في المقالة السابقة تمنيت لو أن ثقافتنا في الوقت الحاضر كانت مثلما كانت بين أواسط القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين. وهي أمنية لم أقصد فيها أن نعود للماضي أو أن يعود الماضي إلينا بما تحقق فيه. فالزمن لا يعود القهقرى، بل يتقدم إلى الأمام. والذي تحقق في الماضي تحقق ولم يعد فيه الآن إلا الدرس الذي نستخلصه أو العبرة التي نستطيع أن ننتفع بها ونحن نبحث عن الجديد الذي يجب أن نحققه في الحاضر والمستقبل ونضيفه إلى ما حققناه من قبل. وإنما قصدت بأمنيتي أن أذكّر القارئ العزيز بالقفزة الرائعة التي قفزناها وانتقلنا بها من الظلمات التي خيمت علينا في زمن العثمانيين إلى العصور الحديثة التي نحاول أن نكون فيها بناة منتجين لا مجرد مستهلكين.
ولكي أقدم صورة معبرة عما حققناه في هذه القفزة أو هذه النهضة كان علي أن أشير إلى ما بلغته ثقافتنا قبلها من تراجع شامل فقدنا فيه قدرتنا على التفكير، وتراجعنا أكثر ففقدنا لغتنا الفصحى التي تراجعت حتى على ألسنة فقهائنا فصاروا يكتبون بلغة تثير من الضحك قدر ما تثير من الرثاء، وهو ما أشرت إليه في المقالة السابقة التي لم أتمكن فيها من تقديم الصورة المقابلة لهذا التراجع، وهي القفزة أو النهضة التي تحققت في سنوات قليلة استعدنا فيها كأننا لم نفقدها قروناً عدة، ثم استطعنا أن نستعيد قدرتنا على التفكير والإبداع وأن نحقق ما حققناه في الأدب بأشكاله المختلفة، وفي الصحافة، وفي الترجمة، والعلم، وفي السياسة، وفي المسرح، ومن هنا نفهم هذا الشعور القوي بالحاجة لامتلاك اللغة والتمكن منها، وتزويدها بما تستطيع به أن تخاطب العصر، وتسمي نظمه وقوانينه، وعلومه، وأدواته، ومخترعاته.
وفي المقالة السابقة تحدثنا عن معجم الزبيدي «تاج العروس» وعن المعاجم التي ظهرت قبله، وبوسعنا أن نضيف إليها ما صدر بعد «تاج العروس» لنؤكد هذه الحقيقة البديهية التي يبدو أننا أصبحنا محتاجين لتأكيدها في هذه الأيام، وهي أن اللغة هي الشرط الأول للتفكير والإبداع والتقدم، فضلاً عن أنها الشرط الأول لقيام المجتمع.
***
بعد «تاج العروس» الذي ظهرت طبعته الأولى في القاهرة قبل أكثر من مائة وخمسين عاماً، ظهرت في لبنان سلسلة من الأعمال اللغوية أولها ما قدمه ناصيف اليازجي من الأراجيز والمختصرات في النحو والصرف، وبعدها أراجيز البستاني ومختصراته فيهما، وبعدها «محيط المحيط» الذي استوعب فيه البستاني ما قدم في معاجم سابقة، وأضاف إليه ما وجده من مصطلحات العلوم الحديثة. ثم يظهر «سر الليال في القلب والإبدال» لأحمد فارس الشدياق. وفيه يسرد الأفعال المتداولة، ويقدم أمثلة وإيضاحات لم ترد في المعاجم. وللشدياق أيضاً «الجاسوس على القاموس» الذي جمع فيه ما وجده من المآخذ على قاموس الفيروزابادي.
***
وإذا كان الشرط الأول للتفكير والإبداع قد تحقق وهو امتلاك اللغة فقد أخذ رواد النهضة الحديثة يظهرون في مختلف المجالات ويحققون شرطاً آخر لا تستطيع الثقافة العربية بدونه أن تنهض أو تستعيد طاقتها، وهو أن تكون ثقافة قومية، أي أن تكون نشاطاً مشتركاً يسهم فيه كل الناطقين بالعربية على اختلاف أقطارهم، لأن ما يقدمه المصري يختلف قليلاً أو كثيراً عما يقدمه اللبناني أو العراقي، وما يقدمه المغربي أو التونسي يختلف عما يقدمه السوري أو اليمني.
والمعنى المقصود بالاختلاف هو التكامل. لأن الخبرات تتعدد، والحاجات، والمطالب. ثم إن هذا التعدد ليس تجاوراً تزيد به الكمية، وإنما هو حوار وتفاعل تتطور به الثقافة العربية وتغتني وتتقدم على النحو الذي تحقق لها في العصور الماضية التي تزامنت فيها ثقافة الأندلسيين وثقافة العباسيين، وكان شعر هؤلاء وهؤلاء امتداداً وتطوراً لشعر الجاهليين.
ونحن نرى أن المعلقة الجاهلية لها شكلها الخاص الذي تميزت به وعبرت عن واقع يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي عبرت عنه القصيدة العباسية، كما يختلف عن الواقع الذي عبر عنه الموشح الأندلسي. والمعنى المقصود بالواقع هنا هو مختلف العناصر التي تعبر عنها القصيدة. العواطف، والأفكار، والطبيعة، والمجتمع، والثقافات الأخرى، والماضي، والحاضر.
لكن هذا الاختلاف لم يكن ثمرة ابتعاد وانفصال، وإنما كان ثمرة تواصل وتفاعل يؤديان بالضرورة لنتائج تختلف وتتعدد. وإذا كان الشعر هو الفن الغالب في الثقافة العربية في عصورها الأولى فقد أخذ النثر يتقدم في العصور التالية متمثلاً في الرسائل، والأمثال، والنوادر، ثم المقامات حتى وصلنا إلى العصر الحديث الذي اغتنى فيه الأدب العربي بفنون القصة والمسرح. ونحن نعرف الشهرة العالمية التي حصلت عليها الليالي العربية «ألف ليلة وليلة».
***
وكما تحقق هذا الشرط الآخر للثقافة العربية في عصور ازدهارها الأولى، وهو أن تكون إنتاجاً مشتركاً وثقافة قومية، تحقق لها في هذا العصر الحديث الذي عرف من وسائل التواصل والتبادل والتفاعل ما لم تعرفه العصور الماضية، وما علينا إلا أن ننظر في الدور الذي أدته المطبعة، والدور الذي أدته الصحف والمجلات، والدور الذي أدته الفرق المسرحية، والدور الذي أدته الإذاعات المسموعة والمرئية.
في الصحافة نرى من روادها الأوائل أحمد فارس الشدياق، ورفاعة رافع الطهطاوي، وأديب إسحق، وبطرس البستاني، وعبد الله النديم، ويعقوب صروف، وبشارة تقلا، وجورج زيدان.
وفي المسرح اسكندر فرح، وسلامة حجازي، وجورج أبيض، ويوسف وهبي، وروز اليوسف، وعزيز عيد، وزكي مراد.
وفي الشعر وهو الفن الذي افتتحت به النهضة سيرتها نرى محمود سامي البارودي، ونرى بعده خليل مطران شاعر القطرين، ومعه الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي.
وفي تلك الأعوام المائة التي نهضت فيها الثقافة العربية هذه النهضة وبلغت هذا المدى كان المثقفون العرب يرون وطنهم حيث يجدون المناخ الملائم لنشاطهم، وهذا ما رأيناه في مصر التي احتضنت في تلك المرحلة نشاط العشرات من المفكرين والأدباء والفنانين العرب الآخرين. والآن نسأل أنفسنا عما بقي لنا من هذه النهضة؟
