أورد موضوع نشره مؤخراً موقع «أكسيوس» الإخباري عن السياسات المتعلقة بصحة الأم «نتائج» تستند إلى مراجع تشير إلى أن أغلب الناس يثقون في أطبائهم والممرضين المعالجين لهم. يبدو على المستوى السطحي عدم وجود شيء غير عادي في الأمر، لكن ما لم يُذكر بشكل أساسي هو أن تلك النتائج مختلقة.
وكشف النقر على الروابط أن استطلاع الرأي العام كان محاكاة حاسوبية تديرها شركة «أرو» الناشئة التي تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي. ولم يشارك أشخاص في عملية إنشاء تلك الآراء. تُسمى الطريقة التي استخدمتها الشركة تقنية السيليكون للنماذج الاصطناعية والتي انتشرت فجأة في كل مكان. الفكرة وراء هذه التقنية بسيطة ومشوّقة. نظراً لأن نماذج اللغات الكبرى قادرة على توليد إجابات وردود تحاكي إجابات البشر، ترى شركات استطلاعات الرأي فرصة لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي في محاكاة الإجابات على استطلاعات الرأي بتكلفة ووقت أقل من اللازمين لإجراء استطلاع رأي تقليدي.
تزداد عملية إجراء استطلاعات الرأي عن طريق الهاتف صعوبة. وكذلك يتضمن إجراء استطلاع الرأي عن طريق المواقع الإلكترونية قدراً كبيراً من الشك. وتزيد تقنية السيليكون للنماذج الاصطناعية الجزء الفوضوي المكلّف من عملية طرح الأسئلة على الناس لمعرفة آرائهم.
مع ذلك يقوّض ذلك الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها استطلاع الرأي بالأساس. يُستخدم الرأي العام لتوجيه السياسات والسياسة وعلم الاجتماع، ويحمل قيمة مستمدة من تلخيصه لمعتقدات وآراء الأشخاص الحقيقيين. إن استخدام محاكاة لآراء البشر بدلاً من الوضع الحقيقي سوف يزيد منظومة المعلومات المتردية سوءاً وينثر بذور الشك. لا ينبغي أن نلجأ إلى مجتمع صناعي لمحاولة فهم مجتمعنا الحقيقي.
وأوضح الصحافي والتر ليبمان، في كتابه المؤثر «الرأي العام» الذي نُشر عام 1922، أن البشر يشكلون «صوراً داخل عقولهم» للمجتمعات التي يعيشون فيها. وأطلق على تلك الصور تسمية «قصص خيالية» و«بيئات وهمية زائفة»، مشيراً إلى أن الدولة الديمقراطية بحاجة إلى تلك الأدوات لإصلاح تلك الصور، ويمكن لاستطلاعات الرأي أداء هذا الدور. لا يمكن لاستطلاعات الرأي أن تكون مثالية، لكن أعتقد أنها مهمة لتقريبنا من معنى دقيق لإرادة الناس ورغبتهم.
مع ذلك تبيّن أن عملية تنفيذ استطلاعات الرأي مرعبة على مدار سنوات. للحصول على أقل هامش خطأ، لا بد أن يجمع الاستطلاع إجابات من عينة كبيرة ودقيقة من الناس، لكن عادة ما يواجه مستطلعو الآراء معاناة في الوصول إلى الناس. ربما يكون بعض الناس منشغلين إلى حد يمنعهم من الحديث عبر الهاتف أو ملأ بيانات استبيانات على الإنترنت. للتعويض عن تلك الأمور، يتجه مستطلعو الرأي إلى نماذج إحصائية لحساب متغيرات يمكنها إحداث انحراف في النتائج.
تلك العملية معيبة وتتسم بالفوضى. فلنفترض على سبيل المثال أن مستطلع رأي يريد معرفة كيف يفضل الكثيرون في الولايات المتحدة الأميركية إجراء سياسياً محدداً، لكن ينتهي الحال بمستطلع الرأي إلى استبيان يتضمن 80 في المائة من الجمهوريين و20 في المائة فقط من الديمقراطيين. وربما يظن مستطلع الرأي أن البلاد في الواقع تقترب من الانقسام بنسبة 50 في المائة إلى 50 في المائة، لذا يعاد تحديد النتائج للتعبير عن ذلك الواقع المتصور. يعني هذا أن النسب المئوية، التي تقرأها بصفتها نتائج لاستطلاعات رأي، هي مخرج النموذج، لا أرقام مستمدة من البيانات الفعلية للاستطلاع.
تكمن المشكلة في أن كل نموذج مصمم بانحيازاته الخاصة؛ نظراً لاختلاف مستطلعي الرأي بشأن المتغيرات التي تستحق وضعها في الاعتبار بدرجة أكبر. وخلال عام 2016 أجرى نيت كوهن، كبير المحللين السياسيين في صحيفة «نيويورك تايمز»، تجربة أعطى خلالها خمسة من مستطلعي الرأي بيانات استطلاع رأي واحد خاص بالانتخابات. وجد كوهن تبايناً نسبته 5 في المائة بين نتائج النماذج الخاصة بالخمسة أشخاص. هذا النطاق كان أكبر من هامش الخطأ المرتبط بشكل عام بأخذ العينات العشوائية، مما يعني أن افتراضات النماذج كانت تحدث انحرافاً في النتائج بشكل كبير. إن هذا الأمر مثير للقلق لأنه يشير إلى أن مستطلعي الرأي يمكنهم استخدام عملية وضع نماذج استطلاعات الرأي لدفع استطلاعات الرأي في اتجاه محدد، والتأثير على الرأي العام نفسه، بدلاً من نقل ما يعتقده عامة الناس في البلاد.
تزيد تقنية السيليكون للنماذج الصناعية هذه المشكلة سوءاً. إن الأطفال البارعين في الكومبيوتر ممن يقفون وراء تلك التقنية متحمسون كثيراً تجاه الذكاء الاصطناعي إلى حد يجعلهم يصرّون على أن نماذج المحاكاة الحاسوبية التنبؤية المعقدة التي ابتكروها دقيقة لأنها مدرّبة على ما تمت ملاحظته في الماضي. لذا فإنهم يتفوقون في محاكاة السلوك البشري في الحاضر، ويتوقعون ما سيحدث لاحقاً. ومع ذلك لا تتعلق استطلاعات الرأي بالتوقع، فالهدف منها هو جمع الآراء الحالية.
تبدو هذه الطريقة سخيفة، حيث نعتقد بالفعل أنها كذلك. وما يزيد الطين بلّة وجود الكثير من الأدلة التي تؤكد عدم توصلها إلى نتائج موثوق فيها. وتشير دراسة حديثة إلى أن الانحيازات التي تسبب انحرافاً في استطلاعات الرأي تتسبب أيضاً في الإحصاءات الناتجة عن تلك التقنية بشكل أكبر. وكلما ابتعدنا عن الناس، أصبحت المحاكاة أقرب إلى معتقدات مستطلعي الرأي.
مع ذلك، يواصل واضعو نماذج الذكاء الاصطناعي عملهم، ويوجد تمويل كبير لهم. تعمل شركة «إبسوس» مع جامعة «ستانفورد»، من أجل «تحقيق الريادة في استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الصناعية في السوق وأبحاث الرأي العام» وفق قولها، وذلك من خلال إنشاء توائم رقمية «تصوير افتراضي للمشاركين في استطلاعات الرأي في العالم الواقعي».
إذا لم نكبح جماح تلك التقنية، يمكن أن نرى تقوّضاً كبيراً في الثقة في مجال الرأي العام وأبحاث علم الاجتماع على نطاق أوسع. إن نتائج تلك الدراسات ما هي إلا آراء مضطربة مشوّشة مقدّمة على أنها حقائق موضوعية. من الخطأ القول إن أكثر الناس يثقون في الأطباء والممرضين المعالجين لهم على أساس استطلاع رأي أُجري بواسطة الذكاء الاصطناعي.
