ليبيا التي وحَّدها الأسلاف قبل سبعين عاماً ونيف، وضيَّعها بعض الأخلاف؛ يقسمونها بينهم قسمة كعكة بالتشظي السياسي، وبخطوات تكرس الانقسام الجغرافي وليس فقط السياسي، فالجمود السياسي يراوح مكانه، رغم محاولات البعثة الأممية لتحريك المياه الراكدة، لكن الحال لا يزال كما هو، أي حالة تشظٍّ سياسي وانقسام حاد جداً بين حكومتين وبرلمانين ومصرفين مركزيين، حتى طال الأمر المؤسسة القضائية التي هي آخر ما انقسم وتشظَّى بعد قرار المحكمة العليا الطعن في قرارات تشريعية للبرلمان، بل إنَّها ألغت قانون العفو العام، في خطوة كارثية تضرب أي محاولة للتقدم في ملف المصالحة الوطنية، بل إن المحكمة العليا بانقسامها وتفردها أحدثت شرخاً كارثياً في المؤسسة القضائية، التي لم تكن لفترة طويلة طرفاً في الصراع السياسي والانقسام.
بعد انقسام المحاكم في ليبيا، بين الرافض منها والموافق، أصبح الجدل القانوني والسياسي حول الأحكام الصادرة عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بعدم دستورية أربعة قوانين أصدرها مجلس النواب؛ أبرزها قانون العفو العام رقم 6 لعام 2015، مشتعلاً ويهدد السلم المجتمعي بعد إلغاء قانون العفو العام وما ترتب عليه من أوضاع قد تهدد المصالحة الوطنية، وأصبحت ليبيا تنتقل من الخلاف السياسي إلى الخلاف القضائي وتتفاقم المعاناة وانقسام البلاد، رغم محاولات لمّ الشمل وتوحيد الصف الوطني.
ومن المسببات المحلية الأخرى في تمدد الأزمة في ليبيا، الخطوات الأحادية؛ ومنها إعلان تشكيل «الهيئة العليا للرئاسات» التي تجمع التشريعي والتنفيذي والقضاء، وهي أشبه بالخليط العجيب والهجين من طرفٍ هو في الأصل وليد اتفاق سياسي من دون مشورة باقي الأطراف الرئيسية، كما تعد خطوة خطيرة وتكريس للديكتاتورية، بل تحرض على الانفصال والمطالبة بالحكم الذاتي، وهي باطلة قانوناً ومخالفة لاتفاق جنيف المكمل لاتفاق الصخيرات، وجميعها أصبحت في حالة موت سريري يستعجل الدفن. وكل هذا عدا عن تفرد مجلس الدولة الاستشاري بتكليف رئيس للمفوضية العليا للانتخابات في خطوة انفرادية من مجلس الدولة الاستشاري، الذي هو في أصل اختصاصه غرفةٌ استشارية للبرلمان، وليس مناظراً له، كما يحاول يُصدّر ذلك المجلس وأعضاؤه الذين أغلبهم من عناصر الإسلام السياسي، وليسوا منتخَبين كما هو الحال مع أعضاء البرلمان، بل هم (أي أعضاء مجلس الدولة) امتداد لأعضاء المؤتمر الوطني السابق الذي مضى على انتخابه أكثر من أربعة عشر عاماً، مما يعني انتهاء ولايته، بل أُعيد إحياؤه تحت مسمى «مجلس الدولة» في اتفاق الصخيرات السياسي.
غياب الأجندة الوطنية وتغليب الخارجية عليها من أسباب تعثر الحل في ليبيا، مما تسبب في تعثر الوطن في النهوض من كبوته التي طال بها الزمن، حيث تنقلت الأزمة الليبية بين عواصم العالم: من برلين واحد واثنين، وباريس، والصخيرات، وبوزنيقة، المغربيتين، وصلالة العمانية، وتونس التونسية، وجنيف، وغدامس الليبية، من دون الوصول إلى اتفاق دائم للحل لا ينقلب عليه أيٌ من الطرفين الرئيسيين، خصوصاً الانتهازيين منهم.
فالسياسيون الانتهازيون هم السبب الأساس في خراب ليبيا، وذلك من خلال فشلهم السياسي في إيجاد تسوية للأزمة الليبية التي بدأت تتفاقم مع اللاءات لمنع الانتخابات في المدى القريب، أو ربما لا انتخابات أبداً في ليبيا المنكوبة بالفوضى والمراحل الانتقالية وصراع الشرعيات، الأمر الذي يعكس حالة من استمرار التشظي، بعد أن ألغى البعض قانون العفو العام الذي عُدّ رصاصة الرحمة على مشروع المصالحة الوطنية، ونجاح الطرف المتطرف في تحقيق هدفه باستمرار الصراع والتشظي في انتظار من يتغلب بقوة السلاح، خصوصاً في ظلّ سعي الطرفين إلى التوسّع في التدريب والرغبة في التسلح بشكل كبير.
بعض النخب السياسية الفاسدة هي من تردد الحديث عن الانتخابات رياءً، وتمنعها بذرائع مختلقة وعديدة وعرقلة أي شيء ليس مفصلاً على مقاس أعضائها، بدليل رفضهم قوانين الانتخابات الليبية، مما يعني أنهم لا يعترفون بالعملية الانتخابية ونتائجها إلا في حالة فوز مرشحيهم فقط.
ليبيا اليوم مهدَّدة بالانقسام الجغرافي، بعد أن اكتملت أركان الانقسام والتشظي السياسي والعسكري، مما قد يدفع البلاد نحو كارثة لا تختلف عن انقسام السودان واليمن، على الرغم من أنَّ ليبيا لا تستطيع الاستمرار إلا دولةً موحدةً حتى ولو بالفيدرالية أو الكونفيدرالية، المهم أن تكون دولة واحدة موحدة، وإلا ستنهشها الدول. وفي حال انقسامها ستطالب الدول حتى تلك التي في أعالي البحار كاليونان وتركيا اللتين تتسابقان على الجغرافيا الحدودية مع ليبيا طمعاً في غاز وبترول المتوسط، بترسيم حدود جديدة مع ليبيا المنقسمة إلى دولتين شرقاً وغرباً، وحينها تضيع حقوق ليبيا الموحدة وحتى المنقسمة على نفسها.
