الخوارزميات بالرحمة

الذكاء الاصطناعي وسرطان الفم: حين تلتقي الخوارزميات بالرحمة

في كل عام، وتحديداً في شهر نوفمبر (تشرين الأول)، يوجِّه العالم أنظاره إلى «شهر التوعية بسرطان الفم (Oral Cancer Awareness Month)»، في محاولة لكسر صمت طويل يحيط بمرض خفيّ التأثير وعميق الأثر. فعلى عكس السرطانات التي تتصدّر عناوين الأخبار وتستحوذ على حملات الدعم والتمويل، يبقى سرطان الفم غالباً في الظل، يترصّد بصمت في زوايا الفم واللسان والبلعوم إلى أن يُكتَشف متأخراً، في مراحل يصعب فيها العلاج، لتبدأ رحلة طبية معقدة ومكلفة، تُثقل المريض نفسياً وجسدياً.

تأخر اكتشاف سرطان الفم

هذا التأخر في الاكتشاف لا يعود فقط إلى الطبيعة الصامتة للمرض، بل أيضاً إلى نقص برامج الفحص الدوري، وضعف الوعي الصحي العام، وغياب حملات الكشف المبكر المنظمة في كثير من الدول العربية. وتُفاقم المشكلة عوامل سلوكية وبيئية متجذّرة، مثل مضغ القات في بعض المناطق، واستخدام الشمة (Smokeless Tobacco)، والتدخين، وضعف نظافة الفم، إلى جانب العدوى المزمنة بفيروس الورم الحليمي البشري (HPV) التي تُعدّ من أبرز العوامل المسببة له عالمياً. وهذه التركيبة المعقّدة تجعل من سرطان الفم تحدياً مزدوجاً؛ طبياً وثقافياً.

وفي مواجهة هذا التحدي، يطلّ الذكاء الاصطناعي بوصفه أفقاً جديداً واعداً، لا ليحل محل الطبيب، بل ليمنحه عيناً إضافية ترى ما لا يُرى. فمن خلال قدراته على الرصد المبكر، والتشخيص الذكي، وتحليل الصور والبيانات السريرية بدقة وسرعة، يَعِد الذكاء الاصطناعي بإحداث تحوّل جذري في الطريقة التي نكشف بها المرض ونتعامل معه، خصوصاً في البيئات التي تعاني من محدودية الكوادر الطبية أو ضعف البنية التحتية للفحص المبكر.

سرطان الفم في العالم العربي: أرقام صامتة تكشف أزمة متصاعدة

يمثل سرطان الفم في العالم العربي تحدياً صحياً متنامياً لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم تصاعد معدلات الإصابة والوفيات خلال العقدين الأخيرين. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية (WHO) والاتحاد الدولي لمكافحة السرطان، إلى أن سرطان الفم والبلعوم يحتل المرتبة السادسة عالمياً من حيث الانتشار، لكن الصورة الإقليمية تكشف عن تفاوتات لافتة.

* في اليمن وبعض مناطق القرن الأفريقي، تصل معدلات الإصابة إلى ما يفوق 30 حالة لكل 100 ألف شخص في الفئات العمرية المتقدمة، وهي من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً، ويُعزى ذلك بشكل رئيسي إلى الانتشار الواسع لعادة مضغ القات التي تحتوي أوراقها على مواد كيميائية مخرشة ومسرطنة عند الاستخدام المزمن، مما يجعلها من أهم العوامل المسببة لسرطان الفم في هذه المناطق.

* في السعودية، تُظهر بيانات السجل الوطني للأورام أن سرطان الفم يُصنَّف ضمن أكثر 5 سرطانات شيوعاً لدى الذكور في بعض المناطق الجنوبية، ويرتبط بشكل وثيق باستخدام الشمة.

* في السودان، أظهرت دراسات وبائية محلية أن أكثر من 70 في المائة من المصابين بسرطان الفم لديهم تاريخ طويل في استخدام الشمة التقليدية، وغالباً ما يصلون إلى مراكز العلاج في مراحل متقدمة من المرض.

* في دول شمال أفريقيا مثل مصر والمغرب، ما زال معدل الكشف المبكر منخفضاً، مما يؤدي إلى نسب مرتفعة من الحالات المتأخرة وصعوبات في العلاج وإعادة التأهيل.

وتبرز هذه الأرقام وجود فجوة واضحة بين الحاجة الملحّة للتدخلات الصحية والوعي المجتمعي وبرامج الفحص المبكر، وهي فجوة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تضييقها عبر الكشف السريع، وتحسين فرص التشخيص المبكر، ودعم الكوادر الصحية في المناطق ذات الموارد المحدودة.

من الصورة إلى الخلية: ثورة التشخيص بالذكاء الاصطناعي

في هذا المشهد القاتم الذي يتأخر فيه التشخيص وتفوت فيه فرص العلاج المبكر، يطلّ الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) بوصفه أداةً قادرةً على تغيير قواعد اللعبة جذرياً. لم يعد تشخيص سرطان الفم اليوم يعتمد فقط على عين الطبيب أو عدسة المجهر التقليدي، بل أصبح يستند إلى خوارزميات متطورة قادرة على قراءة التفاصيل الدقيقة التي لا تراها العين البشرية، والتنبؤ بالتغيرات الخبيثة في مراحلها الأولى، حين يكون التدخل العلاجي أكثر فاعلية وفرص النجاة أعلى.

تعتمد هذه الثورة التشخيصية على تقنيات متقدمة مثل الشرائح النسيجية الرقمية (Whole Slide Imaging)، التي تحوِّل العينات النسيجية إلى صور عالية الدقة تُحلَّل بواسطة خوارزميات التعلم العميق.

وتتعلم هذه الخوارزميات، التي تمَّ تدريبها على ملايين الصور السريرية والنسيجية من مختلف أنحاء العالم، تمييزَ الأنماط الدقيقة في الأنسجة، بدءاً من التغيُّرات الطفيفة في بنية الخلايا وصولاً إلى توزيع الأوعية الدموية والملامح المجهرية التي قد تشير إلى بداية تحوّل خبيث.

ولا يقتصر الأمر على الشرائح النسيجية؛ فخوارزميات الذكاء الاصطناعي باتت قادرةً أيضاً على تحليل الصور السريرية وصور الأشعة بدقة غير مسبوقة، مسلّطةً الضوء على مواضع الخطر التي قد تمر دون ملاحظة في الفحص التقليدي.

دقة تشخيص عالية

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن دقة بعض هذه النماذج وصلت إلى مستويات تتجاوز 90 في المائة في التفريق بين الآفات الحميدة والخبيثة، وهو مستوى يضاهي أداء متخصصي علم الأمراض ذوي الخبرة العالية، بل ويتفوق عليهم في سرعة التحليل وقدرته على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات دون تعب أو تشتت.

ويكمن البعد الثوري الحقيقي في أن هذه التقنيات لا تقتصر على المختبرات المتقدمة أو المراكز العالمية، بل يمكن دمجها في عيادات الأسنان والمراكز الصحية الأولية وحتى الهواتف الذكية، ما يفتح الباب أمام نموذج جديد للرعاية التشخيصية المبكرة في المناطق النائية أو التي تعاني من نقص الكوادر المتخصصة. بهذه الطريقة، يصبح بإمكان الطبيب العام أو طبيب الأسنان غير المتخصص الحصول على دعم ذكي لحظي في أثناء الفحص، يرشد إلى مواضع الخطر ويقترح الخطوات التالية، بما يسهم في رفع نسب الاكتشاف المبكر وتقليص الفجوة في الرعاية الصحية.

إنها باختصار ثورة تبدأ من الصورة وتنتهي إلى الخلية، تفتح أمامنا أفقاً غير مسبوق في معركة الكشف المبكر عن سرطان الفم، وتعيد رسم العلاقة بين الطبيب والخوارزمية لتصبح شراكة ذكية هدفها الأسمى إنقاذ الأرواح.

دعم القرار العلاجي: الطب الشخصي يبدأ من الفم

لا يقف دور الذكاء الاصطناعي عند حدود التشخيص، بل يمتد إلى مرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً: دعم القرار العلاجي. فالنماذج التنبؤية المتقدمة أصبحت قادرةً على تحليل الكم الهائل من البيانات السريرية والجينية لكل مريض، لبناء ما يشبه «الخريطة الرقمية لمستقبل الورم». هذه الخريطة تساعد الفريق الطبي على استشراف سلوك الورم واحتمالات انتشاره أو استجابته للعلاج، ما يتيح تصميم خطط علاج شخصية دقيقة بدلاً من اتباع بروتوكولات موحَّدة للجميع.

على سبيل المثال، يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تحدِّد للمريض الأنسب:

ما إذا كان التدخل الجراحي المبكر هو الخيار الأفضل، أو أن العلاج الإشعاعي الموجّه سيكون أكثر فاعلية، أو أن المزيج بين الأدوية الموجهة (Targeted Therapy) والعلاج المناعي سيحقق أفضل النتائج.

هذه القدرة على المواءمة بين خصائص الورم الفريدة وبيانات المريض الفردية تمثل جوهر ما يُعرف بـ«الطب الشخصي»، وهي نقلة نوعية في علاج سرطان الفم تحديداً، حيث تختلف الاستجابات بشكل كبير بين المرضى.

بهذه الطريقة، يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تقنية إلى عنصر أساسي في رسم ملامح العلاج المستقبلي لسرطان الفم.

العدالة الصحية... خوارزمياً

في العالم العربي، حيث لا تزال الفجوة بين المدن والمناطق الريفية واضحة في توفر خدمات الرعاية الصحية المتخصصة، تمثل تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصةً حقيقيةً لإعادة رسم خريطة العدالة الصحية. ففي مناطق عدة من القرى والأرياف، ما زال الوصول إلى متخصصي الفم والوجه والفكين أمراً صعباً، سواء بسبب ندرة الكوادر أو محدودية الإمكانات اللوجيستية. وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه جسراً رقمياً قادراً على إيصال الخبرة الطبية المتقدمة إلى أبعد نقطة على الخريطة.

بفضل تطبيقات الهواتف الذكية المزوَّدة بقدرات تصوير وتشخيص ذكي، والمنصات السحابية التي تتيح مشاركة البيانات وتحليلها فوراً، وأجهزة الفحص المحمولة منخفضة التكلفة، أصبح من الممكن تمكين الكوادر الصحية الأولية - حتى غير المتخصصة - من التقاط صور للفم والأنسجة، وإرسالها فوراً إلى خوارزميات متقدمة تقوم بتحليلها بدقة، وتحديد الحالات المشتبه بها، وتقديم توصيات مبدئية لإحالتها إلى المراكز المتخصصة في الوقت المناسب.

بهذا الشكل، لم تعد المسافة أو ضعف البنية التحتية عائقاً أمام الكشف المبكر، بل أصبحت الخوارزميات وسيلةً لتحقيق العدالة الصحية المكانية، بحيث يحصل المريض في الريف على مستوى قريب من التشخيص الذي قد يناله في المستشفى الجامعي داخل المدينة. إنها نقلة نوعية تعزِّز من مفهوم الصحة للجميع، وتحوِّل الذكاء الاصطناعي من ترف تقني إلى أداة تمكين اجتماعي تخدم الفئات الأكثر احتياجاً.

بين التقنية والإنسان: شراكة لا منافسة

رغم هذا التقدم الهائل، فإن الحقيقة الأساسية تبقى واضحةً: الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً للطبيب، بل يعد شريكاً له.

إن نجاح الذكاء الاصطناعي في ميدان سرطان الفم، كما في سائر المجالات الطبية، لا يُقاس فقط بعدد الحالات التي يكتشفها، بل بمدى تكامله مع خبرة الأطباء، واستناده إلى بيانات موثوقة وتمثيلية تعكس تنوع السكان جغرافياً وثقافياً. فالنماذج التي تُدرَّب على بيانات من بيئات مختلفة قد تعجز عن فهم الإشارات الدقيقة في مجتمعاتنا المحلية، ما يجعل التنوع الجغرافي وجودة البيانات عاملَين حاسمَين في نجاح هذه التقنيات.

ثم هناك البعد الأخلاقي، الذي لا يقل أهميةً عن الجانب التقني. فالتعامل مع الصور النسيجية والبيانات السريرية للمريض يتطلب أطراً صارمةً لحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية، ومنع أي إساءة استخدام، أو اختراق قد يزعزع ثقة المرضى في هذه المنظومات. ولهذا، فإن بناء بيئة أخلاقية وتشريعية واضحة شرط أساسي لاستخدام الذكاء الاصطناعي بأمان ومسؤولية.

خاتمة: أفواهنا لا تنطق فقط... بل تخبرنا قصصاً صامتة

في شهر التوعية بسرطان الفم، لا ينبغي أن يقتصر اهتمامنا على الأرقام والإحصاءات، بل علينا أن نصغى إلى الرسائل الصامتة التي تحملها أفواه الناس. فكل فحص مبكر يمكن أن ينقذ حياة، وكل صورة تُحلَّل في وقتها قد تُغيِّر مصير مريض، وكل خوارزمية طُوِّرت برؤية إنسانية يمكن أن تفتح باباً جديداً للرحمة والنجاة.

إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أدوات رقمية أو تقنيات مبهِرة؛ بل يمكن أن يصبح وسيطاً للرحمة، إذا وُجّه بالنية الصادقة والضوابط الأخلاقية الواضحة. وكما قال جبران خليل جبران: «الرحمة نصف العدالة». فالرحمة هنا ليست عاطفة مجردة، بل فعل علمي وإنساني مشترك بين الطبيب، والمجتمع، والتقنية.

فلنجعل من الذكاء الاصطناعي رفيقاً لهذه الرحمة وليس بديلاً عنها، ولنمنح لأفواه الناس في عالمنا العربي فرصة أن تنطق بالحياة بدلاً من الصمت المؤلم. إن المستقبل لا يُكتَب فقط في المختبرات، بل يُرسَم في كل عيادة، وكل مدرسة، وكل بيت يعي قيمة الكشف المبكر، ويؤمن بأن التكنولوجيا حين تتلاقى مع الرحمة، تصنع فارقاً حقيقياً في حياة البشر.


مقالات ذات صلة

ذكاء اصطناعي أم استنزاف مالي؟ المستثمرون يحاكمون عمالقة التكنولوجيا

الاقتصاد شعارات لعدد من شركات التكنولوجيا (أ.ب)

ذكاء اصطناعي أم استنزاف مالي؟ المستثمرون يحاكمون عمالقة التكنولوجيا

هذا الأسبوع، وجّه المستثمرون رسالة صارمة لعمالقة التكنولوجيا: لم يعد الإنفاق الملياري وحده كافياً، بل يجب أن يقترن بنمو حقيقي وملموس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «مايكروسوفت» خلال معرض هانوفر 2025 (رويترز)

«مايكروسوفت» تهوي 6.5 % بعد إنفاق قياسي على الذكاء الاصطناعي ونمو سحابي مخيب

قالت شركة «مايكروسوفت» يوم الأربعاء إنها أنفقت مبلغاً قياسياً على الذكاء الاصطناعي في الربع الأخير، وسجَّلت نمواً أبطأ في مجال الحوسبة السحابية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تظهر تطبيقات «فيسبوك» و«ماسنجر» و«إنستغرام» و«واتساب» على شاشة هاتف ذكي تعكس شعار تطبيق الذكاء الاصطناعي «ميتا» (د.ب.إ)

«ميتا» تعلن نتائج قوية وتكشف إنفاقاً ضخماً على الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «ميتا بلاتفورمز»، المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، عن نتائجها المالية للربع الرابع، والتي جاءت متفوقة على توقعات المحللين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
تكنولوجيا ساعة «ووتش إكس1» مناسبة لجيل الشباب بتصاميم مختلفة
03

ساعات وسماعات ذكية من «إتش إم دي» تنطلق عالمياً من السعودية

تصاميم أنيقة تعبر عن شخصية المستخدم

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا غالبية الأمراض الوراثية الشائعة مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية ترتبط بطفرات تؤثر على تنظيم الجينات (بيكسلز)

«غوغل» تطلق أداة ذكاء اصطناعي لفهم الطفرات الجينية المسببة للأمراض

كشف باحثون في شركة «غوغل ديب مايند» عن أحدث أدواتهم في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أنها ستُسهم في مساعدة العلماء على تحديد العوامل الوراثية المسببة للأمراض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تغيير صغير في منزلك قد يُحدث فرقاً كبيراً في ضغط دمك

الباحثون لاحظوا انخفاضاً في قراءات ضغط الدم لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من طريق مزدحم عند استخدامهم جهاز تنقية هواء عالي الكفاءة (بيكسلز)
الباحثون لاحظوا انخفاضاً في قراءات ضغط الدم لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من طريق مزدحم عند استخدامهم جهاز تنقية هواء عالي الكفاءة (بيكسلز)
TT

تغيير صغير في منزلك قد يُحدث فرقاً كبيراً في ضغط دمك

الباحثون لاحظوا انخفاضاً في قراءات ضغط الدم لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من طريق مزدحم عند استخدامهم جهاز تنقية هواء عالي الكفاءة (بيكسلز)
الباحثون لاحظوا انخفاضاً في قراءات ضغط الدم لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من طريق مزدحم عند استخدامهم جهاز تنقية هواء عالي الكفاءة (بيكسلز)

يُعرّض السكن بالقرب من الطرق المزدحمة السكان لجزيئات دقيقة من تلوث الهواء، يُعتقد أنها تسهم في رفع ضغط الدم. غير أن دراسة حديثة تقترح حلاً بسيطاً وفعّالاً: استخدام جهاز تنقية هواء عالي الكفاءة مزوّد بمرشح HEPA.

وتُعد هذه الأجهزة من أكثر أنظمة تنقية الهواء فعالية، إذ صُممت لإزالة ما يصل إلى 99.97 في المائة من الملوثات الجزيئية الدقيقة، التي يبلغ حجمها 0.3 ميكرون، بما في ذلك عوادم السيارات والجسيمات الناتجة عن تآكل الإطارات، وفقاً لموقع «هيلث».

وفي الدراسة، التي نُشرت نتائجها في مجلة الكلية الأميركية لأمراض القلب في 6 أغسطس (آب)، لاحظ الباحثون انخفاضاً في قراءات ضغط الدم لدى الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم والذين يعيشون بالقرب من طريق سريع مزدحم، عند استخدامهم مرشح HEPA، في حين لم يُسجَّل هذا الانخفاض عند استخدام مرشحات هواء عادية.

لماذا يُعد هذا الاكتشاف مهماً؟

يُعتبر ارتفاع ضغط الدم عامل خطر رئيسياً لأمراض القلب، كما يزيد من احتمالية الإصابة بالنوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وقصور القلب. وتشير الأبحاث إلى أن حتى الانخفاضات الطفيفة في ضغط الدم ترتبط بتراجع ملموس في خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وبناءً على ذلك، قالت الدكتورة جوان إي. مانسون، رئيسة قسم الطب الوقائي في مستشفى بريغهام والنساء، والتي لم تشارك في الدراسة، إن لهذه النتائج «آثاراً بالغة الأهمية على الصحة العامة»، وذلك في تصريح لموقع «هيلث».

كيف صمّم الباحثون دراستهم؟

هدفت الدراسة إلى الاستجابة لمخاوف مجتمعية طُرحت قبل نحو 20 عاماً بشأن تأثير التلوث الناتج عن الطرق السريعة في منطقة بوسطن، بحسب ما أوضح الدكتور دوغ بروج، أحد مؤلفي الدراسة والأستاذ في جامعة كونيتيكت، لموقع «هيلث».

وفي هذا الإطار، جنّد الباحثون 154 شخصاً يعيشون على بُعد 200 متر أو أقل من طريق سريع واحد على الأقل ذي حركة مرورية كثيفة في شرق ماساتشوستس. وكان متوسط أعمار المشاركين 41 عاماً، وغالبيتهم (68 في المائة) من البيض، ومعظمهم من ذوي الوضع الاجتماعي والاقتصادي المرتفع.

واعتمدت الدراسة تصميماً عشوائياً متقاطعاً، حيث خضع كل مشارك لكلا التدخلين: استخدام جهاز تنقية هواء مزوّد بمرشح HEPA، واستخدام جهاز مماثل دون هذا المرشح. ويُسهم هذا النهج في تقليل تأثير الفروق الفردية، مما يسمح بعزو التغيرات الصحية بشكل أدق إلى نوع جهاز التنقية المستخدم.

استخدم المشاركون كل جهاز لمدة شهر واحد، مع فترة توقف مدتها شهر بين التجربتين لم يُستخدم خلالها أي جهاز لتنقية الهواء.

ماذا أظهرت النتائج؟

تم قياس ضغط الدم في بداية الدراسة وبعد نهاية كل شهر. وعند خط الأساس، كان نحو 40 في المائة من المشاركين يعانون من ارتفاع ضغط الدم الانقباضي (120 ملم زئبق أو أكثر).

وأظهرت النتائج أن ضغط الدم الانقباضي لدى المشاركين ذوي القراءات المرتفعة انخفض في المتوسط بمقدار 2.8 ملم زئبق بعد شهر واحد من استخدام مرشح HEPA، بالتزامن مع انخفاض مستويات الجسيمات الدقيقة PM2.5 داخل المنازل إلى النصف.

في المقابل، ارتفع ضغط الدم الانقباضي بمقدار 0.2 ملم زئبق بعد شهر من استخدام جهاز تنقية هواء غير مزوّد بمرشح HEPA. ولم يُلاحظ أي فرق ذي دلالة إحصائية لدى الأشخاص الذين كانت مستويات ضغط دمهم طبيعية في الأساس.

وأوضح الدكتور كريستوفر كارلستن، أستاذ الطب والصحة العامة في جامعة كولومبيا البريطانية، أن هذه النتائج، التي تربط بين ترشيح HEPA وانخفاض ضغط الدم، تتماشى مع دراسات سابقة تناولت العلاقة نفسها.

ومع ذلك، أشار مؤلفو الدراسة - التي وصفتها مانسون بأنها «دقيقة» - إلى أن دراستهم كانت أوسع نطاقاً من الأبحاث السابقة، إذ لم تُفرض قيود على الأنشطة اليومية للمشاركين، بخلاف ما هو متبع في كثير من الدراسات المشابهة.


خطر صحي يَلوح في الأفق... فيروسان حيوانيان يثيران قلق العلماء

الظروف أصبحت مهيأة لانتشار هذين الفيروسين على نطاق أوسع بين البشر (بيكسلز)
الظروف أصبحت مهيأة لانتشار هذين الفيروسين على نطاق أوسع بين البشر (بيكسلز)
TT

خطر صحي يَلوح في الأفق... فيروسان حيوانيان يثيران قلق العلماء

الظروف أصبحت مهيأة لانتشار هذين الفيروسين على نطاق أوسع بين البشر (بيكسلز)
الظروف أصبحت مهيأة لانتشار هذين الفيروسين على نطاق أوسع بين البشر (بيكسلز)

حذّر علماء، أمس (الأربعاء)، من أن فيروسين ناشئين قد يتحولان إلى أكبر تهديدين للصحة العامة في الولايات المتحدة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وأوضح التقرير أن فيروس الإنفلونزا «د»، الذي ينتقل من الحيوانات إلى البشر، إلى جانب فيروس «كورونا الكلبي»، لا يزالان غير خاضعين للرصد والدراسة بالقدر الكافي.

ويحذّر باحثون في دراسة حديثة، من أن الظروف أصبحت مهيأة لانتشار هذين الفيروسين على نطاق أوسع بين البشر.

وقال الدكتور جون ليدنيكي، الأستاذ الباحث في كلية الصحة العامة والمهن الصحية بجامعة فلوريدا، في بيان: «تشير مراجعتنا للأبحاث المنشورة إلى أن هذين الفيروسين يشكّلان خطراً على صحة الجهاز التنفسي لدى البشر، ومع ذلك لم تُبذل سوى جهود محدودة للتصدي لهما أو الوقاية من العدوى بهما».

وأضاف:«إذا تطورت هذه الفيروسات لتصبح قادرة على الانتقال بسهولة من شخص إلى آخر، فقد تتمكن من التسبب في أوبئة أو حتى جوائح، لأن معظم الناس لن تكون لديهم مناعة ضدها».

فيروس الإنفلونزا «د»

اكتُشف فيروس الإنفلونزا «د» لأول مرة عام 2011، ويرتبط أساساً بالعدوى التي تصيب الخنازير والأبقار والماشية.

ومع ذلك، سُجّلت إصابات به أيضاً في حيوانات أخرى، مثل الغزلان والزرافات والكنغر.

ويُعتقد أن الفيروس يُسهم في الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي البقري، وهي من أكثر الأمراض شيوعاً وتكلفةً في صناعة لحوم الأبقار بأميركا الشمالية، إذ تُقدَّر خسائرها بنحو مليار دولار سنوياً.

وتشمل أعراض الإصابة لدى الأبقار صعوبة التنفس، وسيلان الأنف، والحمّى، والسعال، وفقاً لمجلس أبحاث لحوم الأبقار الكندي.

وأظهرت دراسات سابقة أُجريت على عاملين في مزارع الماشية بولايتَي كولورادو وفلوريدا، أن ما يصل إلى 97 في المائة منهم يحملون أجساماً مضادة واقية من فيروس الإنفلونزا «د»، مما يشير إلى تعرضهم له.

ورغم أن حالات التعرض هذه لم تُسفر حتى الآن عن أعراض مرضية واضحة، فإن القلق لا يزال قائماً بشأن تطور الفيروس، لا سيما بعد أن طوّرت إحدى سلالاته في الصين قدرةً على الانتقال بين البشر.

ولا تُجرى حالياً فحوصات روتينية للكشف عن هذا الفيروس، مما يجعل مدى انتشاره داخل الولايات المتحدة غير معروف بدقة.

فيروس «كورونا الكلبي»

يرتبط فيروس «كورونا الكلبي»، المعروف أيضاً باسم CCoV، بحالات عدوى خطيرة لدى البشر.

وقد رُبط الفيروس بحالات دخول إلى المستشفيات بسبب الالتهاب الرئوي في جنوب شرق آسيا، إضافة إلى حالات حمى وشعور عام بالانزعاج لدى شخص سافر من فلوريدا إلى هايتي عام 2017، فضلاً عن تسببه بأمراض معوية لدى الكلاب.

ووفقاً لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، فقد عُثر على السلالة نفسها لدى طفل أُدخل المستشفى في ماليزيا، وهي مطابقة تقريباً لسلالة HuCCoV_Z19Haiti التي كُشف عنها لدى المسافر، كما تم رصدها لدى أشخاص مصابين بأمراض تنفسية في تايلاند وفيتنام وولاية أركنساس الأميركية عام 2010، مما يشير إلى انتشارها عبر القارات.

ويجدر التنويه إلى أن هذا الفيروس ليس هو نفسه الذي تسبب في جائحة «كوفيد-19».

ويؤكد العلماء أن للفيروسات الناشئة قدرة حقيقية على التسبب في تفشيات وبائية واسعة.

ويشدّدون في هذا السياق على الحاجة إلى تعزيز أنظمة رصد الفيروسات، وتحسين دقة الفحوصات، وزيادة الاستثمارات في تطوير العلاجات واللقاحات.


دراسة: توقيت النوم يؤثر على احتمالية الإصابة بالنوبة القلبية والسكتة الدماغية

الأشخاص الذين ينامون باكراً يتمتعون بصحة قلبية أفضل (رويترز)
الأشخاص الذين ينامون باكراً يتمتعون بصحة قلبية أفضل (رويترز)
TT

دراسة: توقيت النوم يؤثر على احتمالية الإصابة بالنوبة القلبية والسكتة الدماغية

الأشخاص الذين ينامون باكراً يتمتعون بصحة قلبية أفضل (رويترز)
الأشخاص الذين ينامون باكراً يتمتعون بصحة قلبية أفضل (رويترز)

يحصل البالغون الذين يميلون إلى السهر ليلاً على درجات أقل في تقييمات صحة القلب والأوعية الدموية، ويواجهون خطراً أكبر للإصابة بالنوبة القلبية أو السكتة الدماغية، وفق دراسة جديدة.

وتوصلت الدراسة، التي نُشرت اليوم (الأربعاء)، في مجلة جمعية القلب الأميركية، والتي بحثت في كيفية ارتباط النمط الزمني للشخص - أي ميله الطبيعي للنشاط في الصباح أو المساء - بصحة القلب بشكل عام.

وبحسب الدراسة التي نقلتها شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، فقد استند الباحثون إلى بيانات بنك المعلومات الحيوية في بريطانيا على مدى 14 عاماً، وشملت نحو 300 ألف شخص بالغ بمتوسط ​​عمر 57 عاماً.

ووصف نحو 8 في المائة من المشاركين أنفسهم بأنهم «أشخاص مسائيون بامتياز»، أي أنهم يسهرون لوقت متأخر جداً. وقال 24 في المائة آخرون إنهم «أشخاص صباحيون بامتياز»، إذ يميلون إلى الاستيقاظ والنوم مبكراً.

أما المجموعة الكبرى، «المتوسطة»، التي ضمّت 67 في المائة من المشاركين، فقد أعربت عن عدم انتمائها إلى أي من المجموعتين.

وتم تحديد صحة قلب كل شخص باستخدام مؤشر «العوامل الثمانية الأساسية للحياة» الصادر عن جمعية القلب الأميركية. ويُعدّ مؤشر «العوامل الثمانية الأساسية للحياة» تقييماً شاملاً يتضمن: مستويات النشاط البدني، والنظام الغذائي، وضغط الدم، ومستوى الكوليسترول، واستخدام النيكوتين، وأنماط النوم، وإدارة الوزن، ومستوى السكر في الدم.

ودرس الباحثون أيضاً معدل الإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية خلال فترة المتابعة. وخلصوا إلى أن الأشخاص الأكثر نشاطاً في المساء (الساهرين) كانوا أكثر عرضة بنسبة 79 في المائة لمشاكل صحة القلب والأوعية الدموية مقارنةً بالمجموعة المتوسطة، وأكثر عرضة بنسبة 16 في المائة للإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين عرّفوا أنفسهم بأنهم أكثر نشاطاً في الصباح يتمتعون بصحة قلبية أفضل قليلاً. وكان هذا الارتباط أكثر وضوحاً لدى النساء منه لدى الرجال.

وقالت الدكتورة سينا ​​كيانرسي، الباحثة الرئيسية في الدراسة وزميلة كلية الطب بجامعة هارفارد: «غالباً ما يعاني الأشخاص الذين يفضلون السهر من اضطراب في الساعة البيولوجية، ما يعني أن ساعتهم البيولوجية الداخلية قد لا تتوافق مع دورة الضوء الطبيعية بين الليل والنهار أو مع جداولهم اليومية المعتادة».

وأوضح أن الأشخاص الذين يفضلون السهر «قد يكونون أكثر عرضة لاتباع سلوكيات يمكن أن تؤثر على صحة القلب والأوعية الدموية، مثل سوء جودة النظام الغذائي والتدخين وعدم كفاية النوم أو عدم انتظامه».