تُظهر أزمةُ إيران الحاليةُ فشلاً ذريعاً لاستراتيجية «الدفاع الأمامي» التي تبنَّتها طهران منذ عقود، وتقوم على مبدأ حماية ترابها الوطني عن طريق توظيف عدد من الأدوات لنقل المعركة خارج حدودها. ولكن اليوم، بعض حلفائها «الأماميين» اختفوا، أو أصبحوا أضعفَ من أن يساعدوها على تنفيذ تلك الاستراتيجية لمواجهة تهديدات إسرائيل، فاتباع إيران تلكَ السياسة أدَّى إلى إهمال جبهتها الداخلية التي تخلخلت، واقتصادها الذي شارفَ على الانهيار، وعلاقاتها المتردية مع معظم جيرانها.
هذه الاضطرابات، وإن زادت حدّتُها هذه المرة، ليست غريبة على إيران؛ فالمنظمات الدولية تضع إيران في الأسفل لتصنيفاتها بشأن السلام والأمن الداخلي، إذ يضعها «مؤشر السلام العالمي» لعام 2025 في المرتبة 142 بين 163 دولة، راصداً تدهور الأوضاع الأمنية فيها منذ عام 2020.
بعد أسابيع قليلة سوف تحل الذكرى الـ47 لقيام الثورة الإيرانية، وربما لم تخلُ أي سنةٍ من تلك السنوات من التوتر والاضطرابات، لكنَّها لم تشهد أحداثاً مماثلة لما تواجهه الآن، حيث قتل آلاف من المتظاهرين وقوات الأمن، وانتشرت الاحتجاجات في مناطق إيران كافة؛ في طهران، الأهواز، أراك، داركهان، فرسان، فاسا، فولادشهر، همدان، أصفهان، إيزه، كرمانشاه، مشهد، مارليك، نجف آباد، نور آباد، قشم، قم، شيراز، ساري وغيرها، وفقاً للتقارير المتداولة.
اقتصادياً، كلّفتْ سياسةُ «الدفاع الأمامي» إيرانَ الكثيرَ، بسبب عسكرتها للاقتصاد وإعطائها الأولوية للمغامرات الخارجية، كما يتَّضح من مقارنة وضع إيران بجيرانها قبل الثورة وبعدها. ففي 1978، السنة التي سبقت الثورة، بلغ حجمُ الناتج المحلي الإجمالي الإيراني 78 مليار دولار، قريباً من اقتصاد المملكة العربية السعودية، الذي لم يتجاوز 80 ملياراً في ذلك الوقت. أما اليوم فإنَّ حجم الاقتصاد السعودي يتجاوز 1250 مليار دولار، أي تقريباً أربعة أضعاف الاقتصاد الإيراني (350 ملياراً)، مع أن إيران تتمتع بالكثير من الموارد الطبيعية والبشرية التي لا تتوفر سوى لقليل من الدول إمكانات شعبها الذين يتجاوز تعدادهم 90 مليوناً.
أمَّا حينما تنظر إلى نصيب الفرد في البلدين، فإنَّ دخل الفرد في السعودية يبلغ اليوم عشرة أضعاف دخل الفرد في إيران، حيث يقع بين 18 إلى 28 مليون مواطن تحت خط الفقر.
ولهذا فليس من المستغرب أن تنتشر الاحتجاجات في عموم إيران في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وتشديد العقوبات الدولية، وضعف ثقة المواطن في قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها أمام الهجمات الخارجية، وتدهور مكانتها الإقليمية والدولية.
استراتيجية «الدفاع الأمامي» كان المقصود منها تمكين إيران من فرض نفوذها بعيداً عن حدودها، ومنع الهجمات على أراضيها، وردع خصومها، لكي تخلق بعداً استراتيجياً أعمق، وتُبعد شبح الحرب عن مواطنيها، وذلك باستخدام وكلائها في الدول الأخرى، وترسانتها من الصواريخ المتقدمة والمسيّرات، وأدوات الحرب السيبرانية.
ولمدة من الزمن بدا أن هذه الاستراتيجية قد نجحتْ؛ ففي أثناء «الربيع العربي» احتفلتْ إيرانُ بسيطرتها على أربع عواصم عربية، فهيمنتْ على سوريا، ونجحتْ في جعل «حزب الله» القوةَ الوازنةَ في السياسة اللبنانية، وساعدتِ الحوثيين في انقلابهم على الحكومة الشرعية في اليمن وهجماتهم ضد دول الخليج وضد الملاحة في البحر الأحمر.
وطوَّرت إيرانُ قدراتِها في صناعة الصواريخ والمسيرات، للتعويض عن ضعف أدواتها العسكرية التقليدية، وقامتْ بشنّ هجمات صاروخية، مباشرة أو من خلال وكلائها، على دول الخليج، كما طورتْ أدوات الحرب السيبرانية لتهاجم بها جيرانها أيضاً.
واعتقدت طهران أنَّ هذه الأدوات كافية لتأمين مصالحها، ولهذا لم تطور قدراتها الدبلوماسية، أو الاقتصادية، سواء مع جيرانها أو مع المجتمع الدولي، فأصبح التحدي بدل التعاون علامة فارقة لتعاملها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والدبلوماسية الخشنة أسلوباً للتعاطي مع الأصدقاء والخصوم، ممّا عزل إيرانَ دولياً وإقليمياً.
أثبتتْ أحداث العامين الماضيين فشلاً ذريعاً لاستراتيجية الدفاع الأمامي، ففي عام 2024 سقط نظام الأسد، وقضت إسرائيل على قيادات «حزب الله»، مما أفقد إيران اثنين من أقوى دفاعاتها الأمامية. وفي عام 2025 فشلت صواريخها ومسيراتها في ردع إسرائيل، التي هاجمت إيران في عُقر دارها، وألحقت الضرر بمنشآتها النووية، واغتالت العديد من علمائها النوويين وقادتها العسكريين، وهي تهدد الآن بهجوم جديد.
من المفروض في ضوء فشل استراتيجية الدفاع الأمامي أن تنهج إيران طريقاً آخر. وإذا تمكنتْ من الخروج بسلام من أزمتها الحالية، فإنَّ من الحكمة أن تعطي طهرانُ أولويةً للدبلوماسية في إعادة ترتيب علاقاتها مع جيرانها في مجلس التعاون، وتتخلّى عن استخدام القوة أو التهديد بها تجاههم. لقد مدَّت دول المجلس يدَ الصداقة لإيران مراراً، ودعمتها دبلوماسياً، وعرضت عليها صفقة لا تُعوض: مقابل وفاء إيران بالتزاماتها الدولية، وبمبادئ الأمم المتحدة وقواعد التعامل بين الدول، يتم تطبيع العلاقات وتحقيق التكامل الإقليمي في الخليج، بما سيعود بالنفع على الجانبين ويُخرج إيران من عزلتها.
ومثل هذا المآل سيكون عَوداً حميداً لما كانت عليه العلاقات بين ساحلي الخليج لآلاف السنين، وتعود إيران جزءاً من نسيج المنطقة ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، وحلقة وصل بين غرب آسيا، حيث الدول العربية، ووسط آسيا وجنوبها، وسيكون هذا التكامل كذلك عامل قوة لإيران في مواجهة التهديدات الخارجية.
