محمد الرميحي
أستاذ الاجتماع السياسي في جامعة الكويت. مؤلف عدد من الكتب حول مجتمعات الخليج والثقافة العربية. رئيس تحرير مجلة «العربي» سابقاً، ومستشار كتب «سلسلة عالم المعرفة». شغل منصب الأمين العام لـ«المجلس الوطني للثقافة» في الكويت، وعضو عدد من اللجان الاستشارية في دولة الكويت. مساهم بنشر مقالات ودراسات في عدد من الصحف والمجلات المختصة والمحكمة.
TT

قراءة في نتائج الانتخابات النصفية الأميركية

استمع إلى المقالة

على خلاف الاحتفالية التي استقبلت بها شرائح غير قليلة من الرأي العام العربي نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، تحتاج القراءة السياسية إلى شيء من التمهل؛ فخسارة الجمهوريين أغلبيتهم لا تعني أن الولايات المتحدة تخلت عن مصالحها، أو أن الناخب الأميركي ذهب إلى الصندوق ليحسم خلافات الشرق الأوسط. ما حدث يستحق التحليل، لكن تحميله رغباتنا يجعلنا نكرر خطأ قديماً: تفسير السياسة الأميركية بما نتمناه، ثم الاستغراب عندما تتحرك الأمور وفق حساباتها المحلية ومصالحها الاقتصادية.

لديّ ست نقاط أتوقف عندها لتقديم بعض التفسير:

أولاً، من المعتاد أن يخسر حزب الرئيس مقاعد في الانتخابات النصفية، خصوصاً في مجلس النواب. فالناخب يستخدمها لمحاسبة الإدارة، وتعبئة جمهور المعارضة تكون عادة أقوى من حماس جمهور السلطة. غير أن ذلك لا يبرر التقليل من حجم المكسب الديمقراطي الحالي؛ فالتحول واسع، ويحمل اعتراضاً على أداء الإدارة. المطلوب وضع النتيجة في سياقها دون إعلان نهاية الجمهوريين، أو اعتبار كل تراجع انتخابي انقلاباً دائماً في اتجاه المجتمع الأميركي.

ثانياً، كان الاقتصاد وتكاليف المعيشة في قلب المعركة. والإدارة مسؤولة عن قراراتها التجارية والاقتصادية، وعن تقدير آثار الصراعات التي خاضتها. وكذلك شخصنة السياسة التي اتبعها الرئيس ترمب، فلا يصح إعفاؤها من المسؤولية، كما لا يصح فصل الغلاء عن اضطراب إمدادات الطاقة. حرب أوكرانيا، وتعطيل الملاحة في «هرمز»، يرفعان تكلفة النفط والنقل والتأمين، وتصل الفاتورة إلى المستهلك الأميركي، ولو كانت بلاده منتجاً كبيراً للطاقة. السوق عالمية، واضطراب الإمدادات ينعكس على الأسعار خارج منطقة الحرب.

وتتفاقم هذه التكلفة مع تهديدات الحوثيين للملاحة في باب المندب، والاعتداء على المنشآت النفطية السعودية. هنا تظهر المشكلة الإيرانية بوصفها قضية تتجاوز خلاف واشنطن مع طهران. استخدام الممرات البحرية وأمن الجيران أدوات ضغط يجعل الاقتصاد الدولي رهينة للصراع. لذلك لن تختفي هذه المشكلة بتغيّر الأغلبية في الكونغرس، ولن يستطيع الديمقراطيون تجاهلها بعدما جعلوا معيشة الأميركيين أساساً لمحاسبة خصومهم. لكن استمرار التحدي لا يعني اتفاقهم بالضرورة مع الرئيس على وصفته العسكرية، رغم أن يده مطلقة في هذا الملف.

وهذا يقتضي أيضاً التمييز بين معارضة الحرب والتساهل مع سلوك طهران؛ فقد يعارض سياسي أميركي إدارة العمليات لأنه يراها غير فعالة، في حين يؤيد منع إيران من تهديد جيرانها. اختزال الموقفين في صداقة وعداء يحجب عنا البدائل الفعلية، ويضعف قدرتنا على «الرؤية الأوضح».

الأرجح أن يدور الخلاف حول وسائل المعالجة: تفاوض بضمانات، أو عقوبات، أو ردع عسكري يحمي الملاحة. أما قبول تهديد إمدادات الطاقة باعتباره وضعاً طبيعياً، فليس مصلحة أميركية، ولا دولية. ومن مصلحة الخليج أن يدفع نحو معالجة مستدامة تمنع تكرار الابتزاز، وتحفظ سيادة الدول. فالحرب التي تطول قد تزيد المشكلة الاقتصادية التي يُراد علاجها، وتمنح المتشددين أسباباً جديدة للاستمرار.

ثالثاً، يستحق وصول عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ التقدير، بوصفه دليلاً على قدرة المجتمع الأميركي على إدماج مواطنين من أصول مختلفة. لكن الاحتفاء العربي يصبح مبالغاً فيه إذا تصور أن الرجل دخل المجلس ممثلاً للعرب أو المسلمين خارج الولايات المتحدة. هو سياسي أميركي، يحاسبه ناخبوه على الصحة والعمل والتعليم والضرائب... وقد سبقته تجارب لأميركيين سود وعرب ومن أصول لاتينية في مواقع القرار. أميركا مجتمع صنعته موجات الهجرة (شعب الشعوب). وهو جزء من تطورها، وليس تعهداً بتبني قضايانا.

رابعاً، سياسات تقييد الهجرة لا تلغي حاجة الولايات المتحدة إلى المهاجرين، من العلماء وأصحاب المهارات إلى العاملين في قطاعات الإنتاج والخدمات. وهي سياسة غير قادرة على الاستمرار. فالاقتصاد الأميركي يحتاج إلى المهاجرين، والتناقض بين خطاب إغلاق الأبواب وحاجات الاقتصاد أثار قطاعاً من الجمهور الأميركي. كذلك فإن تراجع نسبة البيض غير المنحدرين من أصول لاتينية لا يعني صراعاً محتوماً بين لونَين، ولا يضمن أغلبية ديمقراطية مقبلة؛ فالأصول لا تحدد وحدها سلوك الناخب، والمهاجر نفسه قد يصوّت لسياسات محافظة.

خامساً، توجد مصالح أميركية واسعة تتجاوز الحزبين، مثل أمن البلاد وقوة اقتصادها وحماية تجارتها. لكن الدستور ينظم السلطات، ولا يقدم قائمة مغلقة بتفسير تلك المصالح، أو وسائل تحقيقها. ولهذا تتغير السياسات وتختلف الإدارات، في حين تفرض المؤسسات والقوانين حدوداً على القرار. القراءة العربية تحتاج إلى فهم مساحة الاستمرار ومساحة التغيير معاً. من الخطأ انتظار انقلاب كامل في السياسة الخارجية، كما أنه من الخطأ افتراض أن نتيجة الانتخابات لن تؤثر في التمويل والرقابة وحرية حركة الرئيس.

سادساً، لا تساوي خسارة المقاعد اختفاء القاعدة الجمهورية. لكن تقدير صلابتها يحتاج إلى فحص نسب التصويت والمشاركة والفروق داخل الدوائر، بعد اكتمال الفرز، لا الاكتفاء بعدد المقاعد. وقد يستعيد الجمهوريون الرئاسة والأغلبية بعد سنتين إذا أخفق الديمقراطيون في تحويل انتصارهم ووعودهم إلى نتائج يلمسها الناس. تلك إمكانية سياسية وليست نبوءة. الناخب الذي عاقب السلطة اليوم يستطيع معاقبة من وعده بإصلاحها غداً، خصوصاً إذا بقيت فاتورة المعيشة مرتفعة، واستمرت القرارات الخاطئة تستنزف الموارد.

والدرس لنا أن نبني مواقفنا على قراءة المؤسسات وموازين المصالح، وأن نطوّر قدرتنا على مخاطبة الحزبَين. الاحتفال بفوز طرف لا يغني عن العمل مع الدولة الأميركية.

آخر الكلام: مصالح الدول لا تتبدل بمجرد تبدل الأغلبية.