التاريخ سيرة من مضوا حسب مفهومه التقليدي، غير أن هناك تاريخاً بمعنى الذاكرة الثقافية والذاكرة الوجدانية، والذي يبقى حياً هو معنى الذاكرة من حيث إنها تمهر في التمرد على الوقائع والوثائق وتنفر منها، لذلك تُعنى بترجمة الأحداث ترجمةً فيها ترميز وتشفير، لذا تختار من الوقائع ما يتسق مع رغباتها أو مع تخوفاتها.
فسير الخصوم لا بد أن تكون سلبيةً حسب سلبية الخصم، مقابل تاريخ الذات الذي يتم تجميله وتطريته لأنه مرجعيةٌ وجدانية متجاوزة للوثائقي، ومن ثم فهو حصانة روحية ورمزية. وكذلك فمعنى الذات يشكِّل مرجعيةً تسندها الذاكرة بفعل التذكير بها كلما اقتضتها الضرورات الوجدانية. والمثل يقول «كل فتاة بأبيها معجبة»، وتكبر هذه الفتاة لتكون ذاكرة، أي شعباً؛ حيث يتسع معها ويتسامى فيها معنى الأبوة أو الأمومة، فالأبوة هي القوة العملية، أما الأمومة فهي المحبة ورحم المعنى الروحاني. وتاريخنا سيكون أمجاداً وروحانيات حسب تقلب الزمن معنا، ففي الأزمات تحضر الأبوية، وفي الرخاء تلين الروح مع قصص المحبة وقصائد المتعة، فـ«عبلة» مثلاً فتاة حرة شفيفة فيها معاني الحب والوفاء للمحبة، و«عنترة» فارس مغوار انتصر على ظروفه ورفع رايته بجهده وعلو مطامحه، وما بين «عبلة الرمزية و«عنترة» النموذج تحضر وظيفة الذاكرة التي لا تقبل الفرز ولا التوثيق لتنتمي إلى الرمزين معاً في تبادل متصل وتصديق مطلق بالرمزيتين، بينما سيظهر العدو في صيغة الوحش الغدار، وتتجاور الصور في تشابك يلين حين تتقارب المصالح أو حين التحالف ضد عدو مشترك، وما تلبث الذاكرة أن تستعيد وظيفتها في تفعيل الفروق والتباينات، فمثلاً تتكاره فرنسا مع ألمانيا بخلفية عميقة لكنها تترك حيزاً لتصالحات ظرفية وإن ظلت قابلةً للانقلاب على ذاتها.
وعلامة ذلك ما نراه على عملة اليورو التي توافق عليها المتخاصمون قديماً، لكن حين بحثوا عن رموز يضعونها على اليورو حضرت الذواكر لكي تقضي على الفكرة؛ فكل رمز لإحدى الدول يثير ذاكرة دولة أخرى ويفتح مخازن العداء المطبوع في ذاكرة الأشياء والرمزيات، لذا قرر الأوروبيون أن تُطبع ورقات اليورو من دون صور معينة لشخصيات أو أماكن، ولجأوا إلى صور طيور أو رسومات لا تتصل بتاريخ المكان ولا بأمجاد أي دولة من دول الاتحاد التي هي منطقة وعرة وغير مأمونة المصير لما تحيل إليه من ذاكرة الثقافات الأوروبية التي هي منظومة آلام وضغائن مهيأة للانفجار في أي لحظة، ولو حضر الواقع لجاءت معه الوقائع، فكل شيء فيه يناقض كل ما يأمله الاتحاد الأوروبي من حيث هو مشروع ضد الذاكرة، ولن يتمكن في النهاية من قتل الذاكرة تلك لأنها تستطيع أن تغيب بقدر ما تستطيع أن تحضر.
ومثل ذلك حين يَلوح الصليب المعقوف في شعارات بعض التنظيمات اليمينية في أوروبا فيبعث زمن النازية فيوتِّر الذواكر وتقوم حروب الذاكرة. وتظل الرغبات ماسةً لقتل الذاكرة، وهذا تصرف يعني ممارسة القتل المتعمد للذاكرة أو في الأقل تسكين براميل البارود وتأجيل الانفجار. ولكن ذلك مسعى عصيٌّ على النسيان، ومهما جرى كتمانه فهو يظل على جانب الطريق يسير في ظل السائرين ولا يحتاج إلا للمسة زر الذاكرة لكي ينفجر.
التاريخ إذن سكنٌ للمعنى المعتق لدرجة أنه معنى ينازع كل المعاني ويغلبها في معظم الحالات، لذا يصعب التحرر من سلطة التاريخ علينا، وحتمية التاريخ تفوق حتمية الجغرافيا، فالجغرافيا مكان مؤطَّر بحدود، لكن التاريخ يترحل مع البشر كأنما هو أجسادهم، وهل ينفك أحد من جسده؟!
هذا يفسر أخطر عُقد العلاقات العامة، أمماً ومجتمعات وأفراداً، والقول الذي يقول «من عرفك صغيراً احتقرك كبيراً» هو من دلالات سلطوية التاريخ على المعاني وعجزِنا عن التحرر منها. ونرى ذلك في معاجم اللغة، حيث يكتنز المعجم سلاسل دلالات يسردها كل معجم مع كل مفردة من مفرداته التي هي سلسلة أنساب الكلمات كما أنساب السلالات البشرية. كذلك هي حال مواد الذاكرة، فهي كالمعجم إذ يحتوي الكلمات مصحوبةً بحمولات المعاني، وذواكرنا معاجم وحاويات هائلة فيها التآلفات والتناقضات مع جاهزيةٍ لكل أنواع التوظيف والاستدعاء متى ما اقتضى المقام وقوداً يتسق مع الظرف المحفز.
