د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

السوابق الحميدة

استمع إلى المقالة

استيقظت الملكة إليزابيث الثانية على وقع خطوات رجل غريب يدخل غرفة نومها في قصر باكنغهام! كان البريطاني مايكل فاغان قد تسلل إلى القصر متجاوزاً الحراسة وأجهزة الإنذار. والمفارقة أن تلك الحادثة التي وقعت في عام 1982 لم تكن محاولته الأولى؛ حيث اعترف بأنه اقتحم القصر قبل ذلك بأسابيع، وتجول في أروقته؛ بل وتناول بعض الطعام والنبيذ، ثم غادر من دون أن يُكتَشف أمره.

أثارت الحادثة صدمة واسعة في بريطانيا، ودفعت السلطات إلى مراجعة أنظمة الأمن والرقابة، وتشديد إجراءات الحراسة في القصر الملكي الأشهر في العالم.

تلك الحادثة سابقة أليمة؛ لكنها في عُرف العمل الإداري «سابقة حميدة»، إن جاز التعبير؛ لأن الملكة لم تُصَب بأذى رغم وصول المتسلل إلى غرفة نومها. ومن ناحية أخرى كشفت الحادثة عن ثغرات أمنية دفعت السلطات إلى إعادة تنظيم الحماية الملكية.

في العالم سوابق حميدة كثيرة، كانت وراء نقلة نوعية في الإجراءات؛ منها أنظمة السلامة. فعندما نفد وقود طائرة كندية في الجو في مطلع الثمانينات، بسبب خطأ في وحدات القياس، نجح قائدها في الهبوط الاضطراري، وكعادة هذه الصناعة تبدأ قوانين دولية جديدة بعد انتهاء التحقيق، كرفع كفاءة الأجهزة وإجراءات السلامة. وكل حادثة أدت إلى تسمم، أو سوء تخزين، أو حريق، أو تدافع، أو خطأ طبي، أو انهيار مبنى، كان ينبغي أن تكون درساً يستدعي مراجعة الإجراءات لمنع تكرار ما حدث.

هناك سوابق وقعت بالفعل، وأخرى حالت الظروف دون وقوعها، يطلق عليها «الحوادث الوشيكة»، وهي إنذارات تستحق التحقيق قبل تحولها إلى كوارث. فما زلت أتذكر المسرحية الكويتية التي ظهر لنا فيها المنتج متجهماً، ليعلن نشوب حريق في كافتيريا الطابق العلوي، ويطلب من الجميع المغادرة بهدوء عبر مخرج الكواليس، واعداً الجميع بعرض بديل مجاني. هنا أدركت أن قراراً سريعاً كهذا قد يحُول دون وقوع كارثة.

اللافت أنه في عصرنا صار في مقدورنا التنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها، بفضل دراسات استشراف المستقبل الرصينة، وتحليل البيانات الرقمية الموثوقة، فبوسعنا مثلاً رصد المنعطفات التي تتكرر فيها الحوادث المرورية، والتنبؤ بمناطق الاختناقات المرورية، واستباق أزمات الإسكان، وتحديد المواقع المعرَّضة لتجمع مياه الأمطار؛ بل وحتى توقع الضغط على المستشفيات قبل حدوثه.

وقد عُرضت قبل سنوات على إحدى البلديات العربية خدمة إلكترونية ترصد عبر الأقمار الصناعية بوادر تشكل الحُفَر في الطرقات، بما يتيح للمعنيين معالجتها قبل اتساع رقعتها وتفاقم الأضرار.

السابقة الحميدة لا تصبح حميدة لمجرد أننا نجونا منها؛ بل حين نتعلم منها ما يمنع تكرارها.