د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

هل نفكر بعقولنا أم بمشاعرنا؟

استمع إلى المقالة

قد تحركنا معاناة طفل فقير واحد أكثر من مأساة ثمانية أطفال! هذه المفارقة رصدها باحثون في تجارب علمية كشفت أن التعاطف لا يزداد بالضرورة بازدياد عدد المحتاجين. فذلك الطفل الذي نعرف اسمه ونرى صورته قد يستدِرُّ عطفنا أكثر من أرقام تكشف معاناة الآلاف. السبب باختصار يعود إلى أن الأرقام تخاطب عقولنا، أما القصص فتلامس وجداننا وتحرك مشاعرنا.

ولذلك لا يكفي أحياناً أن نقدم للآخرين أدلة منطقية لإقناعهم، فالعاطفة جزء أساسي في التفكير، وليست عائقاً أمامه. هذا ما أثاره عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو في كتابه «خطأ ديكارت» في إشارة إلى الفيلسوف الفرنسي صاحب المقولة الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود». فقد رأى داماسيو أن الفصل الحاد بين العقل والجسد يغفل الدور الذي تؤديه العاطفة في التفكير. واستند إلى حالات مرضى احتفظوا بقدراتهم الذهنية؛ لكن اضطراب استجاباتهم العاطفية أضعف قدرتهم على اتخاذ القرارات.

وعند تأمُّل قراراتنا اليومية، قد نجد مستثمراً يرفض صفقة واعدة لأنه يشعر بانقباض يذكِّره بخسارة سابقة، وحتى قبل أن يدرك أسباب قلقه. وقد يتعلق رائد أعمال «عاطفياً» بمشروعه، كما يقول الأميركيون، حتى يعجز عن التخارج منه رغم تدهور مؤشراته. بل إن إعجابنا بمنتج بعينه يجعلنا نبالغ في منافعه، ونقلل من عيوبه. في تجربة علمية عام 2004 قارنت بين «كوكاكولا» و«بيبسي»، قدَّم الباحثون -في إحدى مراحلها- كوبَين يحتويان «كوكاكولا»؛ لكن أحدهما حمل اسمها والآخر بلا اسم، فمال المشاركون إلى الكوب الذي يحمل الاسم رغم تطابق المذاق!

اللافت أن القصص الخيالية نفسها تؤثر في معتقداتنا؛ إذ كشفت بحوث كثيرة قرأتُها عن «قوة السرد» في التأثير. فقصص «ألف ليلة وليلة» وغيرها ما زالت راسخة في وجدان مَن قرأها، رغم أن جُلَّها خيالي. من هنا ندرك لماذا يحفل القرآن الكريم بقصص حقيقية؛ إذ قال تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص»، فالقصة تقرِّب المعاني المجردة إلى النفس، وتجعلنا نعيش التجربة ونستوعبها من شتى النواحي. ولذلك قال لنا البروفسور في جامعة هارفارد، غاري أورين، إن القصة من أقوى وسائل الإقناع العاطفية، وذلك حينما كان يقدم لنا برنامجاً مكثفاً في تخصصه (فن الإقناع والتفاوض) في بوسطن.

غير أن للعاطفة وجهاً آخر، فقد تنبهنا إلى خطر غفلنا عنه، وقد تدفعنا نحو قرار نعضُّ بسببه على أصابع الندم. وربما أسهمت في حسم قرار واحد من بدائل تبدو كلها وجيهة. وهنا يتداخل تأثير الحدس مع العاطفة.

الحدس ليس حكمة بالضرورة، فقد يكون نابعاً من خبرة متراكمة، أو خوف قديم، أو تحيز ليست له علاقة بالموقف الحالي. وهو في نهاية المطاف يرتكز على شيء من العاطفة.

الحكمة ليست في إسكات العاطفة؛ بل في معرفة متى نصغي إليها ومتى نحتكم إلى العقل.