لماذا تباطأت حملة الترحيل قبل الانتخابات النصفية الأميركية؟

حولت ملف الهجرة من ورقة قوة إلى عبء سياسي واقتصادي معاً قبل انتخابات نوفمبر

أحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها: «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» قبل السير وسط المدينة خلال «مسيرة من أجل الكرامة» يوم الأول من مارس 2025 في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
أحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها: «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» قبل السير وسط المدينة خلال «مسيرة من أجل الكرامة» يوم الأول من مارس 2025 في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

لماذا تباطأت حملة الترحيل قبل الانتخابات النصفية الأميركية؟

أحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها: «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» قبل السير وسط المدينة خلال «مسيرة من أجل الكرامة» يوم الأول من مارس 2025 في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
أحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها: «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» قبل السير وسط المدينة خلال «مسيرة من أجل الكرامة» يوم الأول من مارس 2025 في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

منذ أسابيع، لم يعد البيت الأبيض يتحدث عن الهجرة بالنبرة نفسها التي طبعت بدايات الولاية الثانية لدونالد ترمب. فبعد موجة من المداهمات الواسعة والاحتجازات الكثيفة، برز تراجع نسبي في أكثر الأساليب تشدداً، تَمثَّل في انخفاض الدعاوى العاجلة التي رفعها محتجزون لدى سلطات الهجرة، وفي انتقال الخطاب الرسمي من الحديث الفضفاض عن «الترحيل الجماعي» إلى التركيز على «المجرمين العنيفين».

قائد فرق دوريات الحدود غريغوري بوفينو (يميناً) وقائد العمليات ماركوس تشارلز خلال مؤتمر صحافي في مينيابوليس (أ.ف.ب)

لكن هذا التحول لا يعني أن الإدارة تخلت عن جوهر سياستها، بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاندفاعة الأولى اصطدمت بثلاثة جدران مرة واحدة: القضاء، والاقتصاد، والانتخابات النصفية المقبلة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وفي المقابل، أثار هذا التعديل غضب أكثر الحلفاء تشدداً حول ترمب؛ إذ يرون فيه تراجعاً عن الوعد المركزي الذي شكّل أحد أعمدة تعبئة قاعدته.

ضغط المحاكم

المؤشر الأوضح على هذا التراجع هو ما كشفه تحليل لصحيفة «بوليتيكو» عن انخفاض التماسات الدعاوى العاجلة التي يرفعها محتجزو الهجرة للطعن في احتجازهم. فبعدما بلغت هذه الالتماسات ذروتها عند أكثر من 400 دعوى يومياً في 6 فبراير (شباط)، أخذت تتراجع تدريجياً، فهبطت إلى ما دون 300 دعوى يومياً في أواخر الشهر، واقتربت من 200 دعوى يومياً في مطلع مارس (آذار)، بالتوازي مع تخفيف الإدارة بعض أوسع عملياتها، ولا سيما بعد تقليص وجود أجهزة الأمن الفيدرالي، وخصوصاً وحدات «أيس» في ولاية مينيسوتا. هذا التراجع لم يكن سياسياً فقط، بل كان أيضاً استجابةً لتكلفة قانونية وإدارية هائلة: محاكم فيدرالية مثقلة، ودوائر استئناف غارقة في القضايا، ومحامون حكوميون يشكون من أن ملفات الاحتجاز باتت تزاحم ملفات جنائية وتحقيقية أخرى.

عناصر من دوريات الحدود الأميركية يعتقلون شخصاً في مينيابوليس (أ.ف.ب)

وفي هذا المعنى، لم تعد المشكلة في قدرة الإدارة على تنفيذ الاعتقالات، بل في قدرة الدولة نفسها على استيعاب تبعاتها. فالضغوط القضائية ترافقت مع انتقادات متصاعدة لأساليب التنفيذ، ومع مناخ سياسي ازداد توتراً بعد حوادث ميدانية أودت بحياة أميركيين في مينيسوتا، وأثارت ردود فعل واسعة. لذلك بدا أن البيت الأبيض خلص إلى أن الإفراط في الاتساع والسرعة قد يحقق مكاسب دعائية قصيرة الأجل، لكنه يفتح أيضاً جبهة استنزاف مع القضاء والبيروقراطية الفيدرالية، وهي جبهة لا تقل خطورة في عام انتخابي عن جبهة المعارضة السياسية.

الاقتصاد يفرض إيقاعه

غير أن العامل الحاسم ربما كان اقتصادياً أكثر منه قانونياً. فالتشدد في الهجرة يصطدم في الولايات المتحدة بحقيقة بنيوية: قطاعات واسعة ما زالت تعتمد على العمالة المهاجرة، بما فيها العمالة غير النظامية. ووفق وزارة الزراعة الأميركية، فإن 42 في المائة من عمال المحاصيل في 2020-2022 كانوا بلا تصاريح عمل، في حين تُظهر بيانات أحدث أن العمال المولودين خارج الولايات المتحدة يشكلون نحو 26 إلى قرابة 30 في المائة من قوة العمل في البناء، فضلاً عن حضور كثيف في الضيافة والخدمات الموسمية والنقل. وهذا يعني أن أي حملة اقتلاع واسعة وسريعة لا تُقرأ فقط في لغة الأمن والحدود، بل أيضاً في لغة نقص العمال، وتعطل المشاريع، وارتفاع التكلفة على الشركات والمستهلكين.

عملاء فيدراليون يعتقلون شخصاً بأحد شوارع مينيابوليس يوم 24 يناير (أ.ف.ب)

لهذا لم يكن عابراً أن تسمح إدارة ترمب نفسها في يناير (كانون الثاني) بإضافة 65 ألف تأشيرة موسمية من فئة «إتش-2ب»، في خطوة بررتها بالحاجة إلى تخفيف النقص الحاد في العمالة في البناء والضيافة وتنسيق الحدائق وتجهيز المأكولات البحرية.

الرسالة هنا شديدة الوضوح: حتى الإدارة التي هي أكثر تشدداً لا تستطيع المضي بعيداً في تجفيف عرض العمل من دون أن تدفع ثمناً اقتصادياً مباشراً. وتدعم ذلك تقديرات اقتصادية متزايدة؛ إذ تشير تحليلات لمؤسسة «ديلويت» إلى أن ترحيل نحو خمسة ملايين مهاجر غير نظامي بحلول 2028 قد يقتطع نحو نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، في حين قدّرت مؤسسة «بين وارتون بادجيت» أن سحب تصاريح العمل من مئات الآلاف من العمال ضمن برامج الحماية المؤقتة، قد يحرم الاقتصاد من أكثر من 36 مليار دولار سنوياً، ويعمّق النقص في البناء والتنظيف والضيافة، خصوصاً في ولايات أساسية انتخابياً مثل فلوريدا وتكساس. هنا يصبح «التراجع» أقل شأناً آيديولوجياً وأكثر شبهاً بتعديل اضطراري تفرضه السوق.

حسابات الانتخابات النصفية

العامل الثالث هو السياسة الانتخابية، فملف الهجرة ما زال قادراً على تعبئة قاعدة ترمب، لكن المشكلة أن ما ينشّط القاعدة لا يكفي بالضرورة للفوز في الدوائر المتأرجحة. لذلك أفادت تقارير بأن البيت الأبيض طلب من الجمهوريين تخفيف الحديث عن «الترحيل الجماعي»، والتركيز بدلاً من ذلك على ترحيل أصحاب السوابق العنيفة، في محاولة لصياغة رسالة أكثر قابلية للتسويق لدى الناخبين المستقلين واللاتينيين الذين أبدى بعض الجمهوريين قلقاً من خسارتهم.

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

هذا التعديل لم يأتِ من فراغ، فقد أظهر استطلاع للإذاعة الوطنية وهيئة البث الحكومية مع مؤسسة «ماريست» في فبراير (شباط) أن 65 في المائة من الأميركيين يعتقدون أن وكالة الهجرة والجمارك ذهبت بعيداً في إنفاذ قوانين الهجرة، وهي نسبة أعلى من المسجلة في يونيو (حزيران) 2025. في حين أظهر استطلاع «واشنطن بوست - إيه بي سي - إبسوس» أن غالبية الأميركيين تعارض حملة الترحيل الواسعة، وتتحفظ على الأساليب العدوانية في المداهمات. لكن هذا ما يفسر أيضاً غضب الحلفاء المتشددين الذين أسسوا ما يسمى «ائتلاف الترحيل الجماعي» للضغط على ترمب كي لا يحصر الترحيل في «الأسوأ من الأسوأ». هؤلاء يراهنون على أن التراجع في الخطاب والتنفيذ قد يُحبط قاعدة الرئيس بدل أن يوسّعها، ويستشهدون باستطلاعات داخل البيئة الجمهورية، وحتى نسبة كبيرة من الناخبين اللاتينيين الذين صوتوا لترمب، تُظهر تأييداً مرتفعاً لترحيل جميع من يمكن ترحيلهم.

وبين هذين المنطقين يقف البيت الأبيض أمام معضلة حقيقية: هل يرضي القاعدة التي هي أشد صخباً، أو يخفف النبرة كي يحمي الأغلبية الجمهورية الهشة في الكونغرس؟ حتى الآن، يبدو أن الحساب الانتخابي الأوسع يتقدم على الإغراء الآيديولوجي الخالص. فالإدارة لم تتراجع عن هدفها، لكنها على الأرجح تراجعت عن الإيقاع الذي كان يهدد بأن يحول ملف الهجرة من ورقة قوة إلى عبء سياسي واقتصادي معاً قبل انتخابات نوفمبر.


مقالات ذات صلة

«العفو الدولية» تحذر من مخاطر جسيمة في كأس العالم 2026

رياضة عالمية كأس العالم 2026 ستقام وفق تعقيدات أمنية في الولايات المتحدة والمكسيك (رويترز)

«العفو الدولية» تحذر من مخاطر جسيمة في كأس العالم 2026

حذرت منظمة العفو الدولية من أن ملايين المشجعين المتجهين إلى كأس العالم لكرة القدم 2026 قد يواجهون مخاطر جسيمة تتعلق بحقوق الإنسان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ)

السيسي يحذّر من «تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية جسيمة» لحرب إيران

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن مصر تدين العدوان على أشقائها من الدول العربية، وتدعو إلى إعطاء الفرصة لوقف الحرب، والبحث عن الحلول السلمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا «الهلال الأحمر» الليبي يقدم دعماً لمهاجرين تم إنقاذهم من الغرق قبالة شرق طبرق (الهلال الأحمر الليبي)

نجاة 116 مهاجراً من الغرق قبالة سواحل طبرق الليبية

نجا 116 مهاجراً غير نظامي من الغرق قبالة ساحل مدينة طبرق شرق البلاد، بعدما ظلوا 24 ساعة في مياه البحر المتوسط، في واحدة من عمليات تهريب المهاجرين إلى أوروبا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عالمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تمثيل الولايات المتحدة تحت النار: ترمب يهاجم المتزلج هانتر هِس

هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب متزلج الفري ستايل الأولمبي هانتر هِس، واصفاً إياه بأنه «خاسر حقيقي»، ومعتبراً أنه «من الصعب جداً تشجيع شخص كهذا».

شمال افريقيا صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)

كيف ترى القاهرة مقترح لقاء السيسي - نتنياهو؟

نقل موقع «أكسيوس» الأميركي عن مسؤول أميركي وآخر إسرائيلي الأحد أن البيت الأبيض يسعى إلى التوسط لعقد قمة بين السيسي ونتنياهو.

هشام المياني (القاهرة)

مقتل شخص صدمته طائرة أثناء إقلاعها في مطار أميركي

طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)
TT

مقتل شخص صدمته طائرة أثناء إقلاعها في مطار أميركي

طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)

صدمت طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» شخصاً وقتلته أثناء الإقلاع، بعد أن قفز فوق سياج وكان يتواجد على مدرج في مطار دنفر الدولي بولاية كولورادو الأميركية، حسبما ذكرت سلطات المطار.

وأدى التصادم إلى نشوب حريق في المحرك مما أجبر الركاب على إخلاء الطائرة، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

ووفقاً لمنشور على الحساب الرسمي للمطار على منصة «إكس»، فإن الطائرة التي كانت في طريقها من دنفر إلى مطار لوس أنجليس الدولي «أبلغت عن اصطدامها بأحد المشاة أثناء الإقلاع في مطار دنفر في تمام الساعة 19:11 من مساء يوم الجمعة».

وقال متحدث باسم المطار إن الشخص الذي قفز فوق سياج محيطي قد توفي، وذكروا أن الشخص المجهول الهوية صُدم بعد دقيقتين من دخوله المطار، ولا يُعتقد أن الشخص موظف في المطار.

وقالت شركة «فرونتير إيرلاينز»، في بيان، إن الرحلة رقم 4345 هي التي تورطت في التصادم وإنه «تم الإبلاغ عن دخان في الكابينة وألغى الطيارون الإقلاع». ولم يتضح بعد ما إذا كان الدخان على صلة بالتصادم.

وقالت شركة الطيران إن الطائرة كانت تحمل 224 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم. وتم إجلاء الركاب عبر المنزلقات وقام فريق الطوارئ بنقلهم بالحافلات إلى المطار.

وقال المتحدث باسم المطار إن 12 راكباً أصيبوا بجروح طفيفة ونُقل خمسة إلى المستشفيات.


أميركا: وفاة أحد المشاة بعد اصطدامه بطائرة أثناء إقلاعها من مطار دنفر

طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أميركا: وفاة أحد المشاة بعد اصطدامه بطائرة أثناء إقلاعها من مطار دنفر

طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

قالت سلطات مطار دنفر الدولي إن طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» صُدمت بأحد المشاة على مدرج المطار أثناء إقلاعها، مما أدى إلى نشوب حريق في المحرك وإجلاء الركاب.

وكتبت سلطات المطار في حسابها على موقع التواصل الاجتماعي «إكس»، إن الطائرة التي كانت في طريقها من دنفر إلى مطار لوس أنجليس الدولي «أبلغت عن اصطدامها بأحد المشاة خلال إقلاعها من مطار دنفر الدولي، حوالي الساعة 11 و19 دقيقة مساء أمس الجمعة».

وأبلغ الطيار برج المقابلة، طبقاَ لموقع «إيه تي سي دوت كوم»: «سنتوقف على المدرج... لقد صدمنا شخصاً ما للتو. لدينا حريق في المحرك».

وقال الطيار لمراقب الحركة الجوية إن «هناك 231 شخصاً على متن الطائرة وإن شخصاً ما كان يسير عبر المدرج».

مسافرون عند أكشاك تسجيل الوصول الذاتي بمكتب تذاكر الخطوط الجوية المتحدة داخل المطار الدولي في دنفر (أ.ب)

وتم إجلاء الركاب عبر المزالق، ونقلتهم فرق الطوارئ بالحافلات إلى مبنى الركاب. وصرح المتحدث باسم المطار بأن 12 راكباً أصيبوا بجروح طفيفة، ونُقل خمسة منهم إلى مستشفيات.

وقال متحدث باسم المطار إن الشخص، الذي قفز فوق السياج المحيط بالمطار، قد فارق الحياة. وأضاف أن الشخص، الذي لم تُكشف هويته، صُدم بعد دقيقتين من دخوله المطار. ويُعتقد أنه ليس من موظفي المطار.

وجاء الحادث بعد يوم من مقتل موظف في شركة «دلتا إيرلاينز» أثناء تأديته عمله في مطار أورلاندو الدولي. وفي بيان لها، قالت الشركة إن الموظف قُتل ليلة الخميس دون تقديم تفاصيل عن الحادث أو اسم الموظف.

وقالت الشركة: «نحن نركز على تقديم كامل دعمنا لعائلة الضحية ورعاية فريقنا في أورلاندو خلال هذه الفترة العصيبة. ونعمل مع السلطات المحلية في إطار تحقيق شامل جارٍ لتحديد ملابسات الحادث».

Your Premium trial has ended


حرب إيران تشعل الانقسامات الأميركية

متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)
متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تشعل الانقسامات الأميركية

متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)
متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)

تحوّل الخلاف حول حرب إيران في واشنطن من الانتقاد إلى التخوين في الأيام الأخيرة، مُنذراً بتصعيد شرس في حدّة الخطاب السياسي في موسم انتخابي مصيري للحزبَين الديمقراطي والجمهوري. فعلى الرغم من تأكيد إدارة ترمب في رسالتها إلى «الكونغرس» أن الأعمال العدائية مع إيران انتهت، في محاولة لتجنّب المطلب الدستوري بالتصويت على تفويض الحرب بعد ستين يوماً من بدئها، فإن الديمقراطيين رفضوا هذه الرواية واتهموا الإدارة بالتضليل وانتهاك الدستور، متسائلين عن الأهداف التي حققتها الحرب.

يستعرض برنامج «تقرير واشنطن» -وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»- ما إذا كان «الكونغرس» سيتحرك لتقييد صلاحيات الرئيس مع انقضاء المهلة التشريعية، في معركة مفتوحة ترسم ملامح الانتخابات النصفية، وما إذا كانت الإدارة ستنجح في احتواء الانقسامات داخل الحزب الجمهوري.

معارضو الحرب «أكبر خصم» لأميركا

في أول جلسة علنية لمسؤول في إدارة ترمب أمام «الكونغرس» منذ بدء حرب إيران، اتهم وزير الحرب، بيت هيغسيث، الأسبوع الماضي معارضي الحرب بأنهم «أكبر خصم تواجهه أميركا»، في موقف أظهر حدة المواجهة وانتقال الملف من الانتقاد إلى التخوين.

وزير الحرب بيت هيغسيث في جلسة استماع أمام لجنة بمجلس الشيوخ... يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويقول المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي خلال عهد بوش الابن، مارك فايفل، إن هذه التصريحات تظهر كيف أن الحرب أدّت إلى توسيع الفجوة بين الجمهوريين والديمقراطيين أكثر مما كانت عليه في السابق، مشيراً إلى أن الوضع الحالي في واشنطن يتّسم بقدر كبير من الاستقطاب. ووصف هذه التجاذبات بالأمر الخطير جداً، لأنها تعمّق الانقسامات الحادة في البلاد. وعن سير حرب إيران، يشير فايفل إلى أن «معدل التأييد لها منخفض جداً. كما انخفضت نسبة تأييد ترمب بشكل كبير، لذا تحاول الإدارة جاهدة إيجاد طريقة للخروج من هذا المأزق، وكيفية التفاوض مع الإيرانيين للتوصل إلى اتفاق يُحقّق لهم مكاسب ويسمح بإعادة القوات إلى الوطن قبل انعقاد الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)».

من ناحيته، يرى كبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية، ستيفن كوك، أن ترمب لا يزال يتمتع بنفوذ على الغالبية العظمى من الجمهوريين في «الكونغرس»، مشيراً إلى أن أي مشرّع يعارض ترمب علناً يخطط على الأرجح للتقاعد في نهاية ولايته. لكنه يحذر من استمرار الحرب وغلاء الأسعار في الموسم الانتخابي، قائلاً: «أمامنا انتخابات تمهيدية وانتخابات نصفية في نوفمبر، وأسعار البنزين آخذة في الارتفاع. وأعتقد أن الشعب الأميركي حساس بشكل خاص تجاه أسعار البنزين، وهذا له تأثير مباشر على شعبية الرئيس وحزبه. لقد بدأ الأمر يُؤذي الأميركيين حقاً. وأتوقع أن يواصل الجمهوريون دعم موقف الرئيس في هذا الشأن إلى أن تتقاطع مصالحهم السياسية مع الألم الذي بدأ الشعب الأميركي يشعر به».

تشهد أسعار البنزين ارتفاعاً كبيراً في الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

وتوافق إنجي وانغ -وهي خبيرة استراتيجية جمهورية في فلوريدا- على أن ارتفاع أسعار البنزين من شأنه أن يُؤذي حظوظ الجمهوريين بالفوز في الانتخابات النصفية، مشددة على ضرورة أن يُركّز الرئيس الأميركي على القضايا الداخلية في البلاد. وتضيف: «لقد أمضى النصف الأول من ولايته الثانية مركزاً بشكل كامل على القضايا الخارجية، وهو بحاجة ماسة الآن إلى العودة للشؤون الداخلية، لأن انتخابات التجديد النصفي ستُجرى بعد بضعة أشهر فقط».

وأشارت إنجي وانغ إلى نتائج انتخابات إنديانا التمهيدية، حيث حقق المرشحون المدعومون من ترمب فوزاً ساحقاً، عادّة إياه دليلاً على أن تأييد ترمب لا يزال مرتفعاً في صفوف الحزب الجمهوري. وتستدرك: «نحتاج إلى مواصلة هذه الجهود، لأن الديمقراطيين يلاحقوننا محاولين الفوز بكل ما يمكنهم الفوز به. وستكون هذه طبيعة المنافسة حتى نوفمبر. لكن هذه فترة قصيرة، وإذا ما كانت أسعار البنزين لا تزال مرتفعة للغاية بحلول سبتمبر (أيلول)، فسيكون الحزب الجمهوري في مأزق».

شعبية متدهورة

يلفت فايفل إلى أن ارتفاع الاستياء حول تداعيات حرب إيران يدفع ترمب إلى محاولة إنهاء الصراع بسرعة، «خصوصاً أنه لم يفسّر للشعب الأميركي أسباب تدخل البلاد في إيران بوضوح، مما انعكس في استطلاعات الرأي».

ترمب في البيت الأبيض يوم 7 مايو 2026 (رويترز)

وأشار إلى اتّساع حجم التحديات الداخلية لاستمرار الحرب ضمن قاعدة الحزب الجمهوري، خصوصاً في صفوف المؤثرين من الحزب ومقدمي البودكاست، وقال: «يؤثر ذلك على ترمب. إنه يحب أن يرى نفسه مصوراً بطريقة إيجابية في التغطيات الصحافية، وهو لم يرَ ذلك منذ فترة طويلة، باستثناء بعض الحالات. هذا ما يحاول استعادته».

وذكر فايفل أن نسبة تأييد الرئيس تبلغ حالياً 30 في المائة، وهي أدنى نسبة سجلها طوال فترة رئاسته، بما في ذلك ولايته الأولى. ويعدّ الطريقة الوحيدة لتحسين الوضع هي «فتح مضيق هرمز، ثم إيجاد مخرج يظهر أنه أنهى الأمر بالتوصل إلى صفقة أفضل من الاتفاق السابق الذي أبرمه حينذاك الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في عام 2015».

في المقابل، يستبعد كوك أن يتمكّن ترمب من التوصل إلى اتفاق أفضل من اتفاق عام 2015، مشيراً إلى رفض النظام الإيراني التنازل عن تخصيب اليورانيوم وتمسكه بتكنولوجيا صناعة الصواريخ، فضلاً عن اعتراضه على وقف تمويل وكلائه. وقال: «من المؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا مجموعة متنوعة من الانتصارات التكتيكية خلال القتال، لكن الصورة الاستراتيجية العامة لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة. ولا يبدو أن الرئيس سيحصل على صفقة أفضل من اتفاق أوباما. أخشى أن يؤدي يأس ترمب للخروج من الموقف الذي خلقه بنفسه إلى إبرام اتفاق يترك الولايات المتحدة في وضع أسوأ مما كانت عليه في 27 فبراير (شباط)».

«الكونغرس» والحرب

السيناتورة الديمقراطية كيرستن غيليبراند في جلسة استماع بـ«الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (أ.ب)

تعارض إنجي وانغ هذه المقاربة، وترى أن لدى ترمب أوراقاً رابحة للتفاوض، ورفض «أي اتفاق سيئ». وأشارت الخبيرة الاستراتيجية الجمهورية إلى نجاح الأغلبية الجمهورية بـ«الكونغرس» في إحباط مساعي الديمقراطيين لتقييد حركته في حرب إيران، لافتة إلى أن ذلك يُعطي الرئيس الوقت «ليفعل ما يلزم لإنهاء هذا الصراع في إيران مرة واحدة وإلى الأبد». في الوقت نفسه، تحدّثت إنجي وانغ عن التحديات التي تواجه الإدارة في التفاوض مع الفريق الإيراني، لافتة إلى أنه «من الصعب تحديد الجهة التي تتفاوض معها الولايات المتحدة. فهناك وزير خارجية يتظاهر بأنه المفاوض، لكننا لا نعرف حقاً ما إذا كان يتمتع بالسلطة الكاملة للتفاوض بالنيابة عن المرشد».

وقد سعى الديمقراطيون في «الكونغرس» إلى تقييد صلاحيات ترمب في الحرب أكثر من مرة، إلا أنهم اصطدموا برفض جمهوري 6 مرات في مجلس الشيوخ ومرتين في مجلس النواب. ويرى فايفل أن التحدي الحقيقي لإدارة ترمب في «الكونغرس» سيحصل عندما تسعى إلى إقرار ميزانية الدفاع التي طلبتها، والتي وصلت قيمتها إلى نحو 1.5 تريليون دولار. وأضاف: «لقد تم إنفاق الكثير على هذه الحرب، ولم نرَ التكلفة الحقيقية حتى الآن. فتكلفة كل صاروخ (توماهوك) هائلة، ونحن أطلقنا الكثير منها، ونحتاج إلى تجديدها. كما أن هناك مبالغ مرتبطة بإصلاح الأضرار التي أحدثتها الطائرات الإيرانية دون طيار والصواريخ الباليستية التي استهدفت منشآتنا العسكرية».

وبسبب التجاذبات الداخلية الأميركية، يقول كوك إن الإيرانيين يعتقدون أن لديهم متسعاً من الوقت، وإنهم سيتمكنون من الصمود حتى تنتهي ولايته. ويشير إلى أن المشكلة بين الحزبَين ليست حول ما إذا كانت إيران تشكل تهديداً أم لا، فهناك توافق كبير على ذلك، لكنها متعلقة بكيفية التعامل مع هذا التهديد. ويضيف: «فمن جهة، يتباهى الجمهوريون بالقوة، ويشيرون إلى أن ترمب يتعامل مع المشكلة بطريقة لم يفكر فيها أي رئيس من قبل. ومن جهة أخرى، يُركّز الديمقراطيون على القدرة على تحمّل التكاليف».

زيارة «مصيرية» إلى الصين

يرى أنصار ترمب ومنتقدوه أن زيارته إلى الصين الأسبوع المقبل قد تشكّل نقطة حاسمة في مسار حرب إيران.

ترمب والرئيس الصيني في لقاء ثنائي على هامش قمة «أبيك» في كوريا الجنوبية... 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وتُرجّح إنجي وانغ أن تلعب بكين دور الوسيط، قائلة: «سيكون من مصلحة الصين أن تتدخل، لأنها بحاجة إلى تجارة النفط مع إيران. وهي المستفيدة الأكبر من فتح مضيق هرمز».

وتعدّ وانغ التاريخ «الذي يجب أن يترقبه الجميع هو 14 مايو (أيار)، أي موعد لقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب»، مرجحة أن يشهد اللقاء مفاوضات «من نوع ما للتوصل إلى حل وسط» حسب تعبيرها. ويدعم فايفل هذا الطرح، ويقول إن ترمب يرغب في الذهاب إلى الصين وتحقيق نجاح من نوع ما، «إما من خلال إبرام اتفاق تجاري، وإما إصدار إعلان مهم».

وفي حين لا تمانع الصين في رؤية الولايات المتحدة «تعاني» مشكلة مضيق هرمز، على حد تعبيره، «فإنها بحاجة كذلك إلى سوق أميركية نشطة، حيث يشتري المستهلكون المنتجات التي تصنعها الصين. كما أن بكين تحتاج إلى النفط الإيراني على المدى الطويل».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended