خلال الأعوام الأربعة الماضية، ظهرت توقعات من خبراء ومنظمات دولية، تشكِّك في مستقبل النفط، وتتوقع أن يصل الطلب عليه إلى قمته في عام 2030 أو 2035، ليبدأ بعدها في الانخفاض التدريجي، أو ربما الانهيار الكلي، بحيث يصل الطلب في عام 2050 إلى 40 أو 50 مليون برميل يومياً، منخفضاً بنحو 60 في المائة عمَّا هو عليه اليوم.
ومستقبل النفط، ومنذ أن أصبح مادة أساسية في السياسات المحلية والدولية والاقتصاد وحياة البشر مع بداية القرن العشرين، ظل عرضة للشكوك، وظلت بعض الأفكار والتكهنات السلبية تسود بين بعض الاقتصاديين والخبراء والإعلام، وحتى بين السياسيين.
ومن الأفكار التي سادت ثم بادت:
أولاً- محدودية كميات النفط القابل للاستخراج، والتي تعني أن النفط في طريقه إلى النضوب، ويتم تحديد سنة معينة لحصول ذلك.
هذه الفكرة ظهرت عدة مرات خلال القرن العشرين، ومن أهمها ما توقعه الجيولوجي الأميركي ماريون كينغ هوبرت، عام 1956، من وصول الإنتاج الأميركي من النفط إلى ذروته في أو قبل الستينات.
وتكررت الفكرة عدة مرات في فترات لاحقة، لعل آخرها ما راج في السبعينات مع تقرير نادي روما، الذي شارك في إعداده خبراء عالميون مشهورون، توقع نضوب المواد الأولية بما فيها البترول، وتبع ذلك تقرير من الحكومة الأميركية في عام 1980، وصلت تقديراته إلى أن نضوب النفط سوف يبدأ في عام 2000.
ثانياً- فكرة قرب نضوب النفط السعودي ظهرت في بداية القرن الحادي والعشرين، وتبناها الخبير والمستثمر الأميركي ماثيو سيمونز، ونشر في عام 2005، كتاباً بعنوان: «الغروب في الصحراء: هزة النفط السعودي، والاقتصاد العالمي». وقد انتشرت تلك المقولة ولقيت اهتماماً عالمياً، ونُشر كثير من المقالات والأبحاث والكتب حولها... لكنها لم تعش لأكثر من خمس سنوات، حيث أثبت الواقع العملي خطأها.
ثالثاً- فكرة أن الإنتاج العالمي من النفط سوف يصل إلى حده الأقصى، ثم يبدأ في الانخفاض. ففي بداية القرن العشرين، وتحديداً في عام 2001، أصدر البروفسور وخبير النفط الأميركي كينيث ديفيز، كتاباً قال في مقدمته: «الإنتاج العالمي من النفط، سوف يصل إلى قمته خلال هذا العقد.. وبعد ذلك سوف يسقط، ولن يعود أبداً بعد ذلك».
وللمعلومية، فقد كان الإنتاج العالمي آنذاك 85 مليون برميل يومياً، أما الآن فهو 105 ملايين برميل!
رابعاً- تظهر بين الحين والآخر فكرة وصول استخدام (استهلاك) النفط إلى قمته ثم بداية انخفاضه، وقد بدأ تداولها في أواخر السبعينات والنصف الأول من الثمانينات، عندما قررت الدول الغربية، كردّة فعل على تأثير «أوبك» في السوق، خفض استخدامها للنفط من خلال عدة طرق لعل من أهمها تخفيض استهلاك النفط والطاقة بوسائل متعددة من بينها تحديد سرعة السيارات، وكذلك تشجيع استخدام الفحم، والطاقة النووية لتوليد الطاقة.
أما الفكرة السائدة حالياً، فتتمثل في انخفاض استخدام النفط والغاز والفحم (المصادر الأحفورية)، بل التخلص منها بشكل كبير، والتحول إلى الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحتى النووية، لمحاربة الاحتباس الحراري.
هذه الأفكار ترتفع وتنخفض وأحياناً تسُود وتبيد. وهذا الأمر ليس محصوراً على الطاقة والنفط، بل يشمل مجالات أخرى، سياسية واقتصادية وثقافية وحتى فنية وأدبية.
وبالنسبة إلى مستقبل النفط، فهناك المتشائمون والسلبيون ومن يحبون البروز ومن تدفعهم أهداف سياسية. فمستقبل استخدام النفط لا تحكمه التمنيات والرغبات، بل يحكمه المنطق، والتطور الاقتصادي عالمياً ومحلياً، وسعي المواطنين نحو الرفاهية، والأهم من ذلك المصالح الوطنية، كما تراها الطبقة الحاكمة، فالآن نرى تحول الحكومة الأميركية من سياسة دعم الطاقة المتجددة مادياً ومن خلال التشريعات، إلى سياسة تعمل على وقف ذلك الدعم وتشجع إنتاج النفط والغاز وتصديره، مع اعتباره مصدراً مهماً لمصلحة وقوة أميركا.
إلا أن الأهم من كل ما سبق هو مناطق النمو الاقتصادي العالمي، التي تُعدّ مناطق لنمو الطلب على النفط... فبعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت انطلاقة استخدام النفط بشكل كبير، كانت دول الغرب (أميركا وأوروبا الغربية) المركز الرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي، ومن ثم نمو استخدام النفط، وتليها المنظومة السوفياتية (روسيا ودول أوروبا الشرقية). وفي الثمانينات والتسعينات، انتقل ثقل النمو الاقتصادي العالمي، ونمو الطلب على النفط إلى جنوب شرق آسيا، وبخاصة اليابان وكوريا الجنوبية. وفي العقد التالي، أصبحت الصين المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي، وعاملاً مهماً في نمو استخدام النفط، حيث تحولت من دولة مصدِّرة إلى ثاني أكبر دولة مستهلكة وأول دولة مستوردة، ودول أخرى آسيوية أصبحت ذات أهمية متزايدة وسوف تستمر كذلك، لعل من أبرزها الهند، وإندونيسيا، وبنغلاديش وفيتنام وغيرها.
وللمقارنة، فإن النسبة السنوية لاستهلاك الفرد من الوقود الأحفوري وعلى رأسه النفط تصل في أميركا إلى 62 ألف كيلووات، وفي الصين إلى 27 ألف كيلووات، وفي الهند إلى 6 آلاف كيلووات، وفي أفريقيا جنوب الصحراء إلى أقل من ذلك بكثير. كما أن الطلب على الكهرباء عالمياً يرتفع بنحو 4 في المائة سنوياً، وتقود ذلك دولُ العالم الثالث وعلى رأسها أفريقيا، حيث يوجد حالياً نحو 600 مليون إنسان جنوب الصحراء لا تتوفر لديهم الكهرباء. ويبدو أن المستقبل سيكمن في أفريقيا، وبالذات جنوب الصحراء، التي تمتلك المقومات الرئيسية لتكون المركز الجديد للنمو الاقتصادي العالمي، ومن ثم نمو الطلب على الطاقة والنفط. ومن هذه المقومات، امتلاك أعلى نسبة نمو اقتصادي، حيث تصل في كثير من الدول إلى أكثر من 5 في المائة. كما أن نسبة نمو عدد السكان تصل إلى 4.5 في المائة في وقت ينخفض فيه عدد السكان في مناطق أخرى من العالم مثل الدول الأوربية، واليابان وكوريا. فالقوة البشرية الشابة المتعلمة سوف تستمر أساساً رئيسياً للنمو الاقتصادي في القطاعات كافة، وسعي بلدانهم للمنافسة عالمياً مع امتلاك الكثير من الدول الأفريقية ثروات معدنية كبيرة ومهمة.
ومن هنا نستطيع القول إن نمو الاقتصاد العالمي سوف يستمر، مع انتقال الزخم من منطقة إلى أخرى، ومن هنا نمو الطلب على النفط، وجميع مصادر الطاقة الأخرى وعلى رأسها المتجددة، وإن اختلف مستواه من سنة إلى أخرى. كما قد يتعرض لهزات مثلما حدث في عام 2020 نتيجة لفيروس كورونا، الذي أثَّر في قطاع النقل المحلي والعالمي. إلا أن هذه الهزات لا تستمر طويلاً، حيث يعاود الطلب ارتفاعاته، وقد يصل في عام 2050 إلى أكثر من 120 مليون برميل يومياً، ليأتي هنا تحدٍّ ثانٍ، وهو كيفية مواجهة ازدياد الطلب في ظل غيوم التشكيك الحالية التي قد تؤثر سلباً في الاستثمارات ومن ثم توفر الإمدادات في المستقبل.