فؤاد مطر
أحد كتّاب الرأي والتحليل السياسي في «الشرق الأوسط» ومجلة «المجلة» منذ العام 1990 وقبلها عمل صحافياً وكاتباً في «النهار» اللبنانية و«الأهرام». نشر مجلة «التضامن» في لندن وله 34 مؤلفاً حول مصر والسودان والعراق والسعودية من بينها عملان موسوعيان توثيقيان هما «لبنان اللعبة واللاعبون والمتلاعبون» و«موسوعة حرب الخليج». وثَّق سيرته الذاتية في كتاب «هذا نصيبي من الدنيا». وكتب السيرة الذاتية للرئيس صدَّام حسين والدكتور جورج حبش.
TT

الاحتراب المبغوض... والفرص الضائعة

استمع إلى المقالة

هكذا حال الأمتيْن مع الحروب التي بقدْر ما يستغرب المرء دواعيها، فإنه يستهجن وقائعها وتصريحات المبتلين بها، وكيف أنها لا تتسم في جوانب منها بالأصول. وما هو أكثر غرابة أن «فرسان» ساحات الاحتراب لا يحترمون مناسبات دينية ووطنية، فيواصلون جولات من الاحتراب التي لا تأخذ في الاعتبار أن التعاليم السماوية تنبذ مبدأ الاحتراب.

في زمن مضى وليس بالبعيد، خاض الجاران المسلمان العراق وإيران جولات من الاحتراب نأت فيها مشاعر الجار البادئ بإشعال نار الحرب عما أثرى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشعور الإنساني من خلال وصيته بالجار من الأول القريب إلى السابع البعيد. وكنا كما سائر أبناء الأمتيْن المتحسرين على احتراب الجار العراقي مع الجار الإيراني. وكنا أيضاً من باب التفاؤل بحدوث وقفة من التأمل فيما فعله الجاران الشقيقان العراق الصدَّامي وإيران الخمينية علّها تحدُث، واستحضاراً للقول الطيِّب: تفاءلوا بالخير تجدوه، نفترض أن الشقيقين المتحاربيْن لا بد وقد اقترب شهر الصوم الأول في سنوات احترابهما الثماني سيعلن كل منهما أنه لمناسبة الشهر الفضيل سيصومان عن الاحتراب طوال الثلاثين يوماً. لكن ما نشير إليه لم يحدُث. ثم بدأنا نرى وبالكثير من التمني أن ما لم يتحقق مع حلول شهر الصوم لا بد أنه سيتحقق مع استهلال الأضحى المبارك.

شهر صوم يتبعه شهر أضحى، ولا من وقفة ضمير من جانب صانعي تلك الحرب التي تتسع فيها حالات الدمار الناشئة عن القصف براً وجواً. ثم بعد ذلك بدأ أبناء الأمتيْن يحصون المأساة بالسنة تلو السنة، وهذا نعيشه منذ سنتيْن، وبكثير من الاستغراب مع الذي يفعله عساكر السودان بعضاً ببعض.

ما يُراد قوله مما نعيد التذكير به عن زمن احتراب مضى وأسس لوضع في المنطقة لم يسلم منه سوى أصحاب الرؤى المستقبلية التنموية، ومنها «رؤية 2030» الواعدة والمضيئة للمملكة العربية السعودية والأمتين والعالم تشق طريقها بهمة التركيز على أن التنمية قضية تلغي الاحترابات على أنواعها، وتروِّض الصراعات، مهما اشتدت وتناثرت فيها مغامرات المراهنين. ويقودنا ما نقوله إلى الحالة الشبيه عناد رموزها، بل تحديداً عناد رمزيْها بحالة عناد الخميني - صدَّام اللذين لم يتركا للتلاقي فرصة كما تضييع أرحم فرصتيْن، فرصة شهر الصوم وفرصة الأضحى، اللتين كان من شأن اغتنام حدوثهما إتاحة فرصة أمام إسكات المدافع، وإعلاء صوت الفلاح وخير العمل عوض الاحتراب على النحو الذي جرى ماضياً بين العراق وإيران، ويتواصل حدوثاً بأساليب مبغوضة حاضراً بين جنراليْن في المؤسسة العسكرية السودانية العريقة. وعند استحضار فرص رتق ثوب الخلاف الذي تعاون الاثنان على رثه، وكيف أن بداية الفرص في جدة كانت كفيلة بمداواة متدرجة وناجعة للجرح السوداني النازف، يحزن المرء على ما يفعله العناد ببعض بني أصحاب المناصب والمسؤوليات في الدولة. كما تزداد نسبة حزنه عندما يرى إسرائيل نتنياهو تمعن فتكاً وتدميراً وتهجيراً بالشعب الفلسطيني في غزة ثم في رفح، فيما الفلسطينيون خصوصاً فلسطينيي رام الله الذين لم تحقق إسرائيل لسلطتهم مبتغاها، وفلسطين غزة التي بالغت إلى حد الانتماء في فارسيتها وعثمانيتها، لم يغتنم كلاهما معاً مناسبة عقْد القمة العربية الثالثة والثلاثين في المنامة، بحيث يتفاهمان ومن قبل انعقاد القمة على مسار يؤكد فيه الجانبان أن مساعي التوفيق التي رعتها روسيا بوتين ثم صين شي جينبينغ تبقى باهتة من دون روح عربية مثل تلك المحاولة الأولى في مكة المكرمة 8 فبراير( شباط) 2007، التي لو حدث التزام فيها وحرص على تنفيذ قَسَم كل منهما لكانت حالهما أفضل بكثير. ثم إنهما لو اغتنما الفرصة المشار إليها وذهبا إلى قمة المنامة بوفد موحد لكان العائد أفضل، ففي نهاية الأمر إن الوقفة العربية مجدية أكثر من أي وقفات عندما تتوافر مقومات انسجام الصف العربي، ولنا فيما نقول كيف أن الوجه العربي للقضية الفلسطينية حقق لها في القمة العربية في الخرطوم 1967 ما ساعد على صمودها. ومثل هذا السند كان سيتكرر وفق رؤى جديدة لو أنّ الفلسطينيين (دولة رام الله ودولة حماس في غزة) اتفقا مسبقاً وذهبا إلى القمة ما دامت عربية بوجه عربي.