د. عبد العزيز حمد العويشق
الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي.
TT

الاجتماع الخليجي ــ الأميركي وأولويات فترة ما بعد توقيع مذكرة التفاهم

عُقد في المنامة يوم الخميس 25 يونيو (حزيران) اجتماعٌ مفصليٌّ بين وزراء خارجيةِ دول مجلس التعاون ووزيرِ الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومع أنَّ الجانب الأميركي على اتصال مستمر مع دول المجلس منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، فإنَّ هذا الاجتماعَ اكتسبَ أهميةً خاصة، لأنَّه عُقد بعد أيامٍ قليلةٍ من توقيع مذكرة التَّفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وبدء مفاوضات الحل النهائي بينهما.

أكَّد روبيو أنَّ أميركا لن تعقد اتفاقاً على حساب دول المجلس، أو اتفاقاً يضر بمصالحها، ولهذا حرص على عقد هذا الاجتماع، لكي يستمع إلى مواقف ومشاغل دول المجلس مجتمعة، في إطار مجلس التعاون، لكي تُؤخذ بعين الاعتبار خلال المفاوضات.

كان الهدف الثاني من الاجتماع إعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بأمن دول مجلس التعاون، وهذا التأكيد مهم في ضوء التصريحات المتناقضة من البيت الأبيض وبعض أعضاء «الكونغرس»، والتكهنات المتضاربة في الإعلام الأميركي.

والهدف الثالث هو التنسيق حول القضايا الأخرى في المنطقة، مثل غزة والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، والعراق.

رحّب الوزراء الخليجيون بالتوقيع على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو، وأكدوا الحاجة إلى أن تكون دول المجلس حاضرة ومشاركة في مفاوضات الحل النهائي. وكان هناك اتفاق كبير على أولويات المرحلة المقبلة، وأولاها استمرارية الهدنة ووقف الأعمال العدائية تجاه دول المجلس.

وثانية الأولويات هو ضمان فتح مضيق هرمز دون معوقات أو رسوم أو تهديد أو فرض سلطة أي دولة عليه، وتأكيد أن حرية الملاحة وحق المرور العابر ضروريان للأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، وكان هناك تقدير بالغ لإعلان سلطنة عمان هذا الأسبوع لتهيئة ممر آمن للسفن في مضيق هرمز، دون فرض رسوم، وكذلك لجهود السلطنة في إجلاء آلاف من البحارة العالقين. وهو رد على ادعاءات الإعلام الإيراني حول عُمان، فجاء إعلان السلطنة داحضاً لتلك المزاعم.

وتتمثّل الأولوية الثالثة في منع إيران من تطوير سلاح نووي أو حيازته، وفي معالجة تهديدات برنامجها الصاروخي والطائرات المسيّرة.

الأولوية الرابعة تتعلّق بمعالجة تهديدات وكلاء إيران في المنطقة، بدءاً بالعراق، حيث شنَّت الميليشيات الموالية لإيران نحو نصف إجمالي الهجمات ضد السعودية والكويت.

ورد الجانب الخليجي على ما تردد في الإعلام بشأن تأسيس صندوق لتنمية إيران أو إعادة إعمارها برفض مثل هذه الأطروحات، مؤكدين أن الأولوية يجب أن تكون لتعويض دول المجلس عن الأضرار التي تسببت فيها الاعتداءات الإيرانية.

وافق الجميع في نهاية المطاف على أن الالتزامات المتعلقة بالتجارة والاستثمار في مذكرة التفاهم مع إيران التزاماتٌ مشروطة وقابلة للتراجع؛ إذ تظلّ مرهونةً بامتثال إيران لمذكرة التفاهم والاتفاق النهائي، وبوقف سلوكها المزعزع للاستقرار، وتهيئة الظروف اللازمة للتعاون الاقتصادي.

من حيث المبدأ لا يمانع الجانب الخليجي في الحوار مع إيران والتعاون الاقتصادي معها، إلا أن ذلك يحتاج أولاً إلى استعادة الثقة التي فُقدت بسبب الاعتداءات الإيرانية على دول المجلس، مما يتطلّب تعهد إيران بعدم تكرار مثل تلك الهجمات.

فيما يتعلق بسوريا، أجمعت الدول السبع على دعمها للشعب السوري في بناء دولةٍ مستقرة وآمنة، تراعي مصالح مكونات مجتمعها كافّة، وتندمج اندماجاً كاملاً في محيطها الإقليمي. ورداً على نوايا إسرائيل المعلنة ضد سوريا، وعلى أطروحات الانفصال وتفتيت الوحدة الوطنية، أكدوا التزامهم بسيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، وتم الاتفاق على مواصلة العمل مع الحكومة السورية وتقديم المساعدة إليها في معالجة التحديات الرئيسية، مثل مكافحة الإرهاب، واستعادة الخدمات الأساسية، وتحسين مناخها الاستثماري، وتمكين العودة الطوعية للاجئين والنازحين.

وفيما يتعلَّق بلبنان أعرب الوزراء عن الالتزام الكامل بسيادة لبنان وأمنه واستقراره وسلامة أراضيه، رداً على اعتداءات إسرائيل المتكررة واحتلالها جنوب لبنان. ودعوا إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لاستعادة الأمن والسلام في لبنان. والحفاظ على مسار تفاوضي مستقل غير مشروط بنتائج النزاعات الأخرى، وهو رد على محاولات إيران ربط مصير لبنان بنزاعها مع الولايات المتحدة.

ودعا الوزراء إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها كافّة، وترسيم الحدود، مؤكدين أنَّ السيادة اللبنانية لا يمكن أن تتحقق في ظل احتفاظ جماعات مسلحة غير حكومية بقدرات عسكرية خارج نطاق سلطة الدولة، ودعوا إلى حصر استخدام السلاح للدولة اللبنانية، ودعم القوات المسلحة اللبنانية في تحقيق ذلك.

وفيما يتعلق بغزة جدّد الوزراء دعمهم للخطة الشاملة التي طرحها الرئيس ترمب لإنهاء النزاع في غزة، واعتمدها مجلس الأمن الدولي بقراره رقم «2803». ورحّب روبيو بدعم دول مجلس التعاون لـ«مجلس السلام»، وشكرها على التزامها بالعمل على إنجاح جهود تحقيق الاستقرار والتعافي وإعادة الإعمار في غزة. وأكد الجانب الأميركي مجدداً أنه لن يُجبَر أحد على مغادرة غزة، وأن من يرغب في المغادرة فسيكون له مطلق الحرية في العودة في أي وقت يشاء.

وشدّد الوزراء على أهمية نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية بما يتيح إعادة إعمار غزة، وتسليم المسؤولية إلى سلطة مدنية فلسطينية مستقلة وقادرة.

وأكد الجانب الأميركي تصريح الرئيس ترمب الذي أعلن فيه معارضة الولايات المتحدة لضمّ الضفة الغربية. واتفق الجميع على أن إحراز التقدم في إعادة إعمار وتنمية قطاع غزة، وفي إصلاحات السلطة الفلسطينية، من شأنه أن يهيّئ الظروف لنيل الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

وبالطبع فإنَّ ثمة تبايناً في وجهات النظر حيال بعض هذه القضايا، إلا أنَّ الوزير الأميركي أكد رغبته في تأسيس قنوات جديدة للتواصل بين الجانبَين، تضمن ديمومة التشاور بينهما، خصوصاً خلال فترة الشهرَين المقبلَين، حيث تعمل الولايات المتحدة على التوصل إلى اتفاق دائم بشأن القضايا العالقة مع إيران.

وأثبت الاجتماع أهمية الشراكة الاستراتيجية التي أسّسها مجلس التعاون بوصفها منظومة مع الولايات المتحدة في مايو (أيار) 2015، واقترح روبيو دعمها بتأسيس آلية اتصال جديدة تضمن استمرارية المشاورات خلال الفترة الحرجة المقبلة، إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران.