ليست مصيبة اليمن في تخريب ميناء هنا وضرب مطار هناك، المصيبة أن يظل اليمن يدفع ثمن كل مغامرة عبثية ومقامرة مجنونة.
«إن اليمن يدفع ثمن موقعه» هكذا يُقال، لكن الأدق أنه يدفع ثمن مواقف هوجاء... عندئذ، ما قيمة عبقرية المكان إذن أمام عبثية الإنسان؟!
دخل الحوثيون صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014، وأظهروا حقيقتهم في يناير (كانون الثاني) 2015، فهاجت العواصف؛ قامروا بمقدرات البلد، وأخذ اليمن يدفع الثمن.
ولما جُنّ جنونهم مما أُنجِز في مدن يمنية بعيدة عن سطوتهم، سواء في مأرب أو المخا أو حضرموت، جعلوا لكل منجز هناك ثمناً. مؤخراً، توالوا على قصف ميناء المخا اليمني... كما أعلنوا عن استهداف سفن في البحر الأحمر.
ليس في الحرب مجدٌ للأشقياء الذين احتكروا أسباب المعاناة وجذور الأزمة... المجد كل المجد لمن يرتضي السلام حلاً، ويسعى إليه إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ لكن السلام غير مرغوب فيه، والهدنة مملة بالنسبة إلى من يتعطش للحرب كي يتسلى، فيخترع سرديات تبرر تفجير الوضع من جديد على أكثر من صعيد، غير مكترث بمن يدفع الثمن.
هل تحسبون اليمن يدفع ثمن نزاع أبنائه فقط؟ لا، إنه يدفع أيضاً ثمن نزاع أصدقاء آخرين يتصدرون المسرح الدولي!
شاهدوا استعراض مجلس الأمن لتطورات وتدهورات «اليمننة» يوم 13 أغسطس (آب) الحالي، وانظروا كيف تبارى مالكو حق «الفيتو» وتسابقوا إلى تبادل النكاية فيما بينهم، بعدما أحاطهم المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ للمرة الحادية والأربعين، ومعه توم فلاتشر وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، بحجم ما دفع اليمنيون ويدفعون وسيدفعون من ثمنٍ لنقضِ «الهدنة الهشّة» والتصعيد.
ما دام المجتمع الدولي لم يُعلن بعد علاجاً للخطر المتورم داخل اليمن، والضغط من أجل السلام_لليمن على النحو المأمول، سيطول طابورُ دافعي ثمن إعاقة المسار السلمي، ويبقى كل عنصر غير فاعل يسدد ثمن عدم فاعليته.
في «سيرة الحرب في اليمن» فصول أقساها معاناة يمنيات ويمنيين يدفعون الثمن، وينتظرون إغلاق باب تسديد ديون مقامرة مقيتة تفضّلها الميليشيات، وتثير حسرة المبعوث الأممي على الهدنة، فيسعى مع بعض الأشقاء إلى إنعاش المسار السياسي، لكي لا يطول دفع الثمن.
ماذا ينبغي أن يحدث الآن؟
لا بد من انتهاج سبيل مغاير لمحاولات الاستدراج ودفع ثمن الصراع من جديد... لرسم النهاية بشكل جديد.
ما دامت النكاية نهج تعامل في مجلس الأمن -وكذلك في مجالس القات والتواصل الاجتماعي اليمني!- لا غضاضة إذن في أن تمارس الحكومة الشرعية نكايةً بغير الشرعيين.
بعنفٍ ينم عن ضعف يتصرف الحوثيون، وجديرٌ بالشرعية استمرار التصرف الهادئ والحازم بما ينم عن قوةٍ ومقدرةٍ على تحديد أوان إنهاء المأساة بثمنٍ قليل.
إن توالي قصف ميناءٍ سيُعاد بناؤه ويُستأنف نشاطه، نكايةً بمن قصفه، مصيبةٌ هينة أمام مصيبة أدهى يجب تلافيها، وهي قصف الثقة تأثراً بالإشاعات وتصديقاً للأراجيف الباطلة. إدراكاً لخطورة ذلك، التقى الرئيس رشاد العليمي السفراء لدى اليمن، ثم الإعلاميين اليمنيين (10 أغسطس/آب الحالي)، ووجّه رسالةً مفادها «لا تفقدوا ثقتكم...».
حتماً، تتعزّز ثقة اليمنيين بسلطات الدولة وهي ترعى مصالحهم وفق الدستور والقانون، وتسعى نحو السلام بكل وسيلة تُبهِت الميليشيات وتُبطِل إرهابها، لئلا يطول دفع ثمن أي مقامرة خاسرة.
